د. محمود نديم نحاس
عندما أقرأ في كتب التاريخ عن عصور الانحطاط وتغلب التتار والمغول على بلادنا، وكيفية معاملتهم الفظة للناس، ربما أصفها في نفسي بأنها مبالغات من أجل إثبات نظرية سوء معاملة الغزاة، أو الحال الصعبة التي وصل إليها الناس في تلك الأزمان.

لكننا اليوم صرنا نرى الطغيان رأي العين، فالبث المباشر من موقع الحدث، سواء عبر شاشات التلفاز أو عبر الإنترنت وشاشات الحاسوب والهواتف الذكية، يعطينا الصورة أوضح ما تكون، دون مبالغات أو إضافات.

وما يجري في سوريا للشعب المسكين يجعلك تبكي ألماً وحرقة، ربما أكثر مما بكى الناس عندما سقطت البلاد بيد التتار والمغول. فقد ذكرت مصادر إخبارية أن تقريراً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أقر بأن أكثر من نصف سكان ريف دمشق محاصَرون، إضافة إلى أكثر من ثلاثمائة ألف آخرين في محافظة حمص. وكما قال مسؤول أمني لدى النظام: هي حملة (الجوع حتى الركوع). فحواجز التفتيش تمنع تهريب حتى الخبز أو حليب الأطفال أو الدواء إلى المناطق المحاصَرة.

نشرت صحيفة "الاندنبدنت" البريطانية مقالاً لروبرت فيسك بعنوان "الهجرة الجماعية في الشرق الأوسط ليست بالأمر الجديد إلا أن ضخامة الأعداد سيكون لها تأثيرها المدمر على المنطقة".وتساءل فيسك عن حجم التحركات السكانية الهائلة في الشرق الأوسط، لافتا الى أنه "في 1970 و1980 تدفق الأفغان بالملايين عبر الحدود الباكستانية والإيرانية كما فر عشرات الآلاف من اللبنانيين خلال الحرب الأهلية إلى سوريا، كما فر عشرات الآلاف من الكويتيين في عام 1990 هرباً من غزو الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، إضافة الى فرار ملايين العراقيين من بيوتهم أثناء الغزو الأمريكي عام 2003".

تهامة الجندي

ربما تكون الثورة السورية، هي الوحيدة في العالم التي أشعل فتيلها الأطفال، وسجّلوا مشاركتهم في مختلف مراحلها... الثورة التي بدأت بمشاكسات صبية، تتراوح أعمارهم بين العاشرة والخمسة عشر، خطّوا على جدران درعا نداء الحرية، وكان عقابهم أن اعتُقلوا وضُربوا واقتُلعت أظفارهم، فخرج أهلهم إلى الشارع مطالبين بقصاص الجاني، ليخطوا بذلك أولى علامات الفصل بين زمن الخوف والصمت، وزمن الرفض والاحتجاج. مذ ذاك التاريخ وحتى اليوم، قدّمت البلدة لوحدها سبعمائة وسبعين من أرواح فتّيتها، وسُلب الأطفال السوريون جميع حقوقهم بالحماية والرعاية، وباتوا يعيشون في مرمى الخطر، يُقتلون ويُسجنون، يفقدون أهلهم، بيوتهم ومدارسهم، يتشردون، يجوعون ويمرضون، حتى بات حالهم وصمة العار التي تدمغ جبين القرن الحادي والعشرين. 

كانت الساعة الرابعة صباحاً في ساحة مركز رباع السرحان لتسجيل اللاجئين بالقرب من الحدود بين الأردن وسوريا، وعلى الجانب الآخر من الساحة القاحلة المظلمة رأيت صفاً طويلاً من اللاجئين الذين عبروا الحدود تحت جنح الظلام، في انتظار تسجيلهم. وكسا هؤلاء اللاجئون غبار السفر، وارتسمت على وجوههم ملامح الصمت الرهيب، حتى الأطفال بدا وكأنهم فاقدون الوعي من أثر الخوف في رحلتهم عبر الحدود الأردنية في غسق الليل. وكانت على ظهور اللاجئين حقائب وأمتعة بالية مربوطة بحبال.

ومع دخول الحرب الأهلية المستعرة في سوريا منتصف عامه الثاني، من المؤسف أن قصة هؤلاء اللاجئين متطابقة، إذ أن ما يربو على ثلث الشعب السوري هجَروا منازلهم التي كانوا يعيشون فيها قبل الحرب، ولم يلتحق أطفالهم بالمدارس، والآباء لا يعملون.

وهناك ما يزيد على مليوني لاجئ فرُّوا عبر الحدود إلى دول مجاورة، خصوصاً الأردن ولبنان، في حين أن أكثر من أربعة ملايين شخص هُجّروا داخل البلاد، بينمايتم توزيع كميات ضئيلة من المساعدات الغذائية والطبية بصورة غير منتظمة.

 

الإسلام اليوم/ نيويورك تايمز

بإضافة تفشي مرض شلل الأطفال المحتمل إلى التهديدات التي تواجه المدنيين الأبرياء الآن في الحرب الأهلية السورية, وهو جزء مما يقول المسئولون الأمريكان إنه ربما يكون أسوأ كارثة إنسانية منذ التطهير العرقي في راوندا عام 1994 والتي أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 800000 شخص.

وبرغم أن المأساة تتضح على مرأى ومسمع من الجميع, فإن العديد من الدول بما فيها روسيا والصين, لم تُقدم أي شيء يُذكر لحملة الأمم المتحدة لتلبية الحاجات الأساسية للسوريين, حيث أن المدنيين يدفعون ثمنًا باهظًا منذ أن استخدم الأسد القوة المفرطة لسحق الاحتجاجات السلمية التي اندلعت عام 2011, والتي وصلت إلى مستوى حرب أهلية شاملة, كما يُقدر المسئولون عدد القتلى بما فيهم المقاتلون بما يزيد عن 11500.

JoomShaper