الكاتب:الإسلام اليوم/ أيمن بريك
أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ أن أجمل ما يكون الإنسان حينما يكون على فطرته وصفته التي خلقه الله تعالى عليها، مشيرًا إلى أن الإعلام يتفنن في عرض الجمال الجسدي وابتذاله، لافتًا إلى أن هناك مدعاة كبيرة لمحاربة الجمال الرأسمالي.
وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس الجمعة من برنامج "الحياة كلمة"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "جمال" ـ: إنه من شُكر نعمة الله على الجمال ألا يُبتذل هذا الجمال أو يُمتهن أو يُعرض للعيون المتطلعة والنظرات الجائعة، موضحًا أن مسابقات ملكات الجمال لها أثر ضخم وسلبي على الحياة الإنسانية، مؤكدًا أنه من الحفاظ على كرامة الإنسان، وليس المرأة فحسب، ألا يتحول الجمال إلى أداة للمتعة.
الإعلام.. والإغراء الجسدي
وأوضح الدكتور العودة أن الكثير من البنات والشباب اليوم يشتكون من أنهم حينما يكونون بمفردهم ربما يدمنون النظر إلى الشاشات والتي فيها الكثير من المناظر، حيث يتفنن الإعلام اليوم في عرض الجمال الجسدي وابتذاله، بحيث تحول الأمر من جمال روحاني ونوراني وجمال مشرق إلى أن يكون جمالًا متكلفًا مبتذلًا وموظفًا للإغراء وللزينة وللتسويق والإثارة، وبمقابل ذلك هو لا يقدم للناس الأشياء الضرورية التي يريدون أن يعيشوها.
وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلًا: إن هذا الشاب لا يستطيع أن يتزوج بسهولة، ولكنه يجد في كثير من وسائل الإعلام ألوان الإغراءات والإثارة، مشيرًا إلى أن دُور الأزياء والمواقع الإلكترونية والقنوات الفضائية وكذلك الاستعراضات الجسدية الضخمة الهائلة كما أنها أفسدت مفهوم الجمال حتى عند أصحابه، فإنها كذلك أفسدت مفهوم تذوق الجمال عند أولئك الناس، لأن الجمال لا يمكن فصله عن الحق، أو الخير، أو الحياة، لافتًا إلى أن هذا لا يعني أن الجمال موظف في هذه الأشياء، فالجمال قيمة بذاته، بل وقيمة في الكون والحياة واللغة، وعلى سبيل المثال، فإن الإنسان ربما يقرأ رواية أدبية، ويصفها بأنها جميلة، لأنها فعلًا جميلة بلغتها وبواقعيتها، حتى لو لم يكن لها مقصد محدد في البناء الاجتماعي أو التوجيه، ولكن أيضًا لابد أن يكون ثمّ حالات من التوجيه أو من الكتابة تستهدف صياغة حياة الإنسان والوفاء للقيم التي تقوم عليها المجتمعات الإنسانية.
الجمال الرأسمالي
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن الجمال قيمة أنزلت لتُستشعَر وتعاش وليس فقط لتهذب، وكأنها ابتلاء، قال الشيخ سلمان: هذا معنى رائع، فالجمال ليس فقط من أجل أن يُهذب وكأنه خُلق من أجل أن نمتنع منه وفقط وليس لشيء آخر، ولكن في مقابل هذا المعنى الجميل والضروري هناك صور خاصة في العصر الحاضر، وهو عصر التبرج الإعلامي، حيث هناك مدعاة كبيرة جدًا إلى محاربة ذلك الجمال الرأسمالي الذي يُقصد من ورائه "تشييء الأشياء" كما يقال، حيث تحول جمال المرأة إلى سلعة، كما تجد أن الفتاة ذات الخمس عشرة ربيعًا يوجد معها فريق من الوصيفات وفريق من الموظفين ويلبسونها ثيابها ويربطون لها حذاءها ويصحبونها والكاميرات تلاحقها في كل مكان والمجلات تنشر صورها والقنوات الفضائية تستضيفها.
وأضاف فضيلته: كما أنها تجد نفسها في حالة من الحراك المستمر والعمل الدؤوب والعروض المتسارعة خلال اليوم والأسبوع، فربما كانت يومًا من الأيام في طفولتها تحلم بالنجومية ووجدت هذه النجومية بهذه الطريقة، ولكن مع الوقت تبدأ تشعر بالإنهاك الجسدي، والخواء الروحي، والاغترار، وتبدأ تتساءل: هل سيستمر هؤلاء الناس معها حينما تفقد ولو بعض مقوماتها الجسدية أو حينما ينافسها جسد آخر يكون أكثر لياقة وشبابية؟، وعلى سبيل المثال، فقد كانت إحدى العارضات في لقاء صحفي تقول: إنها ظلت تعمل بشكل دؤوب، وفي يوم من الأيام أصيبت بإغماء أثناء التصوير، وبعدما أفاقت كان هذا الإغماء الحسي سببًا في إفاقتها العقلية، فبدأت تدرك أنه إلى متى وأنا بهذه الصورة؟ وهل هؤلاء الناس يحبونني لذاتي أم يحبونني لمجرد الاستمتاع بجمال وشيء يخصهم وهم مستعدون للتخلي عني؟ وهل معيار الجمال هو شيء أعرفه أنا عن نفسي أم الجمال هو شيء أنا أعرفه من خلال الآخرين الذين يطلبون المواعدات أو ينظرون أو يستمتعون أو يعبرون عن إحساس معين قد يكون إحساسًا بالشهوة وليس إحساسًا بمتعة الجمال الحقيقي؟.
ملكات الجمال؟!!
وفيما يتعلق بمسابقات ملكات الجمال والتي تسللت إلى البلاد العربية مؤخرًا، قال الشيخ سلمان: إن الكثيرين يحتجون على مثل هذه المسابقات حتى من غير المسلمين، مشيرًا إلى أنه عندما تكون هناك مسابقة جمال في الولايات المتحدة، أو في بريطانيا، أو غيرها، ويحدث أن يشارك فيها -أحيانًا- بعض المسلمات، فإننا نجد كثيرًا من علماء المسلمين والمراكز الإسلامية تصدر بيانات دعوة إلى عدم الاشتراك فيها، وتحريم مثل هذا الاستعراض الجسدي، والتأكيد على أنه لا يتناسب مع قيم الإسلام الذي يوصي بحفظ هذا الجمال، مؤكدًا أنه من شُكر نعمة الله تعالى على هذا الجمال ألا يُبتذل أو يُمتهن أو يُعرض للعيون المتطلعة والنظرات الجائعة، لافتًا إلى أن هذه المسابقات أثرها ضخم جدًا وسلبي حتى على الحياة الإنسانية.
وأضاف فضيلته أن هناك من يظن أن كثيرًا من ملكات الجمال كما يسمونهن وعارضات الأزياء في قمة السعادة، لأن كل شيء متوفر عندهن، والأموال موجودة، والسيارات الفخمة الحديثة، والموديلات الجديدة، والكاميرات تلاحقهن في كل مكان، ويتصدرن صفحات المجلات، وأشياء كثيرة من هذا القبيل، ولكن الواقع أن كثيرًا منهن تصرّح بأن الأمر عكس ذلك تمامًا، فكل واحدة منهن تشعر في داخلها بخواء، وأنها تلهث بسرعة حتى لا تفقد الفرص، كما تشعر بالخطر الشديد من منافسة أو تأثير الزمن وتجلياته وآثاره على وجهها وعلى كثير من المعالم التي تتأثر في الجسد.
القبح المتخيّل
وأكد الدكتور العودة أنه من الحفاظ على كرامة المرأة، بل وعلى كرامة الإنسان بحد ذاته، رجلًا كان أو امرأة، أن لا يتحول الجمال إلى أداة للمتعة، مشيرًا إلى أن الجمال قبل أن يكون جمال الجسد، فإنه جمال الأخلاق، وجمال الروح، وجمال الإيمان بالله، وجمال التواضع ومعرفة النفس، وجمال القدرة على التكيف مع الظروف المختلفة، فالجمال هو عبارة عن شيء ينبثق من داخلنا، فليس عطاء الآخرين لنا أو انطباعهم عنا هو ما يعبر عن الجمال، ولذلك فإننا نجد أن بعض الناس عندهم مشكلة ما يسمى بـ"القبح المتخيّل"، وعلى سبيل المثال، فإن أكثر من عشرة ملايين إنسان في الولايات المتحدة الأمريكية يعالجون في المصحات النفسية مما يسمونه بـ "القبح المتخيّل"، حيث يتوهم الإنسان أنه قبيح مع أنه قد يكون جميل الصورة، ولذلك بعضهم دائمًا تجد أن المرآة معه في كل مكان، وينظر باستمرار إليها بشكل غير منقطع، وقد يكون هذا بسبب تأثير الطفولة، أو بسبب تعيير من الوالدين -أحيانًا- بطريقة مازحة، مثل الأب الذي دائمًا يعيّر ولده، ويقول له يا "أبو خشم"، على سبيل الدعابة، لكن الابن لم يتقبل هذه المزحة، ويكبر وهو يشعر بمشكلة في أنفه، وقد يقول الناس: أنفك ما مثله أبدًا، لكن هو غير مقتنع.
وأردف فضيلته: وكذلك عندما يقول الأب لابنه "يا دبدوب"، حيث تجد أن الابن يكبر ويشعر بأنه سمين وأن وزنه أكبر من اللازم، مما يولّد عنده حالة اكتئاب، كما أن الأم التي كثيرًا ما تعاتب بنتها على كثرة الوقوف أمام المرآة تلقي عليها كلمات تورّث عند البنت حالة معينة، حيث تشير دراسات عديدة إلى أن 63% من نساء العرب عندهن إحساس بالخوف على الأقل من أن لا يكن جميلات، وهذا يجعل هناك عشرات المليارات تصرف سنويًا على عمليات وأدوات التجميل والمكاييج وغيرها، مشيرًا إلى أن هناك مثلًا أو كلمة، تقول: "نحن نحب الجمال، ولكن القبح أيضًا نحن نشفق عليه فنحبه".
عمليات التجميل
وفيما يتعلق بأن هناك المليارات التي تهدر على عمليات التجميل، قال الشيخ سلمان: لقد قسمنا العمليات التجميلية إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ الإصلاح: ومن ذلك أن يكون عند الإنسان أصبع زائد أو خلل معين في الجسم فيتم تعديله، فهذا لا شك أنه جائز.
2 ـ التغيير: وهو متفق على تحريمه، يقول تعالى: (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) (النساء: من الآية119)، أي: تحويل الذكر إلى أنثى أو تحويل الأنثى إلى ذكر، هذا إذا كان فعلًا هناك ذكر يريد أن يتحول إلى أنثى، أو أنثى تريد أن تتحول إلى ذكر، لكن في حالة وجود إنسان مشكل، أي: فيه صفات الذكورة وصفات الأنوثة فإن هذا يخضع لأحكام شرعية وفقهية وتقديرات طبية مختلفة.
3 ـ التحسين: ومن ذلك مثلًا شد الصدر أو شفط الدهون أو شد الوجه أو نفخ الشفتين أو الأسنان أو ما أشبه ذلك، فهذه التي ربما يكون منها الشيء الذي يحتاج إليه حاجة شديدة من خلال وجود ضرر أو حرج نفسي، وفيها ما لا يحتاج إليه وأنه مجرد طلب المزيد أو مجرد الاستمتاع أو متابعة الموضة أو تقليد مذيعة عربية أو غير عربية بسبب كثرة نظرة البنات إليها، حيث تجد أن كثيرًا منهن ربما تقترح على أهلها ليس فقط أنها سوف تقوم بتصفيف شعرها على وفق نظرتها لكن ربما حتى إجراء عمليات معينة، وهذا نوع من العبث بخلق الله -سبحانه وتعالى- وتضيع الأموال وتضييع حاضر الإنسان ومستقبله، وذلك لأن الإنسان ربما تتغير نظرته ويتغير مزاجه وقد يُغير من الأفضل للأسوأ أحيانًا، وفيها ما هو بين ذلك مما هو محل اجتهاد للفقهاء.
التوعية مطلوبة
وردًّا على سؤال يقول: لقد كان في السعودية ثلاثة أو أربعة مراكز تجميل، لكن الآن أصبح هناك أكثر من خمسة وثلاثين مركزًا للتجميل و85% من الزبائن وهن من النساء، فإلى أين يمضي المؤشر؟ وهل نحن الآن في حدود المعقول أم أن الأمر تحول إلى ظاهرة سلبية؟، قال الشيخ سلمان: إنني أعتقد أن الأمر فيه جانب سلبي كبير، من خلال تأثير وسائل الإعلام، وعروض الأزياء، وعروض الجمال، والتواصل الكوني الضخم، وضخّ دور الأزياء العالمية التي يقف خلفها كثير من الأثرياء والتجار والرأسماليين، وأيضًا الشركات والمصانع تقوم أساسًا على هذا الاستعراض الجسدي. كل هذا له تأثير ضخم على البنات بدرجة أساسية، لأن البنت أكثر تطلبًا للجمال، وكذلك الأولاد طبعًا يقع من جرّاء ذلك لهم قدر ونصيب، مما يؤكد على ضرورة التوعية بهذا المعنى، والتركيز على أن الإنسان أجمل ما يكون حين يكون على فطرته وصفته التي خلقه الله تعالى عليها.
وأضاف فضيلته أنه فيما يتعلق بالمكياج العادي أو الكحل أو بعض المساحيق التجميلية العادية، فإن هذه ربما يكون مظهرًا لإبراز جمال الأنثى، لكن هناك عمليات تجميل فيها تغيير وتحكّم ولها آثار سلبية، وبعضها ربما يكون كبيرًا، متسائلًا: لماذا لا نتوقع أن هناك مبالغة إذا كان هناك قنوات فضائية متخصصة لاستعراض هذه العمليات وعرض البنات قبل العملية وبعد العملية وبطريقة مفرطة جدًا، والكثيرون يتابعونها، حيث لا تستطيع أن تقول إن هذه قناة أمريكية أو شرقية أو غربية، لأن الفضاء مختلط تمامًا؟!
غض البصر
وردًّا على سؤال يقول: لقد أودع الله في الجنس البشري فطرة حب الجمال وأودع الجمال أيضًا في بعض من بشره، فما الذي يباح للرجل أن ينظر إليه في غير العلاقة الزوجية؟ وكيف يمكن أن ينظر؟ وماذا عن النظرة الأولى؟ وما الحكمة من غض البصر؟ وإلى أي مدى يغض الرجل نظره؟ قال الشيخ سلمان: إنه لا شك أن الجمال قد يوجد مع الحلال وقد يوجد مع الحرام، فهذا أمر واضح في الشريعة، وعلى سبيل المثال، فإن الله -سبحانه وتعالى- حرّم على الرجال لبس الحرير، وهذا لا يعني أن الحرير ليس فيه جمال، وهكذا عدد من الأشياء التي ربما يكون الحكم فيها المنع أو يبتلى بها الإنسان، والإنسان لا يُبتلى إلا بما يحب، ولذلك لم يخلق الله في الإنسان غريزة أو حاسة إلا وخلق في الكون ما يستجيب لها، سواء غريزة التملك أو غريزة النظر إلى الأشياء الجميلة أو غريزة الاستماع أو غريزة الكلام، فكل الغرائز المخلوقة في الإنسان خلق الله في الكون وفي الحياة ما يوافقها ويستجيب لها، وبإزاء ذلك خلق الله أشياء ابتلى الإنسان بغض الطرف عنها، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ)(النور: من الآية30)، وقال -سبحانه وتعالى-: (وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)(النور: من الآية31)، ولم يقل سبحانه وتعالى: (يغضوا أبصارهم)، ولكن قال عز وجل: (يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ).
وأضاف فضيلته أن هذا دليل على أن البصر لا يُغض مطلقًا فهناك، جمال مباح وجمال مشروعٌ الاستمتاعُ به، وجمال معفو عنه، مثلما جاء في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اصرف بصرك، فإن لك النظرة الأولى وليس لك الثانية"، مما يشير إلى أن كون الإنسان نظر نظرة عادية ليس فيها تشهٍّ ولا تؤثر على قلبه، والمعيار أو الترمومتر الداخلي الذي يعبر عن اتجاه النظر في داخلك، فهذا لا شيء فيه؛ ولذلك فالإنسان على نفسه بصير، فليست العبرة بالكلام أو بالحدود، وإنما العبرة بمؤشر في داخل النفس يعرفه الإنسان، فالأمر يتوقف على الغرض من النظرة، وامتداد هذه النظرة وأثرها، فهناك حديث عند الحاكم، وإن كان فيه مقال، لكن معناه جيد- أنه "إذا غض الإنسان بصره عن شهوة حرام أورثه الله تعالى إيمانًا يجد لذته في قلبه"، وكما يقول الشاعر:
كل الحوادث مبدأها من النظر ومعظم النار من مستصغر الشرر
فالكثير من المصائب التي تصيب القلوب والحب الذي يفضي -أحيانًا- إلى ضرر عظيم ربما يكون بسبب إدمان النظر.
مفهوم الجمال
وفيما يتعلق بمعنى أو مفهوم الجمال، قال الشيخ سلمان: إن الجمال في حد ذاته معنى ربما تستطيع القلوب أن تتعامل معه وتفهمه، لكن تحار العقول واللغات في تعريفه، فدائمًا ما يقولون: إن أكثر الأشياء مرورًا على الألسنة وترديدًا هي أكثر الأشياء غموضًا وإعجازًا، ولعل تذوق الإنسان للجمال، ومعرفة وجوده هو سر من أسرا الله -سبحانه وتعالى-، ولذلك فإن الجمال محل إطباق وإجماع من الناس، وكذلك التفريق بين الأشياء الجميلة وغير الجميلة، والتعاطي مع هذه الأشياء والسعي في تحصيلها.
وأضاف فضيلته: ولكن يختلف الناس بعد ذلك في تعريفات الجمال وتجلياته، وهل هو حقيقة ذاتية موضوعية في الأشياء أم هو صفة منطبعة على النفس تختلف تبعًا لذلك من شخص إلى آخر، ولذلك فإننا نجد أن معايير الجمال ليست محل اتفاق بين الفلاسفة ولا بين العلماء ولا بين الشعوب ذاتها، فالجمال هو من الأشياء التي نرددها دائمًا ونتعاطى معها وبشكل بسيط، حتى الأطفال الصغار، ولكن أكبر العلماء والفلاسفة لم يستطيعوا أن يصلوا إلى ما نعبر عنه بأنه تعريف محدد وموضوعي وجامع ومانع لفكرة الجمال.
هجر جميل
وفيما يتعلق بورود لفظ "الجمال" في القرآن الكريم، قال الشيخ سلمان: لقد ورد في القرآن لفظ الجمال ثماني مرات؛ فمرة بلفظ "جمال"، كما يقول تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (النحل:6)، حيث نجد أن لفظ الجمال في هذه الآية الكريمة يتعلق بالحيوان وما يملكه الإنسان، يشمل جمال الأشياء، أي: جمال صورها، كما يشمل جمال التملك لها والشعور بامتلاكها وسماع أصواتها ومشاهدتها، فكل ذلك من الجمال، ولهذا قال تعالى: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ)، حيث نجد أن في الآية معنى قرآنيًا رائعًا، وهو أن الله تعالى لم يصفها أنها جميلة، وإنما قال لنا أننا نملك فيها الجمال، مما يؤكد أن الجمال ليس فقط الشيء الحسي بالأشياء، وإنما هو إحساسنا بتملكها وبنعمة الله تعالى علينا، ولذلك فإن الإنسان ربما يستجمل أشياء لأنها جزء من طبيعته وعادته وشخصيته ومتعته، ولا يستجمل أشياء أخرى لأنها لا تخصه أو لأنها لعدوه، وهذا معنى القرآن.
وأضاف فضيلته: كما ورد الجمال في سبعة مواضع بلفظ الجميل وليس الجمال، وهذا أمر ملفت للنظر، وقد قمت ذات مرة بجمع الآيات التي فيها هذا المعنى فوجدت، على سبيل المثال، أن في قوله تعالى: (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا)(المزمل: من الآية10)، خطابًا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، ودعوة لهجر المعاندين والمستكبرين والمعادين، ولكن مع ذلك وصف الهجر بأنه جميل، مما يشير إلى أن الهجر المقصود في هذه الآية هو الهجر الذي ليس فيه جفاء أو إغلاظ أو اعتداء أو بغي، ولكنه عبارة عن نوع من المتاركة الجميلة التي تهيئ لمصالحة؛ ولهذا قال تعالى: (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً)(الممتحنة: من الآية7)، مما يؤكد أنه يوجد ما يسمى بـ"الهجر الجميل"، وذلك في حالة الهجر والترك والمصارمة.
صفح.. وجمال أخلاقي
وأردف الدكتور العودة أن الله -سبحانه وتعالى- يقول في موضع آخر: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) (المعارج:5)، وفي هذا إشارة إلى حالة المخالطة؛ ولهذا ـ كما في الحديث ـ فإن «الْمُؤْمِنُ الَّذِى يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِى لاَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَلاَ يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ»، فالله عز وجل في هذه الآية الكريمة وصف الصبر مع الناس بأنه جميل، كما قال تعالى في آية ثالثة: (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ)(الحجر: من الآية85)، فكلمة الصفح في هذه الآية تشير إلى العفو والتجاوز وفتح صفحة أخرى مع الناس في حال حدوث أي مشكلة، كما أن وصف الصفح بأنه جميل، إشارة إلى أن الله تعالى يحب العفو والصفح: «إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى»، فهذه من المعاني الجميلة التي تشير إلى أنه في حالة المخالطة يجب أن يكون هناك الصفح الجميل والصبر الجميل، وفي حالة المتاركة يكون هناك الهجر الجميل.
وتابع فضيلته: بل لقد وجدت في القرآن الكريم قول الله -سبحانه وتعالى-: (فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا)(الأحزاب: من الآية49)، وهذا فيما يتعلق بحالة الانفصال بين الزوج والزوجة، أي أنه لا يكون هناك سبّ ولا عيب ولا نقد ولا تعيير ولا استذكار للماضي ولا شيء من هذا القبيل، ولكن سراح فيه جمال وأخلاق، متسائلًا: أنه إذا كان الأمر هكذا في حالة الفراق، فكيف سيكون الأمر في حالة الإمساك؟، لافتًا إلى أنه سيكون أكثر جمالًا وأخلاقًا، بحيث تكون حالة العلاقة الزوجية من المعاني التي يُطلق عليها لفظ الجمال، فالجمال الحسي معروف، لكن المقصود في هذه الآية هو الجمال الأخلاقي والمعنوي في التعامل بين الرجل والمرأة.
المثلث الأفلاطوني.. وكتاب الجمال
وذكر الشيخ سلمان أن العلماء كثيرًا ما يتحدثون عما يسمونه بـ"المثلث الأفلاطوني"، والذي يتمثل في "الحق، والخير، والجمال"، حيث توارد العلماء على ذكر أن هذه القيم الثلاث هي القيم الأساسية، فقيمة الحق متعلقة بالمعرفة وحقائق المعرفة، وقيمة الخير متعلقة بالأخلاق، وقيمة الجمال متعلقة بتذوق الجمال والعلاقة بين الأشياء، مشيرًا إلى أننا عندما ننظر إلى القرآن الكريم نجد أنه يوجد به إشارة إلى هذه الأشياء الثلاثة في سياق واحد دون أي تكلف، حيث يقول الله -سبحانه وتعالى-: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ)، حيث ذكر كلمة الحق الذي هو المعرفة الصحيحة، ثم يقول تعالى: (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (الحجر:85)، فذكر الجمال، وفيما يتعلق بالخير الذي هو الأخلاق فإن هذه القيمة واضحة من خلال قوله تعالى: (فَاصْفَحِ)، فالصفح هو قمة الأخلاق والعفو والتجاوز عن المخطئين، فهذه المعاني الثلاثة كلها مدرجة في هذه الآية الكريمة، فالقرآن الكريم هو كتاب الجمال، لأنه به جمال اللغة، وجمال التعبير، وجمال التشريع.
ولفت فضيلته الانتباه إلى أنه فيما يتعلق بذات الله -سبحانه وتعالى- الذي وصفه النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»، فإنه يوجد في القرآن الكريم وفي حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أن الله -سبحانه وتعالى- جميل في ذاته جمال الذات، وصفاته، فله من الصفات العليا أجملها وأكملها وأعظمها وأزكاها، والصفات السالمة من كل النقائص، فنحن عندما نصف شيئًا بأنه جميل نعني أنه يتحقق على أكمل الوجوه، وأنه سالم من المنغصات أو العوارض العكسية، فالله -سبحانه وتعالى- له من الصفات أجملها وأكملها وأزكاها.
جمال التشريع
وأوضح الدكتور العودة أن الجمال في الذات الإلهية هو أيضًا جمال التشريع، لأن تشريعات الله -سبحانه وتعالى- وأحكامه هي في غاية القوة والإحكام والحكمة والجمال، حتى لو كان فيها تأديب فإن مقصدها ونهايتها هي الجمال، وكذلك جمال الله تعالى في مخلوقاته؛ من خلق السماوات وخلق الأرض وخلق الإنسان، فهذا الجمال الذي في الكون هو خلقه -سبحانه وتعالى-، بل إن ذلك يشمل أيضًا جمال القَدَر فيما يُقدّر الله -سبحانه وتعالى- وفيما يفعل وفيما يترك وحتى فيما يكره الإنسان، وعلى سبيل المثال، فقد جاءني هذا الأسبوع عدة رسائل إخطار عن وفيات شباب وبنات، كبارًا وصغارًا، وحوادث، وأمراض، وكأن هذا الأسبوع هو أسبوع الحصاد، وكما يقول الشاعر:
ربما تكره النفوس من الأمر له فرجةٌ كحل العقال
فالجمال الإلهي في جمال الشريعة؛ في أوامرها ونواهيها وعقوباتها، وعلى سبيل المثال، فإنه عندما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ أُمَّتِى يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ»، وفي رواية أنهم سألوه: كيف تعرف أمتك أو من لم يأت من أمتك؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: "بالغرة والتحجيل من أثر الوضوء"، فالنبي -عليه الصلاة والسلام- يبين أنه يعرف يوم القيامة من لم يأت من أمته بجمال الوجوه الجمال النوراني الذي هو أثر من جمال دنيوي فيه طاعة لله -سبحانه وتعالى- بالوضوء والطهارة والنظافة، مما يشير إلى أن التشريع يحفز على الجمال، وكان -صلى الله عليه وسلم- جميلًا في كل شيء..
نَبيٌ رَماهُ اللَهُ بِالحُسنِ يافِعًا لَهُ مِنْ كُلّ مَكْرُمَةٍ صُوَر
وَلَمّا رَأى المَجدَ اِستُعيرَت ثِيابُهُ تَرَدّى رِداءَ سابِغَ الذَيلِ وَأتَزَر
كَأَنَّ الثُرَيّا عُلِّقَت في جَبينِهِ وَفي خَدِّهِ الشِّعرى وَفي جيدِهِ القَمَرْ
فقد كان، صلى الله عليه وسلم، مثل الشمس والقمر، كما يقول جابر بن سمرة.
الجمال.. والفطرة
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن الفطرة الإنسانية أودعها الله استحسانًا لجمال البشر، قال الشيخ سلمان: إن تذوق الجمال هو شيء فطري بدون شك، فالله أودع في النفوس تذوق الجمال المادي، والذي هو الانطباع الأول، وعلى سبيل المثال، فإن الإنسان عندما يرى الأشياء أو الأشخاص للمرة الأولى، فإنه ربما يستحسن هذه الأشياء بشكل عفوي، حتى حينما يكون أميًّا أو غير متعلم فإنه ربما يحكم على الصور وعلى الأشياء بجماليتها أو بضد ذلك، ولكن الجمال المادي أو الحسي هو أيضًا أول الأشياء ذبولًا إذا كان بمفرده، فإذا لم يكن هذا الجمال الحسي الذي يفيض على الملامح والعينين والوجه والقسمات والقامة والشفتين مدعومًا بجمال الروح المتألقة بجمال العقل العارف الواعي المثقف، وبجمال اللغة الكريمة التي يتعاطى بها الإنسان، وجمال العلاقة التي يحكمها الإنسان مع الآخرين، وجمال التواضع، فإنه كثيرًا ما يداخل الغرور هذا الجمال، ولذلك فإن العوام كثيرًا ما يقولون: البنت العادية أكثرًا حظًا من البنت المفرطة في الجمال، وهذه ليست قاعدة، لكنها تحدث -أحيانًا- بسبب أنه ربما يخالط الجمال شيء من الغرور، ولا شك أن الغرور الأخلاقي هو نهاية القبح؛ ولذلك فإن الغرور لا يجتمع مع الجمال الحسي الحقيقي، فسرعان ما يظل هذا الجمال الحسي سحابة أو غمامة من الظلام والكآبة والاكتئاب الذي يمنع من كمال الاستمتاع به.
وأردف فضيلته أننا حينما ننظر إلى هذا الكون الذي هو بيتنا ومسكننا، فإن النظرة المادية للجمال تجعل الناس يقفون فقط عند حدود أو جدران هذا المسكن، بينما إذا كان عند الإنسان جمال الروح، وجمال الإيمان بالله -سبحانه وتعالى- فإنه سيتجاوز حدود هذا المسكن أو هذا البيت وجدرانه إلى تذوق الجمال الأعظم، وهو الجمال الإلهي، مضيفًا: لقد سألت نفسي هذا الصباح عما إذا كنت أتعرّف إلى ربي بكونه جميلًا كما أخبر عنه نبيه -عليه الصلاة والسلام- لأتجاوز حدود الجمال المادي والحسي إلى الجمال الأعظم، يقول تعالى: (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (القيامة:23،22)، من انتظار رؤية الله -سبحانه وتعالى- في الدار الآخرة ورؤية هذا الجمال الذي لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر؟، مشيرًا إلى أن هذا من المعاني الضخمة والهائلة والكمالات والجلال والنورانية، مؤكدًا أن الإنسان بحاجة إلى أن يمر بقلبه ولو سريعًا على بعض هذه المعاني ويقف عندها.
جمال.. وزينة
وردًّا على سؤال يقول: ما الفرق بين الجمال والزينة؟، قال الشيخ سلمان: إن الجمال هو عبارة عن إحساس الإنسان بالشيء، واحتج بقوله -سبحانه وتعالى-: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ)(النحل: من الآية6)، مما يشير إلى أن الجمال هو عبارة عن انطباع الإنسان عن الأشياء، فهو ليس وصفًا ذاتيًا للأشياء، وإنما هو تعبير عن رؤية الإنسان نفسه، بينما الحسن قد يكون وصفًا ذاتيًّا، كما يقول محمود غنيم:
قد يأخذ الحسن بالألباب متزرًا وليس يأخذ بالألباب عريانًا
إن الفتاة إذا أخفت محاسنها أفضى إليها الكمال الحسن ألوانًا
والله -سبحانه وتعالى- يقول في محكم التنزيل ـ وقوله أبلغ ـ للنبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ)(الأحزاب: من الآية52)، ولم يقل: (ولو أعجبك جمالهن)، مما يشير إلى أنه صفة ذاتية، سواء كان ذلك متعلقًا بحسن المرأة ـ أو أي شيء آخر ـ بحيث يكون الحسن صفة فيها، أو يوجد فيها مجموعة من المواصفات التي تجعلها توصف بأنها حسناء، في حين أن الجمال ربما فيه توسع في اللغة، لكن لو اجتمعا لكنا نعبر بأن الجمال هو انطباع الإنسان، الذي يشاهد الحسن، عن هذا الحسن، فيُعبر عنه بأنه جمال؛ ولهذا قال -سبحانه وتعالى-: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ) (النحل:6).
وأضاف فضيلته أنه فيما يتعلق بـ"الزينة"، فإنه قد ظهر لي من جمع الآيات القرآنية الواردة في كلمة "زينة" أن الزينة تطلق على ما يتكلفه أو ما يفعله الإنسان، ولهذا قال: (مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ)(طـه: من الآية59)، لأن الناس يجتمعون ويعرضون أجمل وأزين ما لديهم، وكذلك عندما قال -سبحانه وتعالى-: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً)(النحل: من الآية8)، أي أن الناس يتزينون بها ويزينونها، وهكذا في نصوص كثيرة جدًا، يقول تعالى: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ)(الحديد: من الآية20)، أي: يُزين الناس بها ويتزينون بها، حتى المال يتزينون به، مشيرًا إلى أنه فيما يتعلق بقوله تعالى: (وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا)(النور: من الآية31)، فإن الذي يظهر لي من أقوال المفسرين أن المقصود بالزينة في هذه الآية هو الزينة التي تتصنعها المرأة وتتكلفها؛ ولهذا قال بعضهم: الكحل، وقال بعضهم: الخضاب، لأن هذا مما لا سبيل إلى إخفائه، وعلى ذلك فإن لفظ الزينة يقصد به ما يتكلفه الإنسان ويفعله.
الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ
وأردف الدكتور العودة: بينما هناك لفظ ربما يكثر ترداده في القرآن الكريم، وهو ليس ببعيد عنها، وهو لفظ التسوية، حيث تجده -مثلًا- في قوله -سبحانه وتعالى-: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ) (الانفطار:7)، أو قوله تعالى: (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) (الأعلى:3،2)، مشيرًا إلى أن لفظ التسوية ليس ببعيد عن هذه المعاني، وكأنه يجمعها كلها، فأساس الزينة وأساس الجمال وأساس الحسن هو وجود قدر من التناسق في خلق الله، يقول تعالى: (مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ * ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ )(الملك: من الآية4،3)، فهذا جمال الصورة، وكذلك عندما يقول الله -سبحانه وتعالى-: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ)(النحل: من الآية78)، فإن السمع من أجل الاستمتاع بالأصوات الجميلة، لافتًا إلى أن الشريعة ليست منابذة ولا مناقضة ولا معاندة للصوت الجميل إذا كان هذا الصوت الجميل يدعو إلى خير أو إلى بر أو معروف أو إلى معنى جميل ليس فيه فتنة ولا إثارة ولا إغراء بالفاحشة.
واستطرد فضيلته: وكذلك الصورة، فالله -سبحانه وتعالى- عندما يقول: (وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ)، فإن الأبصار من أجل منّة ونعمة النظر إلى الجمال؛ سواء أكان هذا الجمال في الكون، أو في خلق الله -سبحانه وتعالى-، أو النظر المباح أو النظر المشروع، فقد يكون النظر واجبًا -أحيانًا-، وكذلك قوله -سبحانه وتعالى-: (وَالْأَفْئِدَةَ)، فالجمال المعنوي والروحاني يُدرَك بالقلب والفؤاد، وإن كان العقل قد يعجز عن تعريفه، ولكن يكفي الإحساس باللذة والمتعة والبهجة والنعمة الإلهية في خلق هذه الأشياء.
وفيما يتعلق بأن هناك من يرى أن المشكلة تكمن في أن الرجل العربي يربط الجمال بالمرأة فقط، وأن المرأة العربية محظوظة نسبيًا، لكون الشعراء القدامى وصفوا منثور شعرها وبريق مقلتيها ونور وجهها الذي اختفى حاليًا مع الضغوط، قال الشيخ سلمان: إنهم لا يصفون شيئًا محددًا، فهذا الجمال لا وجود له إلا في الأعيان، كما يقال، والأذهان فقط، مثل إنسان يتخيل ويصف، كما أنك عندما تقرأ في كتب الأدب أو حتى في الكتب المعاصرة مواصفات الجمال عند الشعوب أو غيرها، فإن هذا ليس له وجود إلا في أعيان في فلانة وفلان أو في البلد الفلاني أو في النهر الفلاني أو الغابة الفلانية أو في المقطوعة الشعرية الفلانية، فالجمال في هذه الحالة وجوده في أشياء محددة.
وأضاف فضيلته أن شعوب العالم كلها غالبًا ما تفتتن بالجمال الحسي وتقدمه على غيره، ولكن في الحضارات ذات البُعد الإيماني مثل الحضارة الإسلامية تجد معاني الجمال عن الإحساس بجمال الله -سبحانه وتعالى- والتعرّف إلى الله تعالى، إضافة إلى جوانب أخرى، مثل: الحب والخوف والرجاء، وكذلك بالنسبة للنبي -صلى الله عليه وسلم- عندما يوصف بالجمال، فإن المقصود هو هذا الوصف، وكذلك يوسف -عليه الصلاة والسلام- كما في سورة يوسف: (فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)(يوسف: من الآية31)، والنبي -صلى الله عليه وسلم- قال عنه: إنه أوتي شَطر الحسن.
جمال النبوة
وأوضح الدكتور العودة أن هذا الجمال هو بدون شك جمال حسي في جودة المواصفات، فالنبي -صلى الله عليه وسلم- كان في وجهه استدارة القمر ونور الشمس، وكذلك في شعره وفي عينيه وفي شفتيه وفي وجنتيه وفي أنفه وفي شعر رأسه وفي قامته، ولكن مع ذلك كان جمال الأخلاق عنده -صلى الله عليه وسلم-، وجمال الصفح، وجمال العقل الكبير، وجمال النبوة التي تجري في دمه -صلى الله عليه وسلم- وجمال الإعجاب، فأولئك الصحابة الذين وصفوا النبي -صلى الله عليه وسلم- ما وصفوه بعيني إنسان بعيد، وإن كان حتى البعيد شهد له بذلك، لكن الصحابة وصفوه بعيني محب، وهذا من جماله -صلى الله عليه وسلم-.
وذكر فضيلته: ولذلك فإنهم كما يقولون: "الحب أعمى"، مما يؤكد أن الجمال ليس معيارًا ذاتيًا موضوعيًا وإنما هو يعتمد على تذوق الإنسان، لافتًا إلى أننا عندما نقول: إن "الجمال أعمى"، فإن هذا يشير إلى أن إنسانًا ربما تكون عنده زوجة عادية جدًا وقد يكون في نظر الناس أجمل منها, ولكن هو لا يرى في النساء إلا هي، وذلك لأنه من خلال معاشرتها والجلوس معها وجد أنها استحوذت عليه وملكت زمامه وأشبعت الحاجات النفسية والعقلية والجسدية الموجودة عنده، فتحقق بذلك معنى الجمال فيها.
توهم القبح
وتعقيبًا على مداخلة من مشاركة، تقول: إن الجمال نسبي يختلف من شخص لآخر، لكن القبح يكاد يكون متفقًا عليه، وأنا أعاني من أن بطني بعد ثلاث ولادات أصبح قبيحًا، قال الشيخ سلمان: إن القبح نسبي أيضًا، ولكن المشكلة تكمن في أن الأخت صاحبة المداخلة عندها إحساس قوي بأن بطنها بعد ثلاث ولادات أصبح قبيحًا جدًا، وهذا إحساس عندها، فجزء عندها هو إحساسها، في حين أنه ربما الآخرون لا ينظرون إلى الشيء بنفس القدر، لكن عندما تشعر هي بأن هذا الشيء قبيح، فإنه يصبح هناك مشكلة نفسية -أحيانًا-، لافتًا إلى أن بعض العمليات قد ينصح بها ليس فقط لتغيير الجسم أو مشكلة في البدن بقدر ما هي نوع من المعالجة النفسية لهذا الإحساس الذي يصعب إزالته عن النفس، فعندما يشعر الإنسان بأنه قبيح فعلًا، فإن هذا الإحساس يحتاج إلى معالجة، وأن يعيد الإنسان النظر في ذاته، وأن لا يدخل عنده الوهم.
وأضاف فضيلته أن الوهم في بعض الأحيان يكون أكثر خطورة من الحقيقة، فإذا كان عند الإنسان حقيقة معينة وهي أنه قبيح، فإنه من الممكن أن يعالج هذا القبح، لكن إذا كان عنده توهّم القبح، فإن هذا يحتاج إلى عملية تجميلية نفسية لإزالة هذا الإحساس بالوهم، مشيرًا إلى أنه فيما يتعلق بهذه الحالة فإنه يمكن أن ينظر في الأمر طبيب إذا كان هناك تأثير كبير على العلاقة الزوجية ويؤثر على وضعها النفسي وعلى علاقتها الزوجية، وربما هذا يتمادى بالتأثير على العلاقة بين الزوجين، والأطباء ينصحون بها، وليس لها آثار ضارة أو تداعيات سلبية، فيخضع إلى ما يمكن أن يقرره الأطباء.
جمال الانطباعات
وفيما يتعلق بأن المرأة قد يربكها جانب معين وتنسى المقومات الجمالية الأخرى، قال الدكتور العودة: هذا صحيح، فضلًا عن الاعتياد، لأنه غاية الجمال، وعلى سبيل المثال، فإن مخالطة أجمل الناس جمالًا مرة ومرتين وثلاثًا وأربعًا وخمسًا، تنسي أنه جميل، وتصبح تنظر إليه بشكل عادي، لأن هذه النظرة أصبحت مألوفة، وليست كالنظرة الأولى تستدعي عندك نوعًا من الإعجاب، وعلى العكس من ذلك، فإن الكثير من الناس الذين يجلسون معي طويلًا فإن الإنسان ربما لا يستطيع أن يصف ملامحهم.
وأضاف فضيلته أن ذلك يرجع إلى أن الملامح في هذه الحالة تكون ملامح نفسية، بأن هذا الإنسان أحبه، أو أرتاح له، أو معجب به، ولذلك فإن الملامح بحد ذاتها قد ذابت أو تلاشت أو تماهت عندي؛ مما يؤكد أن غاية الجمال أو حتى وجود القبح مع المخالطة والمجالسة يذهب وتبقى الانطباعات، أو الجمال الروحي وجمال الانطباع وجمال الأخلاق وجمال العلاقة بين الطرفين.
نكران الجميل
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يقول: إن بعضهم إذا بلغ من العمر مبلغًا هو وزوجته فإنه ما زال يلجأ إلى الهجر الجميل معها، قال الشيخ سلمان: إن الهجر بين الزوجين لا يسمى الهجر الجميل، فالله -سبحانه وتعالى- عندما ذكر السراح الجميل فيما يتعلق بالطلاق، فإن مقابله الإمساك الجميل، كما قال: "فإمساك بمعروف"، فالإمساك الجميل أو الإمساك بمعروف لا يتفق مع الهجر الجميل للزوجة، ولكن الهجر الجميل يكون مع الخصوم أو الأعداء الذين يتطلب الأمر أن يصبر عليهم الإنسان ويهجرهم هجرًا جميلًا، فلا يكافئ السيئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح قدر المستطاع، ويتجاوز.
وأوضح فضيلته أن النبي -عليه الصلاة والسلام- نهى عن هجر الزوجة إلا في حالة خاصة، وفي الفراش، وفي وقت معين، ولا يجوز أن يستمر هذا الهجر إلى ما لا نهاية، مشيرًا إلى أن القيام بهذا الأمر بعد سن الستين أو السبعين قد يعد نوعًا من نكران الجميل، لأن هذا الإنسان تمر عليه الأيام والليالي ويهرم ويكبر وتبدأ التجاعيد في وجهه، ويبدأ العجز والضعف في بدنه، وهو يحمل ملف من الأخطاء والسقطات، مؤكدًا أن الوفاء من أعظم معاني الجمال والأخلاق. وعلى سبيل المثال، فإنني أذكر أن امرأة تقول لزوجها: تعاملني بهذه الطريقة بعد أربعين سنة؟! قال: والله ما لك عندي عيب إلا هذا!
معانٍ بسيطة.. ولكن
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك في الموقع الإلكتروني للبرنامج، يتحدث عن أن الجمال لا يمكن أن يحصر فقط في الجمال البشري بل في لثغة الطفل الصغير وهو يقول "بابا "، وفي السجود، وفي ساعات السحر، وفي حضن الأم
لافتًا إلى أن هذه المعاني البسيطة، أو كلمات الأم الجميلة، وتذوق العلاقة مع الله -سبحانه وتعالى- لا تكون مجرد إحساس بالعبء أو التكذيب كما يسميه بعض الفقهاء، ولكن الإحساس بجمالية هذه العلاقة، بكرم الله وعطائه في السجدة، حينما يسجد الإنسان ربما لدقيقة أو نصف دقيقة، تضخ في عقل الإنسان وفي روحه طاقة روحانية غير عادية يواجه بها صعوبات الحياة، ويحقق بها قدرًا من النجاح يستطيع أن يتغلّب به على مشكلاته، وأن المشكلة دائمًا فيه وليست في الآخرين.
وأضاف فضيلته أن هذا السجود لله -سبحانه وتعالى- وهذا الانقطاع يطارد أوهام الغرور والإعجاب: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي)(القصص: من الآية78)، ويصنع في الإنسان البساطة والعفوية والتواضع، ويجعل السمع والأبصار والأفئدة، التي هي أدوات تذوق الجمال، تعمل بشكل سليم وصحيح، بحيث نسمع الأشياء الجميلة، ومن ضمنها القرآن الكريم، كما يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَىْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِىٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ يَجْهَرُ بِهِ»، والله -سبحانه وتعالى- يستمع لهذا النبي ويستمع لغيره: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ)(المجادلة: من الآية1)، فاستماع الإنسان لهذه الأصوات الجميلة وتذوق هذه المعاني شيء لا يمكن أن يقدره الإنسان قدره.
لغة سحرية
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يقول: هناك جمال الكلمة، وجمال الأخلاق، وجمال المنطق، وجمال الروح، وجمال الأسلوب، وجمال المقام، وأنا أراها كلها مجتمعة في الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة، قال الشيخ سلمان: إن هذا من جمال أذنه في الاستماع وجمال لسانه في التعبير، مؤكدًا على ضرورة أن نعوّد أنفسنا على أن نختار الكلمات الأحسن والأجمل، وليس فقط الحسنة أو الجميلة، قال تعالى: (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ )(الإسراء: من الآية53)، فالحسن في ذات الكلمة، والجمال هو في تذوقنا لهذه الكلمة الجميلة التي تصدر من الآخرين، ولذلك نحن نعبر عن إحساس الأخ صاحب المداخلة بأنه جمال، ونحاول أن نعبر بكلمتنا عن الحسن أو نحاول أن نرتقي إلى الحسن.
الحسن الفطري
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يقول: إن أفضل تعريف للجمال هو الجمال، والحب هو الحب، قال الشيخ سلمان: إننا لا بد وأن نبادل المستمعين عبارات الحب، فالأخ صاحب المداخلة هو المستمع الجميل، وهو يعبر عن الجمال بأنه الجمال، فهو يعبر بالنظرة الإيجابية، وأن نتفاءل بالأشياء، وأن ننظر إلى الجانب الحسن منها، حينها سنجد الأشياء كلها جميلة، لافتًا إلى أنه ربما يشير إلى الاختيار الحسن في الزواج: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ»، موضحًا أن هذا وصية النبي -صلى الله عليه وسلم- فيمن يريد الزواج بالبحث عن المرأة الصالحة، مع قدر معتدل من الجمال بطبيعة الحال.
غشّ.. وتدليس
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك يقول: إن هناك استبيانًا أظهر أن كثيرًا من الشباب قالوا: إن الجمال هو مجرد المشاهدة العابرة، ولكن عند الزواج يختار الصلاح، وأن المكياج قد يحقق جمالًا وقتيًّا، قال الشيخ سلمان: إن الجمال يذبل مع الوقت، مشيرًا إلى أن هناك أناسًا يقومون بالغش أو ما يسميه الفقهاء تدليسًا عند الرؤية الشرعية، حيث تأتي المرأة ووجهها ربما مليء بالمساحيق والمكاييج والتشكيلات التي لا تعبر عن شخصيتها، وهذا خطأ كبير.
وأضاف فضيلته أن الرؤية الشرعية ينبغي أن يكون فيها قدر من رؤية المرأة على طبيعتها أو قريبة من طبيعتها، بعيدة عن المبالغة في التزيين أو في التزييف -إن صح التعبير-، ولكن من جهة أخرى، فإن الإنسان عندما يكون مقبلًا على زوجته يراها بشكل، وعندما يقضي وطره منها ربما يراها بشكل آخر أحيانًا، فينبغي على الإنسان أن يدرك هذا المعنى، وألا يكون حبه مرهونًا بحالة وصال جسدي.
سلمان العودة: من الحفاظ على كرامة المرأة ألا يتحول جمالها إلى أداة للمتعة
- التفاصيل