الفقيه والعالم الموسوعي د. وهبة الزحيلي في حوار خاص
حوار: صابر رمضان/الوعي الاسلامي
أكد الأستاذ الدكتور وهبة الزحيلي، الفقيه المعروف والعالم الموسوعي _opt.jpeg صاحب موسوعة «الفقه الإسلامي» وموسوعة «التفسير المنير» ورئيس قسم الفقه ومذاهبه في جامعة دمشق وعضو مجلس الإفتاء الأعلى بسورية، أن المسلمين يملكون آليات كثيرة للذب عن الإسلام ومواجهة الحملات الغوغائية التي يتعرض لها الإسلام ورموزه، وذلك إما على المستوى الرسمي أو التمثيل الدبلوماسي والشعبي وعن طريق المنظمات الدولية شريطة أن تتعاون فيما بينها للوقوف بكل حزم لهذه الهجمات.
وحذر الزحيلي من الإقدام على تحقيق الكتب التراثية إلا لمن امتلك أدوات البحث والتحقيق، لأن هذا تراث يجب المحافظة عليه، وأكد أن المهاجمين للسنة النبوية ما هم إلا أصحاب نحلة فاسدة.. «الوعي الإسلامي» التقت بالشيخ.. وإليكم نص الحوار
< الأمة الإسلامية تمر اليوم بمنعطف خطير يوشك أن يقوض أركانها.. فما أسباب ذلك وما التداعيات التي تنجم عنها في رأيكم؟
- التناقض واضح في حال هذه الأمة، وذلك أن هيأ لها الله كل أسباب التقدم والرخاء ومنحها مكامن القوة لتكون كما قال عز وجل {خير أمة أخرجت للناس} (آل عمران: 110) إلا أن الواضح للعيان أن المسلمين الآن يأبون إلا أن يتذيلوا الأمم بفعل أيديهم أولًا ثم بفعل الدسائس التي تحاك ضدهم والشراك التي تنصب لهم ليقعوا فيها بمحض إرادتهم أيضًا، ولعل أخطر ما يفت في عضد هذه الأمة هو حالة التشرذم والخلاف التي دبت في صفوف الأمة بصورة لم تكن معهودة من قبل في ظل تاريخ الإسلام، ولعل ذلك يعود لابتعاد المسلمين عن ساحة الإسلام الرحبة وشريعته الغراء، وحصر أنفسهم في قضايا هامشية ضيقة، وقصر الشريعة الإسلامية من وجهة نظر البعض، على طقوس العبادات والتواكل دون أن يكون لهم عمل مثمر يساهم في صنع مستقبل الأمة وبناء حضارتها والارتقاء بإنتاجها.
< إذن ما السبيل للخروج من هذا المنعطف الخطير؟
- لن ينصلح حال هذه الأمة إلا بالعودة إلى طريق الشريعة التي أرادها الله لنا، وبتوحيد الجهود والاعتصام بحبل الله المتين والامتثال لدعوته تعالى لنا، بالبحث والتقصي والتعلم، فأي أمة لا تأخذ بناصية العلم ولا تسير على طريقته فسوف يضل سعيها وتفقد الطريق، فالقرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة يحضان على العلم في مواضع كثيرة ومتكررة بشكل يثير الإعجاب لما للعلم من فضل في بناء الأمم.
< الإسلام يتفوق على الجميع في الدعوة إلى الحوار والتعددية الدينية في المجتمع، فكيف كان ذلك؟
- الشريعة الإسلامية تعتمد على قاعدة أساسية للتعامل مع أتباع الأديان الأخرى تنص على أن لهم ما للمسلمين من حقوق وعليهم ما على المسلمين من واجبات، والإسلام يعتبر التعددية في المجتمع مصدر ثراء للتجربة البشرية، فتفاعل الثقافات والأديان يمكن أن يؤدي إلى الإسهام في خلق ثقافات مثمرة ونظم اجتماعية عادلة، فإذا كنا نتحدث عن عالم واحد للجميع فإنه لا يجوز أن يفهم من ذلك أنه يعني تذويب الحضارات في حضارة واحدة وإلغاء الخصوصيات الحضارية، فالتمايز الحضاري والديني من السمات الإيجابية التي ستظل قائمة على الرغم من الاتفاق في الأهداف، وإذا كانت العولمة التي بدأت تتغلغل في كل أنحاء العالم بأبعادها الاقتصادية والسياسية والثقافية وهي تعتقد أنها تستطيع أن تفرض حضارتها وقيمها وثقافتها وأسلوب حياتها في كل مكان في العالم، دون اعتبار لخصوصيات الحضارات الأخرى فإنها بذلك تخطئ الطريق وتتجاهل الحقائق وتسير في اتجاه مضاد لطبيعة الأشياء ولا تسهم بالتالي في بناء عالم واحد للجميع، فواجب أتباع الأديان أن يتجهوا للحوار فيما بينهم وتجنب الجدل العقيم حول العقائد وتأكيد نقاط الخلاف، وعليهم الحرص على إبراز القواسم المشتركة فيما بينهم ونشر ثقافة التسامح بين أتباع الديانات وتهيئة الفرصة المناسبة لإحياء الأمل والتفاؤل لدى الجميع في إمكان تحقيق عالم واحد ينعم فيه الجميع بالسلام.
< الساحة العلمية شهدت في العقود الثلاثة الأخيرة نهضة كبيرة في تحقيق التراث الإسلامي إلا أن هذه النهضة شابتها بعض الشوائب.. فما تقويمكم لهذه النهضة؟
- ينبغي ألا يقدم على تحقيق الكتب التراثية إلا من امتلك أدوات البحث والتحقيق وليتق الله قبل كل شيء، ثم بعد ذلك يمارس الدور الذى يعلمه، أما أن يقدم على هذا العمل إنسان ليس عنده تصور عن هذا العمل ولا أهلية له فعليه أن يتقي الله ربه.. لأن هذا تراث تجب المحافظة عليه، فكثير من الناس المبتدئين يظنون بأنفسهم أنهم يصلحون لهذا العمل، لكنهم ما يلبثون أن ينقطعوا، ويكون إنتاجهم العلمي غير موفق، وهذا يستدعي أن يبدأ طالب العلم مع أستاذ مارس هذا العلم حتى يعطيه خصائصه وما يحتاج له من علم وخبرة، لأن المرء يحتاج إلى فترة طويلة من الزمن حتى يستطيع أن يخوض غمار هذا العلم.
< العالم الإسلامي هو الأكثر تعرضًا لأطماع الآخرين وتدخلهم في شؤونه الداخلية.. فكيف يمكن التصدي لهذه الأطماع؟
- أهم ما في الأمر هو أن نتتبع مشكلاتنا الداخلية ونعمل على حلها بشكل عادل وحاسم في إطار من الحوار المباشر بين الإخوة والأشقاء العرب والمسلمين حتى لا يفتح الباب أمام تدويل مشاكلنا أو نمنح الآخرين الذريعة للتدخل في أدق شؤوننا الداخلية بحجة انتهاك حقوق الإنسان أو غير ذلك من الافتراءات، والاتهامات الزائفة، وفي هذا الصدد أرى من الضروري تفعيل مبدأ الشورى، ففي نطاقها سوف نجد الحلول الناجحة لكل مشاكلنا، ومن الضروري عدم التقاعس فإننا لو عجزنا عن إيجاد الحلول المناسبة لمشاكلنا الداخلية فسوف نتيح الفرصة لتدخل الشيطان بيننا وساعتها ستتمزق الأمة وستتفرق فرقًا وشيعًا.
< بين الحين والآخر تظهر آراء تدعو المتخصصين والباحثين في الشريعة الإسلامية لمواكبة فقه الواقع ومراعاة احتياجات المسلمين.. فما تعليق فضيلتكم؟
- نعلم أن الإسلام مصدر تشريعه القرآن الكريم وسنة النبي ص وأن هذه الشريعة جاءت عامة وصالحة لكل زمان ومكان وأن نصوص هذه الشريعة محصورة بين دفتي القرآن والسنة النبوية الصحيحة، وهذه النصوص التشريعية منها ما جاء بصورة مفصلة ومبينة ومحدودة، مثلت حدودًا لبيان الحقوق والواجبات الإنسانية لا يجوز الخروج عليها وذلك لقوله تعالى: {تلك حدود الله فلا تعتدوها}(البقرة: 229) وسواء كان ذلك يتعلق بالجنايات التي تتعلق بحياة الإنسان أو المعاملات وما يتعلق بالأمور المادية والمدنية وما يتعلق بالحفاظ على الكليات أوالضروريات الخمس «الدين والنفس والعقل والنسل والمال» فكل ما يحفظ هذه الكيانات ويبقيها ويحقق خلافة الإنسان على هذه الأرض إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها كل ذلك يسمى حدودًا شرعية لا يجوز الخروج عليها أو مخالفتها بأي حال من الأحوال في أي زمان وفي أي مكان طبقًا للضوابط والقواعد الشرعية التي بينها الفقهاء والعلماء المجتهدون أصحاب الاختصاص الشرعي والتشريعي في تفسير نصوص الشريعة الإسلامية وأحكامها، ونظرًا لأن أفعال العباد لا تتناهى والحوادث تتجدد من وقت إلى وقت ومن زمن إلى زمن قد لا نجد له نصًا بطريق مباشر ينطبق عليه وخاصة في مجال العادات والمعاملات والقضايا الإنسانية المستحدثة التي تجد من وقت إلى آخر وتحتاج إلى حكم شرعي لمعرفة مدى مشروعيته من عدمه احتاج الأمر إلى فقه هذا النص أي أن هذا الفقه التشريعي من خلاله يمكن معرفة حكم الله سبحانه وتعالى في الأمور المستحدثة التي لا نجد لها نصًا ينطبق عليها مباشرة من القرآن أو السنة وذلك لدوام التزام البشر بأحكام الشريعة الإسلامية، ويدل علي ذلك قول النبي ص: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» (متفق عليه).
أي أمة لا تأخذ بناصية العلم ولا تسير على طريقته فسوف يضل سعيها وتفقد الطريق.
التعددية في الإسلام مصدر ثراء البشرية
- التفاصيل