أيمن بريك
أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة أن إدمان العادة هو عبارة عن سجن يجب التخلص منه، مشيرًا إلى أنه يمكن معالجة إدمان العادة عن طريق إحلال العادات الحسنة.
وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة الثلاثاء من برنامج "حجر الزاوية"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "تغيير الذات 2" ـ: إن هذا النمط هو نوع من سيطرة أو سطوة أو سجن العادة سواء كانت عادة سلوكية يمارسها الإنسان كالتدخين، أو كانت هذه العادة فكرية، حيث لا تقل خطورة عن عادة التقليد، والمحاكاة.
التخلص من العادات
وأضاف الشيخ: إن من أكثر النماذج التطبيقية في تغيير الذات، هو التخلص من إدمان العادات، فقد روي عن علي -رضي الله عنه- كان يقول : "العادة طبع ثانٍ"، وقال مرة: "العادة سلطان"، مشيرًا إلى أن تأثير العادة كبير؛ لأنها سجن.
وأوضح الشيخ سلمان : إن العادة يمكن أن تعالج عن طريق إحلال العادات الحسنة، وذلك مثل كون إنسان تعود على صلاة الجماعة، فأي عادة أجمل من أن يكون شاب في الخامسة عشرة من عمره تعود على أن يصلي صلاة الجماعة، فيكبر ويسافر وتتغير ظروفه ولكن تصبح الصلاة مع الجماعة عادة تلح عليه ؛ وذلك لأن ميزة العادة أن الإنسان يظل محافظاً عليها حتى لو وجدت موانع.
ولفت فضيلته إلى أن الرياضة من الأشياء المهمة التي يمكن أن تساهم في إحلال العادات الحسنة، وعلى سبيل المثال، فإن الإنسان إذا تعود على المشي، فإنه يستطيع مع المشي أن يسبّح الله أو يحمد أو يستغفر، وكذلك العادات الحسنة المتعلقة بالغذاء، فمن الحسن أن يعتني المرء بالغذاء السليم حتى يتعود الجسم عليه، ومن ثم يتذوقها بدلاً من أن يتذوق أغذية غير مفيدة.
التدرج مهم في تغيير العادات
وذكر الدكتور العودة أن التدرج من الطرق المهم في تغيير العادات، فالشريعة تدرجت في تحريم الخمر، والاخذ بالتدرج مهم لمساعدة كل مدمن على محرم او عادة سيئة للإقلاع عن ذلك، فإدمان التدخين لا بد أن يكون علاجه تدريجيًا.
وضرب فضيلته، مثالاً لذلك، قائلاً: لقد جلست مع صديق لي عشر سنوات، ولم أعلم أنه يدخن، وذلك لأنه قهر نفسه على أوقات خاصة، وصار يعمل طقوسًا بحيث أنه يطيب نفسه كي لا يعلم به الناس، وهذا خليق بأن يجعله يتخلص من هذه العادة بشكل تدريجي طبعاً مع المحاولة المستمرة وعدم اليأس.
إدمان العادة
وأكد الشيخ سلمان : إن أسوأ صفات أوضاع العادة هو حينما تتحول العادة إلى إدمان، ففي هذه الحالة سيكون الإدمان عاملاً إضافياً، وعلى سبيل المثال، فإن الفيلسوف الفرنسي المعروف "ساتر" لم يكن حسن الصورة ولكنه كان مولعاً بالنساء فإذا دعي إلى محاضرة أو درس أو مشاركة كان غالباً يقيس موافقته أو عدم موافقته على وجود النساء في هذا المكان.
واستطرد فضيلته : أن هذا الفيلسوف كبر وهذه العادة استمرت معه لأنه أفلح في استقطاب عدد من النساء بهذه الطريقة فكبر سنه وأصبح شيخاً ومرة ركب الحافلة فشاهد فتاة وراقت له فقام وتحامل على نفسه حتى اقترب منها، فهو جاء بنية، لكن هذه الفتاة رأت شيخاً كبيراً يهرع إليها وهي في الحافلة فقامت ليقعد مكانها، لافتًا إلى أن هذه كانت صدمة بالنسبة له، وكما يقول الشاعر العربي :
دَعاني العَذارى عَمَّهُنَّ وَخلتني *** لي اِسمٌ فَلا أُدعى بِهِ وَهوَ أَولُ
فالبنات سموه يا عم، وهو لا يريد هذا الاسم، وهذا يوضح كيف أن الشيخوخة غير مشرفة في مثل هذه الحالة، هذا طبعاً نتيجة الإدمان والاعتياد على بعض الأشياء بمعنى أن الإدمان هو دافع ذاتي لا يحتاج إلى دوافع أخرى.
من أجل التخلي عن الإدمان
وذكر الدكتور العودة أن أحد الشباب كلمه، وذكر أنه ومجموعة من أصدقائه يسافرون إلى أماكن لهو إن لم تكن محمرمة فهي مشبوهة، وذكر له أنهم لا يقترفون الفاحشة ولكنهم يكونون على شفير الدائرة كما يقال، وكذلك قد يشربون، ولا يسكرون ولكنهم يقع عندهم نوع من الثمل، وأن هذا تحول عندهم إلى حالة من الإدمان، مشيرًا إلى أن فضيلته ذكّر هذا الشاب بعدة أشياء، هي :
1 ـ حجم الأضرار : التي تحدث من جراء ذلك والإحساس بالألم الذي يعقب كل هذه الأشياء التي تقوم بفعلها بحيث لا يكون تفكيرك على ممارسة الفعل نفسه أو على المتعة واللذة، ولكن ركز تفكيرك على ما بعد هذا الإحساس.
2 ـ معالجة المعصية بقدرها : وتذكر قول النبي -صلى الله عليه وسلم- : "ما من مسلم إلا وله ذنب هو مقيم عليه أو ذنب يعتاده الفينة بعد الفينة، إن المؤمن خلق مفتّناً تواباً نسياً إذا ذُكر ذَكر" ؛ ولذلك عليك أن تعالج هذه المعصية بقدر الطاعة، ومن ذلك أن تقوم بما لا أسميه معاقبةً لكن محاسبة النفس، من ذلك أن الوقت الذي قضيته في خطأ تقضي على الأقل مثله أو أكثر في طاعة تعويضاً وقسراً للنفس؛ حتى لا تدمن تلك المعصية، وتكون هذه الطاعة مناسبة أن تفعل في أي مكان وزمان؛ إلا الخلاء، مثل : استغفار الله -سبحانه وتعالى- وتستشعر أن الله يسمعك ويراك، وأن الله يحب هذا منك كما يكره منك الشيء الذي كان قبله.
3 ـ التكفير : فالإنسان في هذه الحالة يكون قد أخطأ في حق زوجته، ولذا فلابد أن يكون جزء من التكفير يتعلق بالزوجة، وذلك بدلاً من أن يرجع الزوج وأعصابه موتورة بسبب ضغوط الحياة ومشكلات العمل فيسيء إلى زوجته، فإن عليه أن يحاول أن يكفّر عما فعل بطريق الإحسان إليها، وأن يتلطف معها، ويتغزل بعينيها وبجمالها حتى يعود نفسه على مثل هذه اللغة الجميلة.
إساءة.. وإحراج
وأوضح الشيخ سلمان أن هذا التكفير لا يقتصر على الزوجة فقط، ولكن جزء منه يتعلق بحق الأطفال، الذين ربما أسأت إليهم بهذا الإحساس، فتخيل وتذكر كم يسيء هذا إليك عند أصدقائك ومعارفك والذين يرتبطون بك ويشعرون بأنك شخص محترم، وكيف ولو رأوك بهذه الحال ؟! بل حتى عند ملائكة الله تعالى المقربين.
وتابع فضيلته : لابد أن يتخيل الإنسان الصورة التي يكره ان يراه عليها الناس فيسقط من أعينهم، ثم ليتذكر ما هو أعظم قدراً من الناس والخلق اجمعين وهو ربه سبحانه وتعالى، ومن الطريف أن إمام مسجد في إحدى المناطق ذهب إلى بلد عربي وتزوج، ولكنه توسّع وأخذ زوجته معه وهي كاشفة الشعر وجلس في مكان لم يكن ينبغي لمثله أن يجلس فيه وكان به واحد يتكلم معه المايك ففوجئ هذا الإنسان وهو جالس لأنه آمن أن لا أحد يعرفه، ففوجئ بأن صاحب المايك يقول الآن نرحب بفلان بن فلان وذكر اسم هذا الشخص فقام كالملدوغ، حيث فوجئ وانصدم، فمن الذي يعرفه في هذا المكان وفي وضع لم يكن جيداً ولا لائقاً بمثله وجاء يرقد إليه ما الخبر ؟ قال : إن هناك أناسًا قالوا لي إنهم شاهدوه وما أحبوا أن يواجهوه مباشرة ولذلك أحبوا أن يوصلوا له رسالة بطريق غير مباشر.
ستر.. وتجربة
وأردف الدكتور العودة : أنه يجب على الإنسان أن يتخيل أن الله -سبحانه وتعالى- ستره في الدنيا، فهذا مدعاة إلى أن يتوب إلى الله ربه وأن يقلع وأن يخشى من الفضيحة المدوية في هذه الدنيا أو الفضيحة في الآخرة.
وأشار فضيلته إلى أن الإدمان أمر في غاية الخطورة، لافتًا إلى أن هناك أناساً ابتلوا بآفة الإدمان وألفوا في هذا الشأن، وعلى سبيل المثال، فقد كتب أحد الغربيين تجربته مع الإدمان وكيف أنه في البداية كان يبحث عن المتعة والعطف والحنان والحب، ولكنه بحث عنه في المكان الخطأ، وفي النهاية وجد نفسه ضحية هذا الأمر وتخلّص وقدّم تجربته في كتاب يعتبر رائعاً في هذا الخصوص.
إرادة قوية
وأكد الشيخ سلمان بأن الإرادة القوية لتغيير العادة هي أول عتبات الإقلاع، وعسى الله تعالى أن يفتح بالفرج، وعلى الإنسان ألا ييأس أبداً من المحاولة، ويقول ابن القيم -رحمه الله – في أبيات له في النونية :
تالله ما أخشى الذنوب وإنها *** لعلى سبيل العفو والغفران
لكنما أخشى انسلاخ القلب من *** تحكيم هذا الوحي والقرآن
وأضاف فضيلته : إن خطورة المعصية لا تنحصر في كونها معصية، وإن كانت كذلك؛ لكن الأخطر أن تحول بين الانسان وربه، وان تتغلب عليه فتصبح عادة آسرة، وتنصبغ بها شخصيته، مشيرًا إلى أن بعض الناس يظن أن الإسرار بالمعاصي وعدم إظهارها بين الناس نفاقاً، وأنه شر من إظهارها بين الناس، لأنه إذا أعلنها خرج بطبيعته ـ على حد زعمه ـ وهذا ظن خاطئ فالأمر ليس كذلك بل الشرع يتشوف الى عدم الجهر بالمعصية، وإلا فمن هو الشخص الذي ما عنده خطأ ؟، وليتذكر في هذا الأمر قوله صلى الله عليه وسلم : «كُلُّ أُمَّتِى مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ».
تفاوت الأخطاء
ولفت الدكتور العودة إلى أن كل الناس عندهم أخطاء، ولكن بعضهم أخطاؤه قليلة وبعضهم أخطاؤه كبيرة وبعضهم أخطاؤه معزولة، مشيرًا إلى أن الخطأ أحيانًا يكون مثل الكسر الذي يكون في الزجاجة، فإنه من الممكن أنه يمتد مع الوقت شيئاً فشيئاً حتى تتحطم الزجاجة بأكملها.
وتابع فضيلته : لكن لو أن الإنسان جاء بسرعة ووضع مربعاً أو دائرة على هذا الشرخ الموجود بحيث لا يمتد إلى مناطق أخرى، وعزل المعصية بحيث لا تؤثر بمقاومتها بالأفعال الإيجابية التي ذكرنا والتي لم نذكرها، فإن هذا من شأنه أن يقلل من أثر الإدمان.
تغيير شامل
وفيما يتعلق بأهمية القناعة بضرورة التغيير، قال الشيخ سلمان: إن القناعة ناتجة من أهمية هذا التغيير الذاتي، فأي تغيير حقيقي ينبع من داخل النفس، مشيرًا إلى أن المقصود بالنفس هنا ليس نفس الفرد، فالمقصود بالنفس في قوله تعالى(حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ)(الرعد: من الآية11)، هو الجماعة، فالمخاطب هنا هو الجماعة، وعلى ذلك فإن التغيير ليس فقط المقصود به تغيير الفرد، وإنما أن يكون تغييرًا فيه جانب من الشمول لكنه يبدأ من الداخل.
وذكر فضيلته : أن أحد الملوك كان يريد أن يقوم بزيارة إلى بلد واسع الأرجاء، فقال لوزيره إن عليه أن يفرش جميع الطرقات بالجلد حتى لا يتألم الملك من هذه النتوءات في الأرض، فابتكر الوزير فكرة أخرى وهي أن يقوم بوضع الجلد على رجل الأمير، ومن هنا وجدت فكرة الحذاء، فبدلاً من تغيير الآخرين عليك أن تبدأ بتغيير نفسك، فالإنسان إذا حلم بتغيير الآخرين فإنه قد يموت دون أن يغيّر شيئًا أو حتى تموت أحلامه وهو حي، وذلك بخلاف ما إذا بدأ بتغيير نفسه واعتبر أن هذا هو ميدان الاختبار والمعمل الناجح له.
القناعة.. والتحول
وردًا على سؤال، يقول : ماذا عن القناعة ؟، قال الشيخ سلمان: إن القناعة في التغيير تختلف عن فكرة التحول، فالله -سبحانه وتعالى- قال عن أهل الجنة : (خَالِدِينَ فِيهَا لا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلاً) (الكهف:108)، مشيرًا إلى أنه من طبيعة الإنسان أن يمل من بعض الأشياء ويريد أن يغيرها حتى لو كانت جميلة، وعلى ذلك فإن التغيير ليس شيئاً مقصوداً لذاته، بل هو لكسر هذه الرتابة والملل ، وهما آفتان قد تدفع إلى التغيير السلبي القبيح، فإذا كان عندك خيارات كلها جميلة، فإنه بدلاً من أن تثبت على شيء واحد منها لا بأس أن ترواح فيما بينها.
وأضاف فضيلته أن المقصود بالتغيير هنا هو التغيير الإيجابي، والترقي الذي يجعل الإنسان لا يشعر يوماً من الأيام بأنه وصل إلى منتهاه، يقول الله تعالى في القرآن الكريم : (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر:99)، وهذا إشارة إلى التغيير الداخلي، والتغيير الإيماني الذي لا يقف عند حد.
تفوق.. واستعلاء
وفيما يتعلق بكون الغبش في النظرة إلى الذات قد يكون أولى إشكاليات التغيير، قال الشيخ سلمان: إن النظرة إلى الذات أو الوعي بالنفس من الأمور التي تؤثر في عملية التغيير، فعلى الإنسان ألا يشعر بالتفوق الذاتي، والاستعلاء على الآخرين وألا يشعر في مقابل ذلك بازدراء النفس واحتقارها، مشيرًا إلى أنه كثيراً ما يكون النجاح سبباً في أن ينخدع الإنسان بنفسه فإذا حصل الإنسان على نجاح تجاري أو على وظيفة أو على مركز معين أو على شهرة، فإنه قد يأخذ في نفسه ظناً غير سوي، ويترتب على ذلك أن يكون الإنسان متعالياً على الآخرين.
وأضاف فضيلته : يجب على الإنسان أن يمارس الأشياء العادية في حياته العملية كلما استطاع ذلك، كما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يخصف نعله ويرقع ثوبه، وكما في صحيح البخاري : سَأَلْتُ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- مَا كَانَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَصْنَعُ فِى بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِى مِهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعْنِى خِدْمَةَ أَهْلِهِ - فَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلاَةُ خَرَجَ إِلَى الصَّلاَةِ.
روح الجماعة
وأوضح الدكتور العودة: أن بعض الشيوخ كانوا يطالبون تلاميذهم إذا أرادوا أن يربوهم بأن يقوموا بأعمال معينة تفرض عليهم التواضع فرضاً تحول بينهم وبين التكبر، مشيرًا إلى أن هذا يعد معنى جميلاً.
وأكد فضيلته على أهمية ألا يكون الوعي بالذات أو النظرة إلى الذات طريقاً للإفراط في الأنانية، لافتًا إلى أن الإنسان السوي يجد نفسه من خلال الآخرين، وعلى سبيل المثال، فقد ذكر مجموعة من المعاقين أنهم كانوا في سباق، فعندما بدأ السباق سقط طفل وجلس يبكي لأنه عثر من أول السباق، فرجعوا كلهم جميعاً إليه وحملوه وركضوا به، فوصلوا إلى نهاية المضمار سويًا، لكن الشيء الغريب والمفاجئ أن جميع من في الملعب وقفوا وبدؤوا يصفقون ويهتفون لهؤلاء المجموعة من المعاقين الذين تخلوا عن فكرة السباق في سبيل روح الجماعة.
برمجة نفسية
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : إن إعادة البرمجة النفسية هي من أولى خطوات التغيير الذاتي، قال الشيخ سلمان: نعم، هذا صحيح، فقد أرسل لي أحد الشباب ملاحظة فيما يتعلق بالبرمجة، وهي أن يحرص الإنسان على أن يستمتع بالعمل، حيث يجب على الإنسان أن يتدرب على كيفية إقامة علاقة حب بينه وبين الأشياء التي يستفيد منها.
الحب.. تغيير
وفيما يتعلق بأن الحب هو تغيير بحد ذاته، قال الشيخ سلمان: إن هذا من أهم ما يغير الحب، خاصة إذا كان هذا الحب صادقاً، وذلك لأن كثيراً من الشباب يخلطون ما بين الحب وبين معانٍ عاطفية أو غريزية أخرى قد لا تكون هي الحب، لافتًا إلى أن الحب هو عبارة عن ثروة ضخمة، لكن مما يجب التنبيه إليه أن الحب أحياناً يكون قاتلاً، فمن الحب ما قتل، وعلى سبيل المثال، فقد ذكر أن أحد الشباب الخليجيين ربما تعود على أنه يسافر ما بين الفينة والأخرى لأغراض الله تعالى أعلم بها، فذات مرة عندما ركب سيارة أجرة في بلد شرق أسيوي قال للسائق بغمزة من عينه : اذهب بي إلى حيث يذهب جميع الناس، فهو متعود على هذه اللغة، وبعدها فوجئ بأن سائق الأجرة ذهب به إلى المقبرة وأوقفه عليها، فغضب وانفعل وأصبح يعاتبه ويوبخه.
فقال له : هذا هو المكان الذي يذهب إليه جميع الناس، أما الشيء الذي أنت تريده لا يذهب إليه جميع الناس. يبدو أن صاحب التاكسي ذكي أو قصدها.
الإيمان.. والتغيير
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : إن الإيمان عندما يكون في عمق النفس فإنه يعد أكبر عامل لتغيير الذات، قال الشيخ سلمان: إن الإيمان والشعور بقرب الله واطلاعه -سبحانه وتعالى- وأن الله يسمعك ويراك ويستجيب لك وأنه معك (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)(البقرة: من الآية153)، (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ) (النحل:128)، فهذا معنى كبير لمن تفكر فيه واستحضره، فلا يوجد نعمة أكبر وأعظم من هذه النعمة التي تشمل الإنسان في كل ظروفه ومتغيراته، مشيرًا إلى أننا كثيراً ما نتحدث عن الإيمان على أساس أنه نجاح أخروي ووسيلة للنجاة في الآخرة.
وأضاف فضيلته أن الإيمان من أعظم وسائل النجاة في الحياة الدنيا، فهو ليس فقط ضرورة أخروية، بل هو أيضًا ضرورة دنيوية ملحة، لافتًا إلى أن فضيلته لا يتحدث عن الإيمان الذي ربما يختص به فئة من الناس الذين لديهم حضور وقوة إيمان، ولكن القدر من الإيمان حتى للإنسان العادي، حيث يمكن لكل إنسان، مقصرًا كان أو عاصيًا مفرطاً، أن يكون عنده ذكر حتى لا يكون في قلبه وحشة من الله -سبحانه وتعالى- مثل المحافظة على أوراد الصباح، حتى لو كان آية الكرسي أو سورة الفاتحة أو الإخلاص أو المعوذتين أو بعض الأدعية، وكذلك في المساء.
أثر التربية
وأردف الدكتور العودة: تخيل أن إنسانًا عنده أربعين أو خمسين سنة كلها إيمان، فهذه تجربة ليست بالسهلة، مشيرًا إلى أن والدة فضيلته -رحمها الله-، كانت ترسله إلى أختها في قرية مجاورة والأثل كان في الطريق، وترسل معي أشياء وأنا في الأولى الابتدائية، والكلاب تنبحني فكانت تقول لي إذا نبح الكلب عليك فقل : (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) (طـه:112، 111) موضحًا أنه لا يوجد من العلماء من ذكر أن هذه الآية تقرأ في مثل هذا، لكني كنت حافظها من ذلك الوقت، وحينما أقولها كنت لا ألتفت وأشعر لا أقول بزهو ولكن أشعر بقوة خارقة وقوة غريبة.
وتابع فضيلته : أن هذا يرجع إلى أثر التربية، مشيرًا إلى أن فضيلته لا يشعر بأن عنده كثير عبادة أو كثير ذكر أو كثير قرآن، لكن هذا القليل الذي يفعله الإنسان خمس دقائق في الصباح أو خمس دقائق في المساء في ذكر الله -سبحانه وتعالى- أشعر بأنه مثل النفَس الذي يتنفسه الإنسان أو الطعام الذي يأكله، بل هو أهم من كل هذه الأشياء، بل إنه من الأهمية والعظمة بحيث نجعل التغيير مرتبطًا بإيماننا بإله خالق يحبنا ويسمعنا ويرانا ويكون معنا في الشدائد والمآزق والمضايق، ويكون الإيمان به يجعل للحياة أكثر من معنى.
إشادة.. ودعوة للمشاركة
وفيما يتعلق بأن الإيمان يورثنا رغبة في أن نتآخى في الله وأن نكون سنداً لإخواننا في الله، قال الشيخ سلمان: إن الإيمان مرتبط بالإحسان، فالإيمان بالله -سبحانه وتعالى- مرتبط بالإحسان إلى الناس، مشيرًا إلى أن الإيمان بالناس وتقديم الخير والمعروف إليهم جزء جوهري من التغيير، فيكون الإنسان يقدّم للناس ما يستطيع ويكون عنده العطاء، لافتًا إلى أن حملة خادم الحرمين أمس بالنسبة لباكستان تستحق الإشادة ودعوة الآخرين لأن ينخرطوا فيها وأن يشاركوا فيها من منطلق (قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ)(القصص: من الآية17)، وكذلك من منطلق الإحساس بنعمة الله -سبحانه وتعالى- (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11).
وأضاف فضيلته : أنه من المهم جدًا أن تتجنب المن والأذى، يقول تعالى : (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنّاً وَلا أَذىً)(البقرة: من الآية262)، وذلك لأن الإنسان في هذه الحالة لا يساعد حكومة معينة، بل يساعد هذا الطفل، حيث يوجد أكثر من ستة ملايين طفل في باكستان معرضون للخطر، وبعضهم للمرض، وبعضهم للموت، فضلاً عن عشرين مليون متضرر.
المخيمات الفلسطينية
وأوضح الدكتور العودة أن مثل هذه الحملات يكون فيها إحساس بهذا البعد الإنساني الذي يرجو الإنسان منه الأجر والثواب، مشيرًا إلى أن هناك حملات كثيرة مشابهة، وعلى سبيل المثال، فعندما كنا في تركيا قابلت إخوة فلسطينيين فقلت لهم : لقد زرت ذات مرة المخيمات الفلسطينية في لبنان وشعرت بالمعاناة، بل وبالعار علينا جميعاً في عالمنا العربي، فكيف بشعب بأكمله، كما قال :
تلفت هاهم في الأرض إخوتنا *** شعب برمته في العري يحتضر
كانوا بأوطانهم كالناس وانتبهوا *** فما هم من وجوه الناس إن ذكروا
مشردون بلا تيه فلو طلبوا *** تجدد التيه في الآفاق ما قدروا
يلقى الشريد فجاج الأرض واسعة *** لكنهم بمدى أنفاسهم حشروا
في خيمة من نسيج الوهم لفقها *** ضمير باغٍ على الإسلام يأتمر !
وتابع فضيلته : لقد رأيت وضعًا مأساويًا في برج البراجنة وفي مخيم صبرا وشاتيلا وحتى في سوريا يوجد بها مثل هذه المخيمات، لافتًا إلى أنه مما يزيد من المأساة والمعاناة أن هذه المخيمات قد تحولت إلى مدن، فضلاً عن أن قاطني هذه المخيمات في كثير من البلاد ممنوعون من الخروج ومن ممارسة أي عمل، متسائلاً: ماذا يصنع هؤلاء الناس وهم يتوالدون ويعيشون، كما أن الأسرة التي كانت خمسة أفراد أصبحت خمسة عشر فرداً.
سنانير.. ومكائن خياطة
وأردف الشيخ سلمان : لقد تدارست مع هؤلاء الإخوة إمكانية أن نقوم بأعمال قد تكون بسيطة ولكنها معجزة وهذا جزء أساسي في التغيير، وعلى سبيل المثال، أن نقوم بتوزيع السنانير على الشباب ليقوموا بالصيد، فهذا ليس ممنوعاً وممكن لأي أحد أن يقوم به وهو عملية سهلة وبسيطة، كذلك توزيع مكائن الخياطة على البنات بحيث يقمن بالخياطة سواء لهن أو لغيرهن، لافتًا إلى أن الندوة العالمية للشباب الإسلامي عندها مشروع من هذا القبيل.
حملات للتغيير
وذكر الدكتور العودة أن هناك جانبًا آخر من الحملات ينبغي أن يُفعّل، وهو استخدام وسائل الإعلام في الحملات الدعائية، ورسائل الإس إم إس، وقمصان التيشرت، واللوحات الإعلانية في الشوارع باتجاه أي نمط من أنماط التغيير، مشيرًا إلى أن هذا يعتبر عطاءً، فليس العطاء منحصراً في بذل المال، لكنه يتمثل في حملة تتعلق بالصحة، أو مكافحة التدخين، أو القراءة والتشجيع عليها، أو ببر الوالدين، أو بالتغيير.
ولفت فضيلته إلى أنه يوجد في جدة فتاة اسمها لميس مفتي عندها حملة "كن أنت التغيير"، حيث تستلهم روح الإسلام العريقة مع مواكبة متغيرات العصر في محاولة التغيير، وتجد عدداً من البنات، مشيرًا إلى أنها طالبة في دار الحكمة، كما أن هناك أختًا أخرى اسمها نهى المسند طالبة في إحدى الثانويات وعندها أيضاً حملة مشابهة وأرسلت لي ذات مرة رسالة إيميل تقول : أنا مديرة أو مشرفة حملة كذا. أعجبني على الأقل هذا الاسم.
معرفة الآخرين لي
وردًا على سؤال، يقول : كيف يمكن للناس أن يروا ذاتي ؟، قال الشيخ سلمان:
إنه من المهم أن يعرف الإنسان ذاته، مشيرًا إلى أن أهم معرفة هي معرفة الذات قبل معرفة الآخرين، كما أن أهم نقد هو نقد الذات قبل نقد الآخرين، فلقد احتككت بكثير من الناس ووجدت أن أولئك الناس الذين يستعصون على التغيير في الغالب هم أناس فرضوا أسواراً على أنفسهم، ولذلك يظنون أنهم يغيرون الآخرين بينما كانوا هم أحوج إلى التغيير الداخلي قبل أن يفكروا في تغيير الآخرين، وعلى ذلك فإن أهم معرفة هي معرفة الذات.
وأضاف فضيلته : أما كيف ينظر إليك الآخرون، فأحب أن أهمس في أذن أي شخص وأقول : والله ما درى عنك الآخرون !، سواء أنت موجود أو غير موجود، وعلى سبيل المثال، فإن الإنسان عندما يقوم بتأليف كتاب واحد فيخيل إليه أن هذا الكتاب غيّر، ولذلك إذا قابلته وأنت لم تدر أنه ألّف الكتاب، قال لك : أبشرك بفضل الله حصل كذا وردود أفعال وبدأ يحصي لك كم رسالة جاءت وكم تعليقًا.
إحساس معتدل
وأوضح الدكتور العودة أن هذا من حكمة الله لأن الإنسان ما لم يكن عنده إحساس بردة الفعل فإنه قد لا يفعلها مرة ثانية، فقد يلقي الإنسان محاضرة أو يقوم بعمل أو برنامج أو حملة وهو عنده إحساس بأن هذه الحملة عملت شيئاً خارقاً في المجتمع، في حين أن الكثير من الناس لم يسمع بها، لافتًا إلى أن السبب ربما يرجع إلى أن الناس كثرة والميدان مليء بالفرص والمحاولات، مشيرًا إلى أنه من حكمة الله أن يكون عند الإنسان إحساس معتدل بالنجاح الذي تحقق له ونظرة الناس لهذا النجاح.
هدم.. وتدمير
وذكر الشيخ سلمان : أنه يوجد أناس محبطون، مشيرًا إلى أن الإنسان إذا أراد أن يسمع من يشجعونه فسيجدهم، وإذا أراد أن يسمع من يحبطونه فسيجدهم، وذلك مثل السلحفاة التي دخلت مع سلاحف في السباق وكلها فشلت لأن الناس كانوا يحطمونها واحدة بعد اخرى ، ما عدا واحدة لم تكترث لهم ظلت تسير ببطء كما هي قدرتها ولكنها في النهاية وصلت وبعدما صارت في القمة التفت إلى اولئك تشير إليهم ثم نزعت القطن من أذنها اليمنى واليسرى!.
ولفت فضيلته إلى أن الإنسان الذي نجح هو ذاك الإنسان الذي أصم أذنيه عن كلمات الهدم والتدمير والتحطيم، مؤكدًا أنه بحسن نية سيجد الإنسان في الحياة من الناس من هو كفيل بتدميرك إذا كنت ستأخذ كلامهم مأخذ الجد وتضعه نصب عينيك.
كتب متميزة
وأشار الشيخ سلمان إلى أن هناك كتبًا متميزة في التغيير، منها : كتاب "سكينة الروح صفاء العيش في حلو الأيام ومرها"، وهو كتاب رائع لمؤلفه بيرم كارسو، وكذلك كتاب "كيف تخطط مسارك المهني" للأستاذ عباس آل حميد، وهو أخ من عمان، يتحدث عن التغيير الوظيفي، وهو كتاب متميز جداً.
النرجسية.. وعشق الذات
وفيما يتعلق بأن هناك ما يمكن أن نطلق عليه "الشخص النرجسي"، وهو الشخص العاشق لذاته، حيث يزعمون أن شاباً رأى صورته في الماء وعشق ذاته وكيف تحول إلى وردة النرجس، ومن هنا سموا "النرجسية" التي هي عشق الذات والغرام بها، لافتًا إلى أن هذه حالة مَرَضيّة ولكن كون الإنسان عنده معرفة بذاته تغنيه كثيراً عن كلام الناس الذين قد يشككونك في أشياء كثيرة حتى في إيمانك، لكن إذا كانت علاقة الإنسان بربه بينه وبين الله -سبحانه وتعالى- جيدة، فإنه لن يهتم بما يقوله الآخرون.
وأضاف فضيلته : كذلك ما يتعلق بالنجاح في شؤون الحياة، فقد تجد من يشكك في مثل هذا العمل، فتعليقات الآخرين ربما لا ينبغي أن تؤخذ مأخذ الجد، مذكرًا بنظرية (18/40/60) فالشاب في عمر 18 حساس جداً تجاه تعليقات الآخرين وتصوراتهم عنه، وفي الأربعين يصبح غير مبالٍ بما يقوله الناس، لكن في الستين يدري أن الناس ليسوا مهمومين به أصلاً لأنهم مشغولون بأنفسهم.
نموذج للتغيير
وأوضح الدكتور العودة : أن الوزير الذي طرده أحد المهندسين بعد أن شرب من البرادة الخاصة بالمهندسين، والذي ذكرته في حلقة أمس، اتصلت بي أسرته، وأوضحت أنه كان نائب رئيس شركة أرامكو وأن قصته ذكرت في جريدة اليوم في مرات عديدة وفي قافلة الزيت وفي مناسبات عدة.
وتابع فضيلته : أن إحدى بناته أرسلت لي (إيميل)، موضحة أن اسمه "سعد راشد الشعفان"، مؤكدًا أنه يمثل نموذجًا عمليًا حيًا على التغيير.
نظرة قاصرة
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : إن من أهم معوقات التغيير : النظرة القاصرة للمشكلة، والتذمر منها ومن المستقبل، قال الشيخ سلمان: إن المشكلة هي جزء من طبيعة الحياة، حيث لابد من وجود مشكلات وأزمات، ولكنها عابرة، فالحياة فيها الكثير من الإيجابيات والجماليات سواء في الطفولة، أو الشباب، أو في النجاح في التعليم، وفي الزواج، والتجارة لكن المشكلة جزء من تبعاتها، ولهذا الله -سبحانه وتعالى- يقول : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ) (التين:4)، ويقول : (لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) (البلد:4)، فالكَبَد هنا ليس معناه المشكلة ، وإنما معناه القدر من الجهد والمكابدة والمعاناة، فالسعادة أحيانا تكون في الحصول على الجهد والكبد الذي يمكن للإنسان أن يقوم به.
واقعية.. واعتدال
وأردف الشيخ سلمان قائلاً: إننا عندما نتحدث عن التربية، فنتخيل أن هناك أباً مثالياً واعياً وأن هناك أبناء جاهزين تماماً للتربية، ونعرض صورة مثالية راقية، ولكن ننسى أنه من الناحية العملية، فإن الحياة فيها معوقات، فهذا الأب نفسه الذي نريد منه أن يربي عاش مشكلات وصعوبات وعانى في طفولته، وربما كان والداه منفصلين، كما عانى في المدرسة، كما ورث عن أهله وقرابته بعض الطبائع، ولذلك فإننا ينبغي أن يكون لدينا واقعية واعتدال في نظرنا إلى عملية التغيير وطريقة التعاطي معها.
حلول.. وأعذار
ولفت الشيخ سلمان إلى أنه على الرغم من أننا نتحدث عن التربية بشكل مثالي، لكن ننسى أن هناك مشكلات في البيت، والمدارس، والشوارع، ولذلك أعتقد أن من أعظم الحلول في المشكلات هي تشجيع الفرد على الإحساس بالمسؤولية فيما يخصه هو، بحيث يكون قادراً على حل الكثير من المشكلات وعلى عدم التوقف عندها أيضاً.
واستطرد فضيلته : أن الإنسان الناجح يبحث عن الحلول، في حين أن الإنسان الفاشل يبحث عن الأعذار..
هونها تهن
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : الأزمة قد تحل الأزمة، لكن قد أكون جرحت ذاتي أو استصغرتها أكثر من اللازم أو عاملتها بما لا يليق أن أعاملها به، قال الشيخ سلمان: إن ذلك يرجع إلى أن الإنسان ربما تخيل المشكلة أكبر مما هي عليه، ففي هذه الحالة، يقول الناس "هونها تهن"
وأضاف فضيلته : الغريب أن العلماء يقولون أن 90% من الأشياء التي يتخوف الإنسان منها أو يتوقعها لا تحدث، ولعل هذا يوضح أننا كثيرًا ما نعاني من مشكلات ربما لم تقع أصلاً وكانت هذه المشكلات لها أثر كبير على نفوسنا وانطباعاتنا.
آمال عريضة
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : يقول "ملر" : ربما لم يعلق الآخرون آمالاً عريضة عليّ ولكنني أُعلق آمالاً عريضة على نفسي، قال الشيخ سلمان: إن الإنسان الذي علق آمالاً عريضة على نفسه سيجد في النهاية أن الناس يعلقون عليه آمالاً كبيرة، فالناس دائماً بحاجة إلى من يساعدهم أو يقف معهم، كما يحتاجون إلى الدعم والمساعدة والمساندة.
وأضاف فضيلته : إن هذا الدعم قد يكون بالكلمة الطيبة، أو الدعاء أو التعزيز الإيجابي لهذا الإنسان في معاناته أو في مشكلته، وشعوره بأنك تحاول أن تقف معه حتى لو لم تفعل هذا، فهو عند الله تعالى عظيم ويمكن أن يجري الله الخير على يدك من حيث لا تقدر أنت.
دورات..ومبالغات
وفيما يتعلق بأن هناك أناساً انشغلوا بدورات تطوير الذات والقراءة في كتب تتعلق بهذا الأمر، لكن حينما تنظر إلى حالهم تجد مقالهم لا يناسب ذلك، فهم يعتقدون أنهم دائمًا على صواب، قال الشيخ سلمان: إن الكثيرين قد ينتقدون الدورات التي تعدّ، مشيرًا إلى أن الدورات فيها فائدة كبيرة، ولكن علينا ألا نعتقد أن هذه الدورات سوف تلغي الحياة البشرية، لافتًا إلى أن هناك من يرى أن هذه الدورات ونتائجها فيها مبالغات كبيرة.
وأضاف فضيلته : إن هذه الدورات سيكون فيها مبالغات كبيرة إذا توقعنا أن هذه الدورات ستلغي جانب الموروث النفسي عند الإنسان، وسوف تلغي جانب التربية في الطفولة، أو تلغي البرمجة النفسية تماماً عند الإنسان، أو البرمجة العشوائية غير المدروسة، أو أنها سوف تلغي جانب التأثير الاجتماعي الأسري المحيط بالإنسان، وذلك بخلاف إذا اعتقدنا أن هذه الدورات هي جانب إيجابي ضمن وسائل عديدة في تغيير الذات.
تسامح.. وتنوع
ومن جانبه، عرض الاستاذ أحمد الفهيد، والذي يمثل "صدى الجمهور" لمجموعة من النقاط التي أثارتها حلقة الأمس، لافتًا إلى أن الدكتور أحمد فراج الزميل في صحيفة الحياة، كتب في مقالته اليوم تحت عنوان "وخزات مؤلمة" ما نصه : المفكر سلمان العودة يقدم «الوجه الرائع» للإسلام المتسامح الذي فقدناه منذ أمد بعيد، ولا يشوه ذلك إلا الاتصالات «المشبوهة»، مثل الذي اتصل ليشتم إحدى الفرق الإسلامية، أو الذي هاجم برنامج «طاش»، وعقب الشيخ سلمان، قائلاً: إن مجتمعنا بحاجة إلى التسامح دون أن تكون هناك أية استثنائية أو انتقائية، فالتسامح مع هذا التنوع الكبير الذي يزخر به مجتمعنا هذا شيء مهم أن نتربى عليه حتى نستطيع أن نتعايش بشكل جيد.
وتعقيبًا على ما كتبه الزميل سلمان مسدر من صحيفة الوطن السعودية حول حديث بعض المشاهدين عن ظهور النساء المحجبات في برنامج حجر الزاوية، واعتبرها تظهر بكثرة، قال الشيخ سلمان : إن البرنامج هو عبارة عن تنوع، فأنا مهمتي في البرنامج ما يتعلق بجانب الموضوع وإلقاء الضوء على قضايا معينة، بينما الأستاذ فهد وفريق التقارير والاستديو وأشياء كثيرة جداً هم جزاهم الله خيراً بذلوا في سبيلها الكثير وأجهدوا أنفسهم وسهروا وأخطؤوا قليلاً وأصابوا كثيراً.
مبادرة جميلة
وتعقيبًا على مداخلة، تقول : إن أحد الإخوة نذر نفسه أن يكون خادماً للإخوة ذوي الاحتياجات الخاصة، قال الشيخ سلمان: بارك الله فيه، فهذه من المبادرات والأفكار الجميلة، والتي تعمل على مراعاة هؤلاء المحتاجين أو هذه الفئة التي ربما يكثر التغافل عنها مع شدة حاجتها إلى وضعية خاصة وتعامل خاص ويعانون الشيء الكثير.
وأضاف فضيلته أن هذا التوجه له نظائر وشواهد، لافتًا إلى أن أحد الشباب أرسل لي رسالة، ويتحدث عن مشروع شبيه بهذا في منطقة جدة موضحًا أننا نحتاج في كل مدينة لشيء كهذا.
الوهابية ليست مدرسة للتعصب
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يقول : إنه يعيش في منطقة محاصرة في الأعظمية وقد أمروه أن يبيع مكتبه لان فيها كتبا عن الوهابية، فأهداها للمسجد فواجه بعض العقبات أيضا بسبب الوهابية مع أن الناس هناك يطوفون بالقبور ويتعبدون عندها ، قال الشيخ سلمان : إن الذي يعرف طبيعة التشكيلة الطائفية في العراق وما حصل من الفتن، لا يستغرب مثل هذا السؤال ؛ ولكن ينبغي عليك أن توضح لهم أن الوهابية ليست مدرسة للتعصب، فالوهابية مدرسة تقوم أساساً على الدعوة والاجتهاد ورفض التقليد ؛ ولذلك فهي ترفض أو تنهى عن تقليد ذاتها أو تقليد شيوخها بشكل مباشر، وإنما هي دعوة إلى التجديد ودعوة إلى التوحيد وربط القلوب بالله -سبحانه وتعالى- وإخلاص العبادة لله وحده.
وأضاف فضيلته أنه إذا كانت مشكلة هؤلاء الناس مع كتب لأنها لفلان أو فلان من علماء معاصرين -مثلاً- فلا بأس لتقدم لهم كتباً قديمة من القرن الثاني والثالث، وذلك لأن الإسلام لم يكتشف أمس أو قبل أمس، فالإسلام جاء مع الرسل والأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- والنسخة النهائية جاءت مع محمد -صلى الله عليه وسلم- فستجد كتباً من القرون الأولى للأئمة الأربعة وأتباعهم تؤدي هذا المعنى الذي تريده.
عبادة القبور
وفيما يتعلق بوجود من يقعون في عبادة القبور، قال الشيخ سلمان : يوجد ضريح في إحدى دول المغرب العربي يؤجر بثلاثة ملايين للنذور والدعاء ولطلب الزواج ولطلب العافية ولغير ذلك من الاعتبارات، حيث يتبين أن هذا الضريح ليس لولي صالح ولا لرجل مؤمن ولا لنبي وإنما هو لصياد سمك يوناني في نهاية المطاف، فكم ذبح عند مثل هذه المعاني من العقول والقيم والمعاني وتحولت بلاد المسلمين إلى حالة من الأسطورة والخرافة أحياناً ؟!
وتابع فضيلته : ولكن مع ذلك فإنني أؤكد أن العملية هنا ليست عملية صدام، وإنما هي دعوة بالتي هي أحسن، ومجادلة بالكلمة الطيبة ومحاولة إقناع وإذا لم تستطع إقناع الجميع حاول أن تقنع ولو أفراداً وخاصةً الشباب الذين لديهم قابلية.
فوضى.. وعدم انضباط
وتعقيبًا على مداخلة من مشاركة، تقول : إن الرجال يسمح لهم بالصلاة قرب الكعبة، لكن النساء لا يسمح لهم، قال الشيخ سلمان : إن المشكلة تكمن في أن الكثير من هذه الأشياء التي تحدث، تقع بسبب الفوضى وعدم انضباط الناس، مشيرًا إلى أن الناس صعب عليهم أن يضبطوا بكل التفاصيل، وإن كان داخل الحرم صعبًا إلا أنه ينبغي أن يحدث لأنك تجد أناساً يتعمدون أن يصلوا وبمجموعات ويصبح من الصعب أن تتعامل الشرطة معهم بأن تدفعهم.
وأضاف فضيلته : أن الثقافة -مع الأسف- ليست جيدة عند كثير ممن يؤدون العمرة فيصلّون قرب الكعبة وينسون أن المفروض أن لا يؤذوا عباد الله تعالى وأن يدعوا هذا المجال للطائفيين والناس الذين ربما يؤدون عمرتهم، فمن الصعب أن تمنع الناس ولكن ينبغي أن يكون هناك توعية، وأن يقال مثل هذا الكلام في المناسبات وسراً وعلانية.
لوحات تنبيه
وأردف الدكتور العودة: ما الذي يمنع أن يكون هناك لوحات أو تنبيهات داخل الحرم بطريقة أو بأخرى، وأن الإنسان الذي يطوف للتطوع لأنه لا بأس فعليه ألا يطوف في أوقات الازدحام، حيث يكون أفضل في الصباح، أو عندما يكون الناس صائمين ونائمين.
وتابع فضيلته : أما أن يكون في وقت الذروة ومع ذلك تجد أن فئة أغلبية يطوفون وهم غير محرمين مما يدل على أن طوافهم نافلة، حيث يمكن أن يطوف بالدور الثاني، موضحًا أن وجود دور مخصص للرجال في المسعى هو عبارة عن تنظيمات لا نستطيع أن نتكلم عنها لأننا لا نعرف بالضبط ما هي أسبابها.
برنامج عملي
وتعقيبًا على مداخلة، من مشارك : يشيد بالشاب الذي يوصل المعاقين ويرجو تواصلاً أكبر وتعميمًا لهذه النماذج، أعرب الشيخ سلمان عن أمله في أن يتحول هذا إلى برنامج عملي ويكون هناك تواصل، مشيرًا على أن برنامج "حجر الزاوية"، لديه استعداد أن يتبنى مثل هذه القضايا وأن يدعمها.
وأضاف فضيلته : لقد ذكرت حملات عن توزيع السنانير على شباب المخيمات وتوزيع مكائن الخياطة على النساء، مشيرًا إلى أننا لدينا استعداد إلى أن نتواصل مع كل من لديهم مشاريع من هذا القبيل أو طموحات.
قراءة الواقع
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يقول : إنني لا أجد تغييراً في مدار التاريخ الإسلامي إلا ضغطاً من آخر أو استجابة لمؤثر خارجي وليس نابعاً من الداخل، قال الشيخ سلمان : مع أني لا أوافق الأخ صاحب المداخلة، إلا أنني أقول إن ملاحظته عميقة، مشيرًا إلى أن الواقع حينما يكون بضغط من الآخرين، فإنهم يفرضون شروطهم على التغيير، لكن التغيير ليس بضغط من الآخرين، ولكن علينا أن لا نعتقد أننا مستفردون بالكون، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن وحده في مكة، بل كان معه المشركون وأنواع وأصناف من الناس.
وأضاف فضيلته : كما أن النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة لم يكن وحده، فكان هناك اليهود والوثنيون والمؤمنون والمنافقون والأعراب، والآن، ففي كل وقت أنت لست وحدك، والمسلم ليس وحده بل المسلم اليوم في مرحلة متأخرة ؛ مشيرًا إلى أن فكرة أن تصنع أنت التغيير وتفرض شروطك وباستقلالية تامة هي فكرة غير واقعة، وإنما التغيير يتم من خلال قراءة الواقع الذي اشتركنا نحن وغيرنا في إعداده، وتعاملنا مع الظروف بإيجابية وإن كانت هذه الظروف بعضها بإرادتنا وبعضها بغير إرادتنا.
فرنسا..ومنع الحجاب
وتعقيبًا على مداخلة من مشاركة، تقول : إن الفتاوى تعددت وتضاربت حول قضية الاستجابة لفرض أو منع الحجاب في فرنسا والبنات هناك استجاباتهن متعددة ومتضاربة، قال الشيخ سلمان : إن الظروف تقدّر بقدرها، والإنسان الذي لا يدرك تلك الظروف ولا يعيشها ربما أنه يكون بعيداً عن تشخصيها، وكما يقول العلماء : إن "الحكم على الشيء فرع عن تصوره"، مشيرًا إلى أن البيئة لها تأثير ولها اعتبار.
وأضاف فضيلته : ولذلك أعتقد أن تكونوا أنتم والمراكز الإسلامية والشخصيات العلمية المعتبرة المدركة للوضع أن تكون هي التي تعطي التوجيه للمسلمين هناك، فإن هذا أفضل من أن يكون هناك تشتت في الرأي.
اللباس الإسلامي
وتعقيبًا على ما أثاره تقرير حلقة الاثنين من برنامج "حجر الزاوية"، والذي تحدث عن الشاب الأمريكي نجم الشمري العائد إلى ربه فكتب أحدهم معلقاً : حين انتهى التقرير عن الشاب الأمريكي نجم الشمري العائد إلى ربه تمنى الدكتور سلمان العودة على الغربيين الذين أعلنوا إسلامهم ألا يقلدوا العرب؟، قال الشيخ سلمان أن الشريعة الإسلامية لم تأت بلباس معين وإنما جاءت بمواصفات وضوابط إذا توافرت في أي لباس فإنه يجوز، مضيفًا: إننا لا نقول أن اللباس السعودي هو لباس إسلامي وأن المسلم الذي يسلم في أمريكا عليه أن يلبس الغترة والطاقية والثوب، لافتًا إلى أن هذه من المباحات.
إفراط في التمييز
وأردف الدكتور العودة: أنه إذا كان فيما يعارض الشريعة يعدّل وإلا يبقى على أنه لباس أهل البلد، وأما فكرة أو تصور أن الإسلام دين عنصري أو إقليمي أو أنه خاص ببلد معين أو الخلط، أي : أننا نريد مع نقل الإسلام أن ننقل بعض عاداتنا المحلية وظروفنا البيئية ونوصلها إلى الناس أو نبتلي بها آخرين، فإن هذا ليس له أصل مثل الأسماء.
وتابع فضيلته : أنه لا يلزم أنه إذا أسلم شخص من الغرب أن نسميه بأسماء البيئة المحلية التي ربما يعرفها أهل البيئة ولكن لا يعرفها غيرهم، وإنما يبقى الاسم كما هو، كما أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يكن يغيّر أسماء الذين أسلموا إلا في حالة ما إذا كان الاسم نفسه فيه مشكلة فيتم تعديله لوجود المشكلة فيه مثل ما لو كان فيه عبودية لغير الله أو ما شابه ذلك، مؤكدًا أن الإفراط في التميز عن الآخرين ليس مطلوباً بذاته.
الإسلام اليوم