الإسلام اليوم/ أيمن بريك
أكّد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ "المشرف العام على مؤسسة الإسلام اليوم" ـ أن الهدوء قيمة جميلة يجب أن نسعى إليها، مشيرًا إلى ضرورة الالتزام بالهدوء حتى في حالات الصراع، موضحًا أن الهدوء هو علامة قوة وليس ضعفًا كما يعتقد البعض.
وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس الجمعة من برنامج "الحياة كلمة"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "هدوء" ـ: إن ترويض الإنسان لنفسه على الهدوء يمكن أن يكون من خلال عدة أمور، منها :
1 ـ التجربة: فالهدوء تجربة، ولذلك فإن الناس الذين ربما حصلوا على قدر من الهدوء لم يحصلوا عليه دفعة واحدة ولا مفاجأة، وإنما حصلوا عليه من خلال تراكم وتجربة طويلة، وهذه التجربة فيها العديد من الإخفاقات، ولكن ما يجعل هؤلاء الناس يختلفون عن الآخرين هو أنهم لم يستسلموا لهذا الإخفاق، لأن الإنسان دائماً ما يتذكر موقفاً ربما أخطأ فيه.
وضرب فضيلته مثالاً لذلك، قائلاً: إنني عندما أرتكب خطأً في حق أحد أو أستجيب للاستفزاز، فإنني عندما آوي إلى فراشي قبل النوم أستعيد هذا الموقف مرة ومرتين وعشر مرات، وأشعر بتأنيب الضمير وبندم شديد، وأنه ما كان يليق بمقامي أو بخلقي أو بتجربتي أن أقوم بهذا العمل أو أستجيب أو أُستفز له.
كتابة.. واسترخاء
2 ـ الكتابة: وذلك مثل أن يعوّد الإنسان نفسه على أن يكتب، وعلى سبيل المثال، فقد يكتب الإنسان عشر أو عشرين أو ثلاثين مرة وبخط جميل "الحلم سيد الأخلاق"، وكأنه ما بين عقاب أو مكافأة للنفس، كما أنه يجب على الإنسان أن يعلم أنه إذا سيطر عليه هذا الموقف الذي فشل أو أخفق فيه فإن ذلك ربما يفضي به إلى اليأس وعدم تكرار التجربة، ولذا فإنه يجب عليه أن يدرك أن هذا الفشل أو الإخفاق هو أمر عابر، وأنه نجح في مواقف أخرى، فلا تكن قاسياً أو مبالغاً مع نفسك.
استرخاء.. وتوتر
3 ـ الاسترخاء: وهو ليس أمرًا معقدًا ولا يتطلب مدربين أجانب أو عربًا ولا دورات يقوم الإنسان بحضورها وربما حتى قراءة كتب أو غيرها، وإن كان لا بأس أن يتعلم الإنسان، لكن لابد أن يكون عند الإنسان قدرة على المراقبة الذاتية، وتركيز التفكير على النفس، وأنه بدلاً من أن تفكر بالأزيز عندما تخلد إلى النوم، فإن عليك أن تستمع إلى دقات قلبك وهو يضخ الدم، وتخيل أنك تشاهد الدم يذهب في العروق، وتخلل الجسم والمسالك، يقول تعالى : (وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ) (الذاريات:21).
ولفت فضيلته الانتباه إلى أن ذلك يساعد الإنسان على أن يتخلص كثيراً من المشاعر المتوترة أو المشاعر القلقة، فالاسترخاء أمر أساسي ومهم في تحقيق الهدوء النفسي والروحاني.
فراغ.. وصمت
4 ـ القرب من الطبيعة: فالهدوء قد يتحقق من خلال قرب الإنسان من الطبيعة، والتي هي عبارة عن معبد يسبح الله تعالى، وكما يقول الشاعر :
وحين يساق السحاب الجوّاد ليبعث في الأرض ميت النشور
أفرّ إلى ساحة الساجدين أشارك في مهرجان كبير
أبيع وربي مني اشترى أبيع الحياة ولا أستشير
فهذه الطيور وهذه الأشجار وهذه المياه وهذا الهواء من حولنا وهذه الجبال وهذه الرمال كلها في مهرجان واحد تسبح الله -سبحانه وتعالى-.
وتابع فضيلته أن كون الإنسان قريباً من الطبيعة فإنه يستمع إلى الأصوات الجميلة ؛ من خرير المياه، وأصوات العصافير، وحفيف الأشجار، وأحياناً يستمع إلى الصمت، مذكرًا بطرفة، تقول : إن شخصًا كان عنده هدوء فوضع شريطًا فارغًا يستمع إليه، وكان الآخر أكثر هدوءاً منه، فأخذ هذا الشريط حتى يقوم بتسجيله!
استدعاء الخيال
وتعقيبًا على مداخلة تقول : إن استدعاء الخيال يعد من أكثر مقومات ترويض الهدوء في الذات، قال الشيخ سلمان: هذا صحيح، فالخيال من أكثر مقومات ترويض الهدوء، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو : كيف نفعّل الخيال ؟ فنحن أحيانًا لا ندري أن عندنا خيالاً، كما أن بعض الناس لا يدرى أن هناك شيئًا اسمه خيال أو أن لديه مخيالاً يمكن أن يوظفه!، مشيرًا إلى أن الخيال قد لا يكون متصلاً بشيء غير موجود، فمن الخيال أن تستدعي أسماء أشخاص أو صور أشخاص محببين إلى قلبك وتستحضرهم في نفسك وتتذكر معنى التعرف عليهم أو الصلة الجميلة.
وأضاف فضيلته أنه من الخيال أيضًا أن تتذكر موقفًا جميلاً وحميميًّا ومحببًا إلى نفسك وتستحضره بشكل جيد، أو أن تستذكر أطفالك، أو زوجتك، أو أن تستذكر والديك وحبهما وحنينهما وشوقهما إليك، أو أن تستذكر مواقف نجحت أو تفوقت فيها، وذلك لأنه ليس مطلوباً أن يكون الإنسان دائماً في مقام التوبيخ للنفس، ولذلك فإن الخيال كما يقول أنشتاين : أهم من المعرفة، ولذلك فإننا أحيانًا نحتاج إلى أن نفعّل الخيال، وأن ندري أن هناك شيئاً اسمه الخيال، وأنه موجود عندنا بنسب تزيد أو تقصر، وأن هذا الخيال مهم جداً حتى في ضبط تصرفاتنا.
الحب يورث الهدوء
وردًّا على سؤال يقول : هل نحن بحاجة إلى الحب لكي نكون أكثر هدوءاً ؟، قال الشيخ سلمان: إن الحب يورّث الهدوء، فالحب نعمة من الله -سبحانه وتعالى-، مشيرًا إلى أن من أفضل المشاعر وأصدقها وأحلاها وأجملها سمو الروح وتألق العاطفة، لافتًا إلى أن الحب ليس إحساسًا تقدّمه لشخص فحسب، ولكنه عبارة عن ينبوع بقدر ما تقوم بإيجاد المجاري له يزيد منسوبه.
وأضاف فضيلته : ولذلك فإنه بقدر ما يكثر من تحبهم وتبادلهم الحب ولو كان هذا الحب كلمة، أو رسالة عابرة، أو ابتسامة، أو نظرة معبرة، فإن هذا الحب نفسه سوف يزيد مع الاستخدام، تماماً مثل المال، كما يقول الله -سبحانه وتعالى- : «أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ».
مصداقية.. وسعادة
وأوضح الدكتور العودة أنه بقدر ما نعطي الآخرين من الحب، فإن منسوب الحب سيزيد في داخلنا، ونكون محتاجين أيضاً إلى أن يحبنا الآخرون، مشيرًا إلى أن ذلك يكون من خلال الكلمة الجميلة والمشاعر الإيجابية، فأحد الرؤساء أو الحكماء كان يقول : إن فنجاناً من العسل يصيد من الذباب أكثر مما يصيد برميل من الأشياء المرة، مع الفارق في التشبيه، فحن نتحدث عن الناس والبشر الراقين.
وتابع فضيلته : ولذلك يظل العسل أو الكلمات السحرية المصداقية في القلب وطيب النفس من أقوى المعابر التي تجعلك تقدّم الحب للآخرين، وبالتالي تجعلهم يحصلون على السعادة وتحصل على الحب منهم، لأنك في هذه الحالة سوف تفتح جسراً لنفسك لتحصيل السعادة وتمنح الآخرين السعادة أيضاً.
طاقة.. وعمل
وفيما يتعلق بأن هناك من يرى أنه كلما كان الإنسان أكثر تصالحاً مع عمله كلما كان أكثر هدوءاً داخلياً، قال الشيخ سلمان: إن العمل من أسباب الهدوء، وذلك لأن العمل يأخذ طاقة الإنسان، فالإنسان طاقة، وعلى سبيل المثال، فإننا نرى أن الطفل الصغير يركض ويضرب في الجدار ويرمي اللعبة هنا وهناك ويتحرك ويصرخ، وذلك لأن لديه طاقة داخلية.
وأضاف فضيلته أن لكل إنسان طاقة خُلق بها، والتي لابد أن يكون لها ثمة تصريف، ولذلك فإننا لا يجب أن ننظر إلى العمل فقط على أنه وسيلة لكسب الرزق، ولكنه وسيلة لتحقيق الذات وتصريف الطاقة بشكل صحيح.
القراءة.. وسياحة العقول
وتعقيبًا على مداخلة تقول : إن القراءة هي منهل ضخم لأرفع منسوبي الثقافة أو الاطلاع والمعرفة، لكنها في نفس الوقت هي عنصر للسكينة والهدوء في الذات، قال الشيخ سلمان: إن القراءة هي عبارة عن سياحة في عقول الناس وأفكارهم، فالقراءة ترقٍّ بذوق الإنسان وبعقله، ولذلك دائماً أزعم أن الشخص الذي يحمل الكتاب متميز عن الشخص الذي لا يحمل الكتاب، كما أنك تستطيع من خلال لقاء عابر مع شخص أن تدري إن كان هذا الشخص قارئاً أو غير قارئ، فالقراءة تحدث انطباعاً عند الإنسان في سلوكه وتصرفه مع الآخرين، بل وفي نظرات عينيه.
وأضاف فضيلته: كما أن القراءة تمنح الإنسان العديد من المعارف والأفكار والتفكير في داخل الذات والنفس، والتفكير في ملكوت السماوات والأرض، والاستفادة من تجارب الآخرين وخبراتهم في الحياة، فعندما تمسك بالكتاب وتضعه فإن هذا هدوء، فلا يستطيع الإنسان أن يمسك الكتاب ليقرأ ويُنقّل عينه من سطر إلى سطر إلا حينما يكون محتفظاً بقدر من الهدوء، ولذلك فإن الإنسان عندما يكون في حالة من الانزعاج والغضب فإنه لا يستطيع أن يقرأ كتاباً.
هدوء حقيقي
وفيما يتعلق بالهدوء الذي يقصده الشيخ سلمان، قال فضيلته : إننا نقصد الهدوء الحقيقي وليس المظهرية، فبعض الناس قد يتظاهر بالهدوء وفي داخله براكين من الانفعال أو الانفجار أو الغضب، مشيرًا إلى أن الهدوء الفعلي هو الذي تكشفه التجارب الحقيقية، وذلك حينما يكون الإنسان أمام محك حقيقي، مثل أن يتعرض لشيء من الاستفزاز ثم يحافظ على هدوئه، فالهدوء الحقيق هو هدوء القلب والمشاعر، كما أنه هدوء الانفعالات، وذلك من خلال قدرة الإنسان على ضبط النفس في المواقف المختلفة.
وأضاف فضيلته : وكذلك هدوء الفكر، والذي لا يقصد منه أن يكون الفكر خاملاً، ولكن يجب أن نفرّق بين الهدوء وبين اللامبالاة أو الكسل، مشيرًا إلى أن المقصود بالهدوء أن تكون حركة الإنسان محسوبة وأن يكون تعبيره عن أفكاره أو انفعالاته تعبيراً متوازناً معتدلاً، فحينما يعجب الإنسان بشخص أو يريد أن يعبر عن الامتنان لشخص، فإنه ينبغي أن يكون هادئاً ومعتدلاً في مشاعره وتعبيراته.
فوقية واستعلاء
وأوضح الدكتور العودة أن الهدوء لا يعني إظهار الفوقية والاستعلاء على الآخرين، ولكنه عبارة عن الهدوء الروحاني الذي يستلهم الآخرون منه، ويشجع الآخرين على أن يكونوا متجاوبين معك، لافتًا إلى أن الإنسان ربما يظهر الهدوء كنوع من تقصّد الاستفزاز للطرف الآخر، وذلك مثل أن يسيء إليك إنسان فتقول له : (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً)(الفرقان: من الآية63)، فالله -سبحانه وتعالى- لم يقل : قل وإذا خاطبهم الجاهلون ؛ وذلك لأنك في هذه الحالة وصفته بالجهل وبالسفه، وكما يقول الشاعر :
إِذا نَطَقَ السَفيهُ فَلا تَجِبهُ فَخَيرٌ مِن إِجابَتِهِ السُكوتُ
وتابع فضيلته : إن على الإنسان إذا أساء إليه أحد أن يقول له كلاماً سليماً (سَلاماً)، أي : كلامًا فيه سلام ومودة وحب وتهدئة لمشاعره وليس فيه مزيد من الاستفزاز يصب الزيت على النار كما يقال، فالهدوء وإن كان معنى نفسي أو داخلي إلا هناك أيضاً الهدوء الظاهر وهدوء الكلمة، وهدوء اللغة، وهدوء التعبير، وهدوء الملامح، وهدوء الجسد.
الوقت المناسب
وتعقيبًا على مداخلة تقول : كيف يكون الحديث عن الهدوء داخل الأسرة وذلك بعد رمضان وموسم الأعياد وبداية العام الدراسي الجديد وما يعانيه الآباء مع الأبناء ؟، قال الشيخ سلمان: إن أفضل ما يكون الحديث عن الموضوع في هذا الوقت، فما ذكرته صاحبة المداخلة يؤكد أن الحديث عن الهدوء مطلب، وأنه جاء أيضاً في وقته المناسب.
هدوء روحاني
وردًّا على سؤال يقول : كيف نحافظ على الهدوء الروحاني الذي اكتسبناه خلال شهر رمضان، قال الشيخ سلمان: إن العبادات كلها، وبالذات الصلاة وكذلك الصوم، لم تشرع من أجل أن يقاسي العباد معاناة أو عذاباً، فالله -سبحانه وتعالى- غني عن تعذيب الإنسان نفسه: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ)(النساء: من الآية147)، وإنما المقصود هو بناء النفس، وأن تتحول الحياة كلها إلى معبد يربي الإنسان على الانضباط حتى مع النفس.
وأضاف فضيلته : إننا كثيراً ما نتحدث عن العلاقة مع الله أو العلاقة مع الآخر أو العلاقة مع الحياة، لكن لابد أن يوجد عندنا بند خاص اسمه العلاقة مع النفس، لافتًا إلى أن الكثيرين ربما لا يوجد عندهم مربع لهذه الكلمة.
تأمل.. وتصحيح
وأوضح الدكتور العودة أن العلاقة مع النفس تعني أن يتأمل الإنسان في ذاته، وأن يحاول أن يكتشفها، وأن يجري تعديلات، وألا يستجيب فقط للدوافع أو للعفوية، فبعض الناس يظن أن تصرفه بمقتضى العفوية هو الشيء الطبيعي، ولا يدرك أن الأمر أحيانًا ربما يتطلب فكرة إلجام العفوية، وأن يقوم الإنسان بعملية التصحيح، وعلى سبيل المثال، فإنه فيما يتعلق بالصوم فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول : «فَإِنِ امْرُؤٌ شَاتَمَهُ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إِنِّى صَائِمٌ إِنِّى صَائِمٌ»، فهذا مثل للهدوء، وذلك بأنه بدلاً من أن تواجه الضجيج بالضجيج والصياح بالصياح والصخب بالصخب، فإنه يكون هناك تعامٍ مع الموقف من منطلق التقوى، يقول تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)(البقرة: من الآية183)، بحيث يردع الصوم الإنسان عن مجاراة الآخر أياً كان هذا الآخر.
وتابع فضيلته : إن أكثر ما نشكو منه اليوم هو التناهد والتسارع إلى صدامات، سواء داخل البيت، أو في مقر العمل، أو في الشارع، أو على الصعيد السياسي، أو صدامات عسكرية، لافتًا إلى أن الدين جاء لكي يُلجم النفس ويشدها إلى الوراء قليلاً، ويدربها على أن تفكر قبل أن تعمل.
سكينة..وهدوء
وردًّا على سؤال يقول : هل وجود مصطلح السكينة مرادف للهدوء ؟ أم هو تأصيل للهدوء ؟، قال الشيخ سلمان: إنه من الواضح جداً أن السكينة لها اتصال بمعنى الهدوء، يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ)(الفتح: من الآية4)، فالسكينة هي نقيض الانزعاج والصخب والصياح والصراخ، كما أنها نوع من الصفات أو الملامح الشخصية للإنسان، فالسكينة تطبع الإنسان في ظروفه وأحواله، حتى عندما يكون الإنسان في حالة الغضب، فإنك تجد أن الغضب يكون في حدود معينة لا يتعداها.
وأضاف فضيلته : كما تجد سرعة الفيئة كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- : (بَطِىءُ الْغَضَبِ سَرِيعُ الْفَيْئَةِ)، أي : سريع الرجوع، فلا يصمم على موقفه الغاضب ويرفض التصالح أو أسف واعتذار الآخرين، حيث ينبغي على الإنسان أن يراعي السكينة حتى في حالة الغضب.
طمأنينة.. واندفاع
وأردف الدكتور العودة أن السكينة لا تعني فقط الطمأنينة، يقول تعالى: (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ)(النساء: من الآية103)، حيث تشير هذه الآية إلى طمأنينة الفكر، والقلب، والحياة، ولكن هناك حديث نبوي يقول فيه النبي -صلى الله عليه وسلم- : (إِنَّ لِكُلِّ شَىْءٍ شِرَّةً وَلِكُلِّ شِرَّةٍ فَتْرَةً)، فهذا متصل كثيراً بالهدوء، وذلك لأن قوله صلى الله عليه وسلم : (إِنَّ لِكُلِّ شَىْءٍ شِرَّةً)، معناه أن كل الأشياء فيها اندفاع في بدايتها، ولكنها سرعان ما تهدأ وتسكن.
وضرب فضيلته مثالاً لذلك، قائلاً: إن الثورات هي عبارة عن اندفاع لكنها بعد ذلك تتحول من ثورة إلى دولة، فتعيد النظر في كثير من مقرراتها ومسلماتها، وربما تشعر -أحياناً- بحرج مع شعارات أو مقررات أو مبادئ أعلنتها في بداية الأمر، أو بحرج مع جزء من الأتباع الذين أردوا منها أكثر مما يجب أن يكون.
فتور.. وهدوء
ولفت الشيخ سلمان إلى أنه على الرغم من أن طبيعة الأشياء الحب، إلا أن الحب في بدايته قد يكون اندفاعاً، وكذلك العمل، فالإنسان ربما يبدأ العمل باندفاع، وكذلك الدراسة، فالإنسان قد يبدأ الدراسة باندفاع وقوة وحماس -أحياناً-، ولهذا فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- عندما يقول : (إِنَّ لِكُلِّ شَىْءٍ شِرَّةً)، فإن هذا معناه أن هذا شيء فطري ليس مستنكراً أو مستغرباً بذاته، لكن يجب على الإنسان أن يكون واعياً أن هذا الاندفاع ليس مطلوباً أن يظل إلى ما لا نهاية، لأن من طبيعة الحياة أن فيها اندفاعًا وفتورًا.
واستطرد فضيلته أن هذه الفترة التي سماها النبي -صلى الله عليه وسلم- فترة أو فتورًا، والتي من الممكن أن نعبر عنها بشيء من الهدوء أو السكينة أو الطمأنينة أو أي مصطلح شرعي أو حتى مصطلح معرفي آخر هي جزء من طبيعة الحياة.
تصالح.. وإيجابية
وردًّا على سؤال يقول : كيف يمكن أن يكون الهدوء مكتسباً ؟ قال الشيخ سلمان: إنه يجب على الشخص الذي يكون طبعه مناقضًا للهدوء أن يتصالح مع نفسه، كما أن كونه يعرف أن طبعه غير هادئ، فإن التصالح مع النفس وتقبّل هذا الوضع يعد جزءاً من الحل، بحيث يحاول أن يعوّض، وربما يكون عنده جانب آخر إيجابي ضخم جداً.
وذكر فضيلته طرفة، قائلاً: إن شخصًا كان يدخن في أحد المطارات في غرفة التدخين، وعندما خرج أمسك به أحدهم وقال له : كم تدخن يومياً ؟ قال له : لماذا تسأل ؟ قال : فقط أريد أن أعرف. قال المدخن : أدخن عشرة.. عشرين. فجلس يضرب ويطرح ويجمع ويقسم وقال : لو كنت تركت التدخين ووفرت هذا المال بعد كذا سنة ربما الطائرة هذه كنت تملكها !، قال المدخن : حسناً هل أنت مدخن ؟ قال : لا. قال المدخن : هل تملك هذه الطائرة ؟! قال : لا. فقال المدخن : هذه الطائرة ملكي أنا وأنا أُدخّن !
برود.. وبلادة وأردف الدكتور العودة أن هذا يؤكد أن الإنسان قد يكون عنده عيب، لكن مقابل هذا العيب ربما يكون عنده إبداع أو إنتاج جيد، مشيرًا إلى أن اكتساب الهدوء أمر مؤكد جداً، لأن هناك بعض الناس طبعهم الهدوء، فإذا تحدّث تحدّث بهدوء، وإذا فكّر فكّر بهدوء، وحتى ردود أفعاله دائماً هادئة، كذلك عندما ترى ملامحه وقسماته في سلامه أو ابتسامة تجدها هادئة.
ولفت فضيلته إلى أن هذا شيء جميل ورائع، شريطة ألا يتعدى حدود الهدوء ويتحول إلى برود أو بلادة، فهناك فرق بين الهدوء والبرود أو البلادة.
سر الإنسانية
وأوضح الشيخ سلمان أنه فيما يتعلق بالمثير والاستجابة، فإن هناك ما ذكره استيفن كافي ونقله عن شخص لم يعرفه، وهو عالم نفسي كان في سجون النازية عنده كتاب مطبوع ومترجم اسمه (الإنسان يبحث عن معنى)، حيث يقول: إن الإنسان يتعرّض لمثير معين، وذلك مثل أن يهاجمك شخص أو ينتقدك بعنف وبشكل أكبر من الواقع أو يتهمك بشيء أنت منه بريء أو بطريقة مفاجئة، وأن هذا يمثل نوعًا من الاستفزاز، ولكن هناك ثوان ما بين هذا الاستفزاز وبين استجابتك أنت، سواء بقول أو بفعل، وسواء كان هذا القول إيجابياً أو سلبياً، غضباً أو صمتاً أو هدوءاً أو ابتسامة أو تحويل الموقف إلى مزاح.
وأضاف فضيلته أن هذه الثواني هي سر إنسانية الإنسان، وذلك أن سر تميز الإنسان عن غيره من الكائنات هو الخيارات التي تمنحه قدراً من الحرية وتربّيه، مشيرًا إلى أن توظيف هذه الثواني هو شيء في غاية الأهمية والخطورة، فعلى الإنسان ألا يتعوّد أن يكون رد الفعل عنده دائماً عفويًّا وسريعًا بدون تفكير، ولكن عليه أن يفكر قبل أن يتخذ القرار.
كاميرا ربانية
وأكد الدكتور العودة أن هذه اللحظة أو الثواني ما بين الشيء الذي استفزك وما بين ردة فعلك، هي أساسية جداً، وعليها يعوّل في مسألة اكتساب الهدوء، بأن يتعود الإنسان على كيفية اكتساب الهدوء من خلال ضبط النفس في هذه الحاجة، وذلك من خلال الولع بالهدوء، وأن ندرك أن الهدوء مطلب؛ وعلى سبيل المثال، فنحن نشاهد الكاميرا الخفية، وكم يشعر الإنسان بالفرح والاغتباط عندما يشاهد نفسه في موقف استفزاز ويرى أنه يمتلك أعصابًا حديدية وهادئة، ويمكن أن يبتسم، أو لا ينفعل، ويغبط نفسه.
واستطرد فضيلته : إننا علينا أن ندرك أن الهدوء قيمة جميلة يجب أن نسعى إليها، متسائلًا: ماذا لو تخيل الإنسان دائماً أن هناك كاميرا خفية تلحظه، مشيرًا إلى أن هناك كاميرا بالفعل تتمثل في الملائكة الكرام الكاتبين كل شيء، فالله -سبحانه وتعالى- يقول : (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً)(الكهف: من الآية49)، فالإنسان يرى ما عمل يوم القيامة، وهذا يشير فعلاً إلى أن هناك كاميرا ربانية تراقب الإنسان وترصد كل الأشياء، فكم هو جميل أن تتخيّل هذه الكاميرا دائماً وأنها ترصد حركاتك، ولذلك فإنه على الإنسان أن يحاول أن يعتبر نفسه في محل اختبار، فقد يتعمد أحد أن يستفزك حتى يرى مقدار الانفعال أو الغضب أو الهدوء الذي يمكن أن تتميز به، موضحًا أن هناك الكثير من تقنيات الهدوء المكتسب.
قلق.. ومخاوف
وفيما يتعلق بالعلاقة بين الهدوء والقلق، قال الشيخ سلمان: يجب على الإنسان أن يتسم بالهدوء وأن يبتعد عن القلق، وعلى سبيل المثال، فإنه يحكى أن شخصًا قام ونثر جردلاً من الماء على صديقه بطريقة سريعة، فتفاجأ الحاضرون بأن صديقه لم يكن منه أي ردة فعل، ومضى إلى عمله بكل بساطة وعفوية، فسأله أحدهم : هذه فضلاً عن أنها مفاجأة، فإن فيها إهانة.. كيف تحملتها؟ قال : هو لم يصب الماء عليّ، لقد صب الماء على شخص آخر ظنه أنا!
وأضاف فضيلته : أي أنه صب الماء على شخص يظن أنه سيغصب ويثور، فهو ربما أراد أن يختبرني بهذا الفعل -، مشيرًا إلى أن 93% مما يخافه الإنسان لا يقع، وكما يقول الشاعر العربي:
فقلت لقلبي إن نزا بك نزوة من الهمّ أقصر أكثرُ الهول باطله
فأكثر المخاوف لا تقع.
سلمان العودة: الهدوء قيمة جميلة يجب أن نسعى إليها
- التفاصيل