حوار/نخبة من محرري أون إسلام.نت
في محاولة لإزالة الالتباس حول قضايا حرية الاعتقاد، وحرية التعبير وانعكاس ذلك على المشهد الغربي، ولإستبيان صورة الأنا المسلم تجاه الآخر الغربي، وإيمانا منا بأن التعرف على هذه الأبعاد قد يؤدي إلى ترشيد القراءة، ومن ثم ترشيد المعالجة بشكل أو بآخر. حاورت مدارك الأستاذ الدكتور "عبد الحميد أبو سليمان " المفكر الإسلامي المعروف، ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي حيث دار الحوار حول محورين أساسيين طرحنا حولهما عدد من الأسئلة.
تعلق المحور الأول برؤيته لإمكانية استبدال التغيير الاجتماعي بالتغيير السياسي، وهي رؤية لها امتداد في مشروعه الفكري الخاص، أما المحور الثاني، وهو يرتبط نوعا بالمحور الأول فيعتبر فيه الأسرة مصدرا لتغيير ناجع مقارنة بالآفاق المسدودة للتغيير السياسي، كان هذان المحوران الأساسيان اللذان دار حولهما موضوع الحوار. وإن إمتد بنا الحديث ليشمل جوانب فرعية أخرى مثل الحديث عن تزامن العودة للدين في المشهد الغربي مع تزايد الإساءة للمقدس، وعن انتصار أدعياء حرية التعبير على المقدس والمؤمنون به، وبمعنى آخر عن العلاقة بين حرية الاعتقاد وحرية التعبير، والتي يرجح مجموعة من المراقبين أنها حسمت في نظرية القيم الغربية لصالح حرية التعبير، وليس حرية الاعتقاد.
كانت هذه هي محاور الحوار الذي أجرته مدارك مع الدكتور عبد الحميد أبو سليمان فإلى نص الحوار.
- عناية د. عبد الحميد أبو سليمان: كيف تنظر إلى الارتباط الوثيق ما بين الحضارة الغربية والدين المسيحي؟؛ فبعض الكتابات تذهب إلى أن العلمانية ثقافة مجتمعية عامة وسطحية إلى حد ما وليست متغلغلة في عمق ثقافة المجتمع الأوروبي، وأن هذا ليس فقط في الحضارة الغربية فحتى المجتمعات غير الغربية شهدت حضورا مكثفا للكنائس والأديان في بنيتها، وأن ذلك انعكس في أحزاب ومؤسسات اجتماعية وما إلى آخره، كما تحدث ماكس فيبر أيضًا عن البروتستانتية وروح الرأسمالية، فما تأثير هذا على طبيعة العلمانية الغربية؟ نريد أن نتبين تأثير هذا على تعريف العلمانية التي هي بمثابة اقتراب لتوضيح العلاقة ما بين حرية الاعتقاد وحرية التعبير. فكيف تفسر هذا الارتباط الوثيق؟
د. عبد الحميد أبو سليمان: اعتقد أنه من الأخطاء التي نقع فيها أننا نحاول أن نترجم ما يجري لدى الآخر من خلال ثقافتنا ومفاهيمنا، وبالتالي يحدث عدم فهم حقيقي للظواهر هناك، وفي تصوري أن أي نوع من الحديث عن الدين في الغرب قضية وهمية، فتاريخ المسيحية وما انتهت إليه من نوع من الاستبداد الديني، وتحكم الكنيسة معروف للجميع، ومعاناة الأوروبي بالدرجة الأولى كانت في مواجهة المد الإسلامي، خصوصًا أن المد العثماني كان الجانب العسكري فيه أكثر من الجانب الفكري والثقافي.
فكان أن تخلي الغربي عن الدين، لذلك يحلو له أن يصف نفسه بأنه "أجنوستك Agnostic" وليس ملحد، فهو لا ينكر أن هناك شيء فيما وراء الطبيعة، لكنه في الوقت نفسه لا يؤمن بالمسيحية، فهو الآن إنسان مادي وليس له مرجعية على الإطلاق، فوسيلتك لأن تفهم الفكر الغربي أو التاريخ الغربي الآن هو أن تعرف قانون الغاب.
لذلك فنحن نؤكد على أن ظاهرة التدين هذه ليست سوى تجييش للمعركة لاسيما بعد انتهاء صعود الاتحاد السوفيتي، فأصبح السؤال كيف يمكن تقسيم العالم الإسلامي؟، فإذا أردنا أن نعرف ما يحدث في العالم الإسلامي فعلينا أن نفهم أهداف السياسة الإسرائيلية، وليس السياسة الأمريكية ، فنحن والأمريكان لسنا أكثر من دُمى في أيدي اليهود.
فنحن نفسر ظاهرة العودة للدين لديهم، قياسا على ما يحدث عندنا وهذا ليس صوابا فإذا كنا نحن قررنا العودة حين أدركنا أن خلاصنا في أن نلتزم بقيم الإسلام وأهدافه ومقاصده، فإن ما نراه من ظاهرة العودة للدين لديهم في تصوري ليس أكثر من تجييش للمعركة وليس رجوعا للدين على الإطلاق.
- هل أصبح الصراع جزء من طبيعة الغربي أم أنها في اعتقادك طبيعة إنسانية قد يلعب الدين دورا مهما في إخمادها أو بروزها؟
د. عبد الحميد أبو سليمان: أذكر أنني عندما كنت في ماليزيا كان عندنا أمام البيت حديقة صغيرة نقوم فيها بتربية الأرنب، وهو حيوان لطيف لا تسمع له صوت، لكن حين يهاجمه قط يصرخ صرخة شديدة فكنت أتساءل: ما الحكمة في أن هذا لا يحيا إلا إذا مزق هذا وأكله؟
الجواب المبدئي كان هو جواب أظن أن ابن القيم الجوزية ذهب إلى قول يشبهه؛ وهو أن الكون معقد، فإن استطعت أن تفهم فعليك أن تحمد الله، وإن لم تستطع فاعلم أن لك سقفا وحدود، وهي ليست قضية كفر وإيمان.
ففي اعتقادي أن عالم الإنسان فيه ثلاث أسماء، اسميهم (لاعبين) إذا جازت التسمية، الله وهو الروح المطلق، والحيوان وهو طين منحط، والإنسان اتحدت فيه الطبيعتين، لذلك حين يشرح القرآن لك نظرية الخلق يقول أنه سبحانه (خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ) (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) حيوانات عليا بالتزاوج، وليس الانقسام الأميبي، (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) ففيه الطين والروح.
وقد أدرك إبليس هذه الحقيقة فقال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)،( أأسجد لمن خلقت طين)، ولما رأت الملائكة هذا الحيوان الشرس قالت: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قال إني أعلم ما لا تعلمون)، ولكي تفهم الإنسان عليك أن تدرك هذا التداخل في طبيعته بين الروح وهي العدل المطلق، والحيوانية وهي التظالم.
فوجود الحيوان بالنسبة للإنسان يجعله يدرك معنى الظلم والانحطاط مجسدا أمامه، أما الوحي فهو لا يحمل لك شيء،ليس موجود في فطرتك السليمة ولكن يدعمها بجعلها واعية وملتزمة.
فالأوروبي أغفل تلك الثنائية في طبيعته وانتصر للجانب المادي والحيواني فيه على الجانب الروحي، لذلك عندما حاول الاتحاد الأوروبي جعل الديانة المسيحية رافدا من روافد الثقافة الأوروبية رفض الأوروبيون هذا الأمر وطالبوا بثقافة أوروبية وليس مسيحية.
وهو ما انعكس في علوم السياسة وفي تصورهم للعلاقات الدولية، فالقومية ظاهرة أوروبية حديثة غير معروفة في تاريخ العلاقات الدولية أن يقوم النظام الدولي على أساس أن الفرنسي يحكمه فرنسي، والإيطالي يحكمه إيطالي، والتركي يحكمه تركي، والمصري يحكمه مصري، هذه أمور لم تكن معروفة، وإنما كانت إمبراطوريات تحكم شعوب مختلفة.
ما معنى هذا؟ فلكي تفرق بين الفرنسي والعربي تنظر إلى المشترك والمختلف؟ كي تتضح الفروق بين الاثنين ولا يمكن أن يقوم الصراع إلا بين مختلفين، أما إذا اعتبرت الخلاف بينك وبين نفسك فلن تتصارع معها،..
بالإضافة إلى أن القومية هي تكاتف السلالة ضد الآخر، قامت بينهم صراعات مُرة، وحروب عالمية وأهدرت دماء، انظر ماذا فعلوا في أمريكا الشمالية التي دمروا شعبها، وفي أمريكا الجنوبية دمروا شعوب "الإنكا"،وإلى حرب الأفيون في الصين، وإلى ما حدث وما يحدث في إفريقيا من جراء سياساتهم، وإلى ما نراه في العالم الإسلامي، وهي كلها تصرفات حيوانية محضة.
بين القيم الإسلامية ونظيرتها الغربية
- كيف نفرق ونميز إذا بين مبادىء السياسة الإسلامية ونظيرتها الغربية؟
د. عبد الحميد أبو سليمان: إذا أردت أن تتكلم عن السياسة في الإسلام فالقانون الأول هو "العدل أساس الملك"، والغربي بالطبع ينكر عليك ذلك ويقول" البقاء للأقوى"، أما في الجانب الأخلاقي والمجتمعي فلو أخذت التاريخ الإسلامي والمنطلقات الإسلامية مقارنة بالتاريخ الغربي والمنطلقات الغربية، تجد أنها متوازية ومتقابلة دائما؛ لأن المنطلق الإسلامي منطلق روحي، وحوفظ على الإسلام بالمحافظة على القرآن الكريم، أما الغرب ففقد هذا الجانب الروحي، وأصبح مادي حيواني لذلك أقول أن شرعتهم هي قانون الغاب.
ففي الجانب الأخلاقي حدث ولا حرج عن الأوضاع الشاذة التي تتبناها الثقافة الغربية، وتدافع عنها جميعا تحت مسمى الحريات وهي ليست أكثر من حيوانية.
أما الحرية فهي ما يتفق مع الفطرة السليمة، وما يتفق مع ما فيه خير الإنسانية، ومن واجبات حريتك ألا تعتدي على حرية الآخرين،لأن هذا خطأ وضد الفطرة، وحتى ما يدعونه لأنفسهم من حق الإضرار بالذات ففي الإسلام هذه ليست حرية وإنما هي فوضى، و عندما تنتقل الحضارات من الحرية إلى الفوضى تنهار، وهذا ما حدث مع الحضارات اليونانية، والرومانية، والفرعونية والإسلامية نفسها، والغرب الآن بدأ دخول هذه المرحلة.
- كيف وصل الحال بهذا المجتمع الذي أنجز حضارة مادية وتكنولوجية عظيمة الشأن إلى هذا الانهيار في الجانب الأخلاقي من عنصرية وما إلى ذلك؟
د. عبد الحميد أبو سليمان: بدأ الغربي بالتخلص من القيود التي فرضتها عليه الكنيسة إلى أن وصل إلى مرحلة التحرر من القيم والأخلاق، وإذا أردت أن تنظر نفس القضايا في الإسلام، فانظر كيف يعالج الإسلام قضايا الاختلاف بين الأجناس يقول تعالى (شعوبًا ولقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) والاختلاف هنا أفقي وليس رأسي بمعنى أن الاختلاف في اللون واللغة لا يؤدي بالضرورة إلى جعل إنسان أقل في نوعا من إنسان آخر.ولم يجعل في الاختلاف شرعة للتنافر بل قال تعالى:
(لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) حتى الاختلاف ليس مجال العدوان على الآخر إطلاقًا، فحين يأمرك الإسلام بحسن الجوار لا يقرر لك ما إذا كان هذا الجار مسلم أم غير ذلك، ميزان القرآن الكريم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) لماذا ذي القربى؟ وهو يقدم ذوي القربى أولا لأن من لم يحسن لذوي قرابته لن يحسن للآخرين، ولا يعني الإحسان للقريب المحاباة، وتمييزه على غيرة في الحقوق فهذا ليس من العدل.
وعندما فتح المسلمون بلا فارس وإفريقيا ووسط آسيا لم يرتكبوا جرائم عنصرية مشابهة لما يحدث الآن في حق الشعوب الإسلامية، لأن الإسلام قد أعلى من الجوانب الروحية والقيمية في ذواتهم، وما يثيره الغرب الآن من تمييز عنصري هو في الحقيقة تجييش لمشاعر الكراهية ضد الإسلام، المرحلة الآن هي تنفيذ المخطط الغربي الإسرائيلي في العالم الإسلامي، على أساس الفوضى الخلاقة لإعادة رسم الخريطة، وكل ذلك على أساس عرقي وطائفي ولتغطية النزاعات بينهم، ورغبات التحكم،..
والهدف من ذلك ليس انتصارا للدين أو قبول الكنيسة والمسيحية بمفهومها القائم الآن، هذه المفاهيم تستخدم كذرائع ليس أكثر، فلا شك عندي في أن اليهود كانوا وراء الحادي عشر من سبتمبر وأن هدفهم كان تأجيج مشاعر الكراهية ضد المسلمين، فحتى 11سبتمبر لم تكن أمريكا تدفع أي ثمن لسياساتها في العالم الإسلامي، بعد 11 سبتمبر أمريكا بدأت تدفع الثمن، وهذا الذي جعل كارتر نفسه يقول كل ما جري هذا لمصلحة إسرائيل وليس لمصلحة أمريكا.
بين المقدس وحرية التعبير
- ما هي حقيقة العلاقة بين ما نطلق عليه الحرية في المفهوم الغربي وبين المقدس؟ لأن القضية باتت تطرح بشكل كبير وهناك كثير من الشد والجذب حول هذه الإشكالية.
د. عبد الحميد أبو سليمان: حقيقة الفكر الغربي أنه عندما تخلى عن الدين ولم تعد لديه ثقة في الأديان، وحلت الحيوانية محل المنظومة الأخلاقية تجلى ذلك في ثلاثة مظاهر عندما ندرسها نجدها بالفعل كلها تتركز حول الفرد، في الاقتصاد رأسمالية، في السياسة والتنظيم الجماعي ديمقراطية، وفي الأخلاقيات وفي العلاقات الاجتماعية ليبرالية، وليس مصادفة أن نجد فرنسا أكثر من يعارض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، مع أن تركيا تطبق بالفعل النموذج الغربي تماما، لأن فرنسا على اتصال وثيق بشمال إفريقيا والإسلام، وهي مرحلة يراد فيها استخدام ربما أوروبا في مواجهة أمريكا، لو أن أمريكا تغيرت سياستها الموالية لليهود..
فهو يخشى الوقت الذي تحل فيه محل الليبرالية أخلاق إسلامية، ويخشى أن يتعرف الغربي على الإسلام بما فيه من قيم ومبادئ وأهداف، لأن هذا سيربك له منظومته، فالعلمانية الغربية ذات محتوى ليبرالي وليس ديني، فالجانب السلوكي الأخلاقي بالنسبة للمسيحية يتبنى مفاهيم مثل المثلية، حتى أن بعض الاتجاهات عندهم تزعم أن بعض القديسين كانوا لوطيين، وهذه المقولة موجودة في الدين المسيحي بل واليهودي أيضًا.
لكننا مع الأسف لأسباب تاريخية وبغرض تمكين الاستبداد والفساد في الأمة استخدمنا الخطاب العكسي، تأكيد الخطاب الكنسي والمسيحي على فكرة الله محبة، وأن يدعونا لأن نحب بعضنا، فالعلاقة علاقة تأكيد للروح الإيجابية تجاه البعض، تجاه حتى المقدس وإن لم يعني الاعتقاد فيه.
أما المسلمون فعلى الرغم من أن الأسماء الحسنى نوعان، فهناك أسماء الجمال كأن تقول عن الله تعالى حميد، وكريم، وغفور، ورحيم.. في مقابل أسماء الجلال كالقهار، الجبار، المنتقم، وهناك آيات مغفرة ورحمة في مقابل آيات العذاب، فإن خطابنا الديني أصبح في أغلبه خطاب تهديد ووعيد، على الرغم من الوصف القرآني: (الذين آمنوا أشد حبًا لله) فما عاد المسلمون الآن يحبون الله، لأن الخطاب الديني أقام العلاقة على أساس من الخوف والرهبة وليس الحب، فهذا خطاب خاطئ ومدمر ويجب إعادة النظر فيه.
أذكر في أحد في المساجد، أن الإمام بعد الصلاة دعا الله أن يدمر اليهود والنصارى، حينها أخبرته أن كثير من النصارى عرب لا يرضيهم ما يجري، وطالبته بأن يخص دعوته بالمعتدين فتشمل المعتدين حتى لو مسلمين، وقد ظهر الرجل معتدلا حين أخبرته أنه يحل للمسلم أن يتزوج من مسيحية أو يهودية وأنه ليس عليه بالضرورة أن يكره زوجه التي أحلها الله له.
فالإسلام أمرنا بالجدال بالحسنى والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهكذا فتحت أغلب البلدان الإسلامية، ولكن عندما وقفنا من الهندوس موقف متعالي ووصفناهم بالنجاسة وغيرها كانت النتيجة قطيعة معهم، وكانت النتيجة أن بقينا في الهند مئات السنين ولم يسلم سوى الأطراف التي وصلها المد الإسلامي الأول.
فالذين تولتهم الدولة بمنطوقها وبأساليب القهر والإذلال.. لا زالوا لا يقبلوننا، وهذا يسحبنا إلى قضية أخرى هي قضية المفاهيم، وإساءة فهم المصطلحات، ومن ضمنها العبودية، سأعطي لك مصطلح آخر يوازيه وتستنكره بوضوح وهو الذل.. الذل تشتق من المذلة أو تشتق من التذليل، فعندما يقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) هل هذا بمعنى المذلة والمهانة؟، أم بمعنى التذليل وأنك تكون مريح لهما، بالتأكيد بمعنى التذليل، الوالدين أنفسهم لا يرضون مذلة ولا مهانة لأبنائهم.
فلو فسرتها على أنها مذلة ومهانة فأنت تخطئ المعنى، نفس الشيء في العبودية، العبودية من الاستعباد أو التعبيد، والتعبيد هو التذليل أيضًا مرة ثانية، وأن يكون الشيء معبد، وليس مصادفة أن القرآن الكريم في كل جمع استخدمه لكلمة عبد استخدم عباد ولم يستخدم عبيد (وعباد الرحمن) (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا ...) استخدم عبيد في ثلاث مواقع: حين يكفرون بالله ويؤمنون بما سواه، فاستعبدوا أنفسهم وظلموا أنفسهم، فالاستعباد يلصق بالإنسان حين يصير على عكس إرادة الله.
أما عندما أتكلم عن العبودية بمعنى التعبيد والأخذ بالشيء الصحيح، هذا مسار اعتزاز، بإرادتي الحرة تقبلت ما هو حق وعدل، فهذا مسار اعتزاز، وليس مسار إحساس بمهانة أو مذلة، ولذلك قال: (وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) فمن هنا مطلوب إعادة النظر في هذه التعريفات، حرفت بطريقة تخدم مصالح الأمويين، ومن الضروري أن نذهب إلى المصدر الأساسي للخطأ، لا نتوقف عند مظاهره ومضاعفاته، فعلينا إذا أردنا أن نقيم إصلاح حقيقي، أن نعيد النظر في تاريخنا كله، ونحاول أن نصل إلى مصادر الانحراف.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته على وعي تام بقضية مراعاة الزمان والمكان، فعندما كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوزع أرض "السوات" وهي أراضي زراعية هائلة، أدركوا أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يوزع لقمة عيش، فعندما رأى النبي أن البعض تحولوا إلى إقطاعيين يستولوا على ما خلق الله ويشغلوا خلق الله فيها، قال: ماذا عن من لم يأتي؟، ماذا عن من لم يأتي؟ ماذا عن حاجات الأمة؟.
فحولها إلى أرض خراج تؤجر ويدخل الإيجار بيت مال المسلمين ليعود على كل المسلمين، انظر إلى هذا الانقلاب الهائل، هؤلاء كانوا جيش الرسول ـ صلى الله عليه وسلم – وهذا يفسر لنا كيف استطاع هذا الجيش أن يصل في أمد قصير إلى كل أرجاء المعمورة المعروفة.
ولكن بعد أن كان المسلمون متحدون لمواجهة الفرس، فغنهم تحاربوا أثناء الفتنة الكبرى بين جيشي على ومعاوية، فكان هؤلاء ينطبق عليهم الوصف (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) فلا تزال هناك حاجة لعملية تغيير، لم تحدث بالقدر الكافي بسبب الظروف التي حدثت، فكان لا بد أن ينتصر معاوية على سيدنا علي؛ لأن معاوية كان يمثل القبيلة، والصراع قام بين اسمين مدرسة المدينة، وهو المسلم المجاهد، وبين القبلي العربي، فكانت فترة بعثه ( صلى الله عليه وسلم) كلها صراع بين المدرستين.
حتى القرآن الكريم في مفاهيمه، وقيمه، ومبادئه يراعي قاعدتي الزمان والمكان، وبعدما عزلت مدرسة المدينة، وتحويلهم إلى مدرسيين، نجد أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ يأبى أن يتولى القضاء لبني العباس، لماذا؟ لأنه يدرك أنهم يحاولون أن يجعلوا منه أداه في أيديهم حين يريدون أن يضفوا الشرعية على أحد تصرفاتهم فأبى ومات في السجن.
كذلك أفتى الإمام مالك فتوى طلاق المكره والتي تقرر بأن من يكره على الطلاق فإن طلاقه لا يقع، وكان لهذا دلالته السياسية، عندما يقسمون في البيعة بطلاق نسائهم، فقد أحلتهم فتواه من هذا القسم، فضرب حتى شُلت يداه، والإمام الشافعي جيء به مكبلاً لأفكاره في الحياة العامة إلى بغداد وهرب منها إلى مصر، ومأساة ابن حنبل لا تخفى على أحد.
وهناك ظاهرة أخرى هي الالتحام بالسنة والبُعد عن القرآن الكريم لماذا؟، لأن السنة بمثابة التطبيقات، فيعطي الفقيه النموذج بصرف النظر عن الزمان والمكان؛ ويضعه بين أمرين السجن في الدنيا وجهنم في الآخرة فتحولت الأمة إلى أمة عبيد.
نلحظ مثلاً.. أبو حنيفة الذي له آلاف الفتاوى، وتسمى مدرسته بمدرسة "أهل الرأي" لأنه كان يعمل العقل في النص ولكنه أدرك أهمية مراعاة الزمان والمكان، لذلك اعتمد مبدأ الاستحسان، فما هو الاستحسان؟ الأصول الأربعة الأساسية للأحكام الشرعية: (القرآن الكريم، والسنة، والإجماع، والقياس)، فالثلاثة الأول هي مصادر استنباط الأحكام،أما القياس فهو أداة، ومعنى القياس إذا اتحدت العلة اتحد الحكم، ولكن هذا يصح إذا كانت الصورة الكلية لم تتغير، لكن عندما تتغير الصورة الكلية فلا يأتي القياس ضرورة بنتيجة مناسبة.
فعندما أدرك أبو حنيفة إشكالية أن القياس يمكن أن يأتي بشئ مخالف لروح الشريعة، فأتى بالاستحسان كحل مؤقت، على الفقيه أن يختار ما يتفق مع روح الشريعة، إلى أن يتضح الخطأ في هذا القياس، وعندما أدركوا عدم إمكان القياس بشكل معقول أصلاً، أتوا بقضية المقاصد، بمعنى أخذ الجزء في ضوء الكل، لكن للأسف في وقت متأخر مع هذا الثقافة الدينية، فحتى هذا لم يستطع أن يعطينا التغيير المطلوب.
و مع تقدم الزمن والبعد عن مسرح الحياة العامة، والانفصام بين ما نسميه الفكري والسياسي، أدى إلى تشكل ما يسمى بمجتمع العبيد.
المسلم ووضعية العبيد
- في رأيك كيف يمكن التخلص إذا من وضعية أمة العبيد؟
د. عبد الحميد أبو سليمان: في الوقت الذي تكونت فيه في كل الحضارات، وعلى رأسها شعوب العالم الإسلامي نقابتين: نقابة الفراعنة والأكاسرة، ونقابة الكهنة، والكهنة هنا من يرتدون ثوب الدين، ونسميهم الإعلاميين والمثقفين، لماذا؟ من أجل احتكار السلطة والثروة، ووأد أي نوع من العطاء والإبداع والفكر، وطبعًا هذا يؤدي إلى انهيار الحضارة، وهذا ما حدث مع الحضارة الإسلامية فانهارت.
وما أشبهنا اليوم بقوم موسى عليه السلام سيدنا موسى يخاطب فرعون يقول له أيه: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، فحين أراد الله أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض أشار إلى موسى عليه السلام بأمرين، الأول أخذهم إلى سيناء ومنحهم الأرض وأمرهم أن يبنوا ملكهم، فما كان منهم إلا أن أجابوه إجابة العبيد متعللين بالـ" الخوف"، فقالوا (إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ).
ونحن كذلك نشبههم في السلبية المطلقة فتجدنا نتعلل بالشكوى للأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الشرعية الدولية كأننا نعيد قولتهم؟ (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، فما العمل مع تلك النفسية؟ إصلاح عقيدي و فكري، وإصلاح تربوي، العقيدة الفكرية تجدها في الكتب المقدسة" أتيناه الألواح فيها من كل شيء"، وهو نفس ما قيل عن القرآن الكريم (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) مع حاشية في غاية الأهمية، (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) بأفضل فهم، بفهم متكامل وليس انتقائي، لذلك يحذر القرآن من أن نأخذ ببعض الكتاب ونكفر ببعض.
من الجائز أن أعرف الشئ الصحيح ولا أقوم به، تربيتي ووجداني ليس متسايرا مع عقلي، ولذلك الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، بمعنى أن كلاهما يتغير توجههم إلى ما هو أفضل، من كفر أو من وثنية إلى الإسلام، فماذا فعل الله سبحانه وتعالى مع بني إسرائيل؟ أربعين سنة يتيهون في الأرض، أخذهم على الصحراء أحرار، لا اضطهاد ولا قهر، ولا إملاء، قناعة وتقبل، بعدها غلب داود جالوت (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً).
وإذا أتينا لقضية التغيير فأنا أعتقد أن الأنظمة القائمة هي ثمرة نوعية الإنسان الذي يحيا في ظلها، والحل لم يعد في حدوث الانقلابات فقد رأينا العديد من الانقلابات وكلما جاءت أمة لعنت أختها، ونكتشف في النهاية أننا كما يقولون خرجنا من حفرة لنقع في أخرى.
فمنذ أن كتب الكواكبي كتابه الشهير "طبائع الاستبداد" والحالة تسير من سئ إلى أسوأ .لماذا؟ لأن هناك إرباك في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية على كافة الأصعدة، فمن الصعب أن تبني طموحك على عملية تغيير الأنظمة لا تغيير الإنسان نفسه الذي يعيش في ظل الأنظمة، فالمسألة ليست مسألة موارد طبيعية أو غيرها فاليابان لا تقارن بتعداد العرب والمسلمين، وأراضيها ثمانين بالمائة منها جبلية ورغم ذلك فناتجها القومي يفوق البلدان العربية أحد عشر مرة.
هنا يبين لك أن المحك هو الإنسان نفسه وإرادته في التقدم، فاليابان قبلت التحدي مع الغرب بعد المسلمون بستين عاما، فالعثمانيون بدأوا مشروع النهضة قبلهم وأنظر الفارق بين حالنا وحالهم.
اليابان أصبحت تفوق الغرب نفسه في إمكاناتها، طبعًا هذا لا يعني أننا نستطيع أن نكون مثلها، لسبب بسيط اليابان مثلاً في القومية، هم ماديون مثل الغرب لهم نفس المنظور الكوني، أشد عنصرية من الغرب، فهم بالتالي رؤيتهم الكونية نفس الرؤية، فانطلقوا بكل قوة، نحن رؤيتنا ليست الرؤية المادية، في نفس الوقت رؤية مشوهة، فليس لدينا ما يحركنا من الداخل، فنحن ننظر إلى إنتاجهم وننبهر به ورضينا أن نكون أمة مستهلكة، وعاجزة لا تفعل شيء.
وليست مشكلتنا الآن في أن نقلهم فنحن قلدناهم في كل شئ ولم ننجح، ولدينا نموذجين لدعوات التجديد أحدهما يحفظ النصوص القديمة للفقهاء ويدعو للعيش في الماضي، والأخر يدعو للتغريب انبهارا بالغرب ، وهو بين هذا وذاك إنسان عاطل لا يقدم شيئا.
فلا بد للتغيير من استعادة رؤيتنا الكونية، وليكن سؤالنا بسيطا كيف نستطيع أن نوفر احتياجاتنا الأساسية وهي الأكل، والشرب، والإنجاب، ثم كيف نفعل ذلك بطريقة لا تتعارض مع قيمنا الإسلامية، لذلك تقول الآية الكريمة ( قل للذين آمنوا وعملوا الصالحات من ذكرى وأنثى لنحيينهم حياة طيبة ولنجزينهم بأحسن ما كانوا يعملون).
- هل تعتقد أن الحل يكمن فيما يلوح به البعض من القطيعة مع الموروث الثقافي والديني؟
د. عبد الحميد أبو سليمان: لا ليس الحل في أن نتنكر لموروثنا الثقافي وإنما أن نميز فيه بين الغث والسمين، فليس صحيحًا أن السنة تنسخ القرآن أو تضيف إلى القرآن، أو تعبث بأي شيء فيه، فهذا كتاب محفوظ ومتكامل ولكل زمان ومكان، (ما فرطنا في الكتاب من شيء)، (أحكمت آياته)، (تبيانًا لكل شيء)؛ وإنما هي شارحة لمبهمه ومفصلة لمجمله، فلم يأتي في القرآن الكريم تفصيلا لركني القرآن الصلاة والزكاة فأمرنا الله أن نأخذهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في آيتين الأولى: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، والآية الثانية: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) فالصلاة والزكاة تأخذهما من تصرفات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصلاة والزكاة هي سنن متواترة، جمع عن جمع لا يقبل الكذب.
فما هي إذن قضية الحكمة؟ فلو قيل لنا أن القرآن نزل كتابًا بكل هذه القيم والمفاهيم السامية إلى آخره، كان سيقال عليه "مدينة فاضلة" ولكن عندما طبق في واقع الإنسان أقام الحجة أن هذا ليس مثاليًا، ولذلك من بعد العهد النبوي ستكون مقاربة مع النموذج النبوي في تحقيق أهدافه في الزمان والمكان، فهي الحكمة "التنزيل" وعلينا أن نأخذ باستمرار من تاريخنا حكمة التنزيل على الزمان والمكان، وأما عدم مراعاة الزمان والمكان فهو بمثابة هدم للقرآن الكريم نفسه.