أكد فضيلة الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ المشرف العام على مؤسسة "الإسلام اليوم" ـ على أن العمل قيمة ذاتية يجب أن يحافظ عليها الإنسان، مشيرًا إلى أن استراتيجياتنا في العمل غير مدروسة، محذرًا من أن ثقافة "العيب" من العمل تلاحق الشباب في مجتمعاتنا العربية بصفة عامة والخليجية منها بصفة خاصة.
وقال الشيخ سلمان ـ في حلقة أمس الجمعة من برنامج "الحياة كلمة"، والذي يبث على فضائية mbc ، والتي جاءت تحت عنوان "العمل" ـ: إن العمل تحقيق لذات الإنسان، فقيمة الإنسان تكون من خلال العمل، وبدون العمل سيتحول الإنسان إلى كائن محبط وبائس ويائس وتعيس. العمل مصدر رزق ومعنى جميل للحياة
وأوضح الدكتور العودة أن العمل يعطي للحياة معنى وجمالية وأخلاقيات، ويدرب الإنسان على التواضع والابتكار والمهارة، وأن يقوم بالأشياء بذاته بدلًا من أن يكبر الإنسان ويتضخم وهو لا يدري.
وأضاف فضيلته أن العمل هو مصدر رزق من أجل أن يستغني الإنسان عن الناس، وذلك بدلًا من أن يُذِلّ نفسه لشخص أو لآخر من أجل المال، حيث يحصل هذا الإنسان من العمل على رزقه، فضلًا عن الأجر والثواب في الآخرة.
وردًّا على سؤال يقول: إلى أي مدى يشعر الإنسان العربي البسيط أن ثمة إستراتيجية تعمل لصالحه فيما يتعلق بمنظومة العمل خاصة في ظل تواجد القطاع الخاص الذي يعمل لمصلحته؟، قال الشيخ سلمان: هذه مشكلة عالمية، لكن في عالمنا العربي فإن السؤال الذي يطرح نفسه: ما هو الكلام الذي يجب أن يقال ولم يُقل؟ أو يجب أن يُكتب ولم يُكتب؟، فكل الكلام قيل في المواقع الإلكترونية، سواء من المتخصصين أو غيرهم، فهناك وزارات مسئولة وهيئات متخصصة في العمل، وجهود وقرارات لتلقين العمل وتشغيل الناس.
وأضاف فضيلته: كذلك هناك ندوات ومؤتمرات وكتب وجهود غير عادية وبرامج، فكل الكلام الذي يجب أن يقال قد قيل وكُتب ونُظّر، كما أن المختصين من البلاد وغيرها تحدثوا عن الإحصائيات والحلول والمشكلات، لكن على الرغم من ذلك نشعر أن هناك عقدة صعبة، وذلك لأننا عندما نقوم بوضع استراتجيات للعمل فإنها لا تتحقق.
جدية.. وتوافق
وأوضح الدكتور العودة أن مثل هذه الاستراتجيات تتطلب جديّة وثقافة وتوافقًا بين الحاكم والمسئول، وبين الموظف ورجال الأعمال وبين المواطن، مشيرًا إلى أن كل شيء في مجتمعاتنا يتم الإطاحة به، لأنه لا يوجد لغة مشتركة يتحدث بها الجميع، فقد توضع إستراتجيات ثم يتم إحباطها والاستحواذ عليها، وبطريقة ربما ذات خصوصية عربية، حيث تجد أن هناك أسلوبًا معينًا في الاستحواذ على قرارات وتوجيهات وبرامج واستراتجيات معينة، بحيث تذهب في النهاية أدراج الرياح، كما تجد كل شخص يقدم خطة تحقق أهدافه.
وتابع فضيلته: إنني عندما أجلس مع رجال أعمال ومسئولي مؤسسات، فإنني أجد كل واحد منهم يقدّم خطة ربما تخدمه ومن منطلق عمله هو، لكنها لم تصل إلى الأطراف المنفذة والمسئولة، كما أن هذه الخطة ربما لا تكون خطة مثالية لأنها تنطلق من رؤيته الخاصة، فهو لا ينظر إلى المستقبل أو إلى المجتمع كله بقدر ما ينظر إلى مصلحته.
مسئولية مشتركة
وردًّا على سؤال يقول: هل يشير فضيلتكم إلى أن الدولة تقوم بوضع إستراتجية للعمل لكن المشكلة في المسئولين التنفيذيين أو الإدارات التنفيذية أو أن المجتمع لا يقبل أو لا يتعايش مع هذه الإستراتيجية؟ قال الشيخ سلمان: ليس بهذه الدقة، فإنني لا أقصد أن الاستراتجيات موجودة والمشكلة فقط في الناس، ولكنني أرى أن المشكلة يتحملها الجميع، أو أن المسئولية مشتركة، فالاستراتجيات ليست واضحة أو مدروسة، وذلك لأنها يُفترض أن تكون على صلة بالناس الذين هم في الميدان، وأن نستمع إلى الناس الذين يعملون أو المقبلين على التوظيف، وأن يكون هناك تواصل معهم.
ولفت فضيلته الانتباه إلى أن هذا التواصل ليس موجودًا بشكل واضح، ولذلك فإن كلًا يغني على ليلاه، فصاحب العمل يقترح ولكن المسئول ربما بعيد عن هذا الاقتراح، أو ربما يرسم خطة ولكن لا يتم تنفيذها.
سعودة العمل
وضرب الدكتور العودة مثالًا لذلك بـ"سعودة العمل"، وإن كان هذا له علاقة بالبطالة فإنه من الناحية الإستراتيجية نموذج محلي لا يلام عليه أي بلد، فقد تقول تمصير العمل أو لبننة العمل، وذلك بأن يكون هناك أولوية للناس والعاملين والشباب الموجودين من البلد ذاته، لكن المشكلة تكمن في أنه حينما يكون هناك أحيانًا قرارات يجب سنويًا أن يتم إحلال نسبة 5% من العاملين المحليين محل العاملين القادمين من خارج البلد، فإن تنفيذ هذا القرار قد لا يحقق الهدف، وذلك لأنه يصنع مشكلات عند أرباب العمل، وربما يحقق حالة من الكساد في الشركات ذاتها، كما أنه ربما يصنع قدرًا من التحايل.
وتابع فضيلته أن مثل هذه القرارات قد تحل مشكلة وتصنع مشكلة أخرى، في حين أن الإستراتيجية لابد أن تعالج كل الجوانب، سواء ما يتعلق بالعامل أو الموظف المحلي، ورغبة رب العمل، وكذلك عمليات التدريب والإعداد للناس الذين سوف يحلون في الميدان.
ثقافة العيب؟!!
وتعقيبًا على مداخلة تتحدث عن ثقافة العيب في العمل في المجتمعات العربية وخاصة الخليجية، قال الشيخ سلمان: إن العالم يعيش اليوم آثار الثورة الصناعية التي غيرت الكثير من ثقافة الناس وعقلياتهم ونظام الأسرة، وجعلت الجميع عاملين، بل جعلت أشياء ربما يومًا من الأيام كانت بعيدة عن الصناعة، مثل الزراعة، والتي هي من أهم المهن العربية عبر التاريخ، ومع ذلك حولتها إلى مهنة صناعية بامتياز في كثير من التقنيات والأدوات وعمليات النقل وتطوير المنتج والتخفيف من الحاجة، إلى اليد العاملة، إلى غير ذلك من الأشياء الضخمة التي أحدثتها الثورة الصناعية في العالم كله، وليس فقط في بريطانيا أو أوروبا وأمريكا واليابان.
وأضاف فضيلته أن هذا يؤكد أن هناك تغيرات ضخمة جدًا فيما يتعلق بالعمل ومسئولية العمل وأهميته، بل وحتى إعادة تعريف الكثير من الأعمال، بينما في مجتمعاتنا لدينا ثقافة، جزء كبير منها موروث، وعلى سبيل المثال، فإن الإنسان عندما يقرأ في كتب الفقهاء يجد حديثًا عما يسميه الفقهاء بـ"الحرف الممتهنة" أو المرذولة، فتجدهم ذكروا قائمة طويلة جدًا من الحرف.
وضرب الدكتور العودة مثالًا للمهن الممتهنة في بعض كتب الفقهاء، بـ"الجرائحي"، أي الطبيب الجراح، فهذه مهنة ممتهنة، وهذا ربما يؤثر عندهم في الكفاءة، وذلك لأن الذين يؤدون هذه المهنة يومًا من الأيام يتعاطون مع الدم والفصد باليد وشيء من هذا القبيل، بينما الآن تطورت هذه الأدوات والأجهزة، فضلًا عن ذلك فإن هذا التصنيف الموجود في كتب الفقهاء أو عند بعض الفقهاء ليس له أصل من كتاب الله ولا من سنة رسوله -عليه الصلاة والسلام-، بل إن بعضهم ذكر رعي الغنم، وأنه من المهن الممتهنة، بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- رعى الغنم، وقال -صلى الله عليه وسلم-: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ». فَقَالَ أَصْحَابُهُ وَأَنْتَ فَقَالَ «نَعَمْ كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لأَهْلِ مَكَّةَ». كما في صحيح البخاري.
وتابع فضيلته: فالنبي -صلى الله عليه وسلم- يقول ذلك بكل وضوح، ويرويه عن الأنبياء والمرسلين -عليهم الصلاة والسلام-، لكن في بعض مجتمعاتنا الآن تجد أن الناس يقولون: فلان صناع، ويقصدون أنه ليس ذا نسب، متسائلًا: ما قيمة النسب إذا لم يكن عند الإنسان تقوى وإيمان بالله -سبحانه وتعالى-، فالإنسان بعمله وإيمانه وصدقه وإنجازه وليس بآبائه وأجداده وبالعظام والتراب والرميم.
وأكد الشيخ سلمان أن مثل هذه الروح المسيطرة علينا تحتاج فعلًا إلى ملاحقة ومطاردة، كما تحتاج إلى صبر ووضوح، وذلك لأن مسألة العنصرية لها تأثير جدًا في النظر إلى العمل بعيب، وأن هناك أعمالًا معينة هي حكر على أناس معينين، حتى لو لم يكن الإنسان اليوم يباشر العمل بنفسه، وذلك لأنه لم تعد حرفة يدوية يباشرها الإنسان بذاته، ولكن العمل تطور، وأصبح عبارة عن شركة أو مصنع، ويقوم عليه آلاف الموظفين، وفيهم مدراء ومسئولون.
وأردف فضيلته: ومع ذلك تظل مشكلة "العيب" تلاحق الثقافة العربية، كما أن الكثير من الناس ربما يستحي وربما ينظر إلى من حوله وربما يعتقد أنه عندما يلتحق بهذا العمل لن يجد فتاة يتزوجها، وأن الناس ريما يتهامسون وينظرون إليه إذا دخل المجلس.
العلاقة بين العمل والعبادة
وتعقيبًا على مداخلة تتحدث عن العلاقة بين العمل والعبادة، وأن العمل في ديننا الإسلامي جزء رئيس من مفهوم العبادة، قال الشيخ سلمان: هذا صحيح، مشيرًا إلى أنه من المصطلحات التي تتردد كثيرًا في القرآن الكريم مصطلح الحسنة والسيئة، وهو وصف للأفعال والصفات الحسنة والسيئة، يقول تعالى: (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ)(الأعراف: من الآية168)، فابتلاء الإنسان بالأجر على الحسنة والعقاب على السيئة، والجنة والنار، كما أن النجاح والفشل مرتبط بالحسنات وبالسيئات.
وأضاف فضيلته أن ذلك يشمل بطبيعة الحال كل ألوان الحسنات بما في ذلك حسنات القلوب والأفكار، وحسنات الأعمال، والأقوال والألفاظ، والسيئات مثل ذلك؛ فهناك سيئات القلوب وسيئات الضمائر وسيئات العقول وسيئات الأقوال وسيئات الأعمال والأفعال.
وأوضح الدكتور العودة أن الإنسان مفطور بطبيعته ومجبول على العمل، وعلى سبيل المثال فإننا نجد أن الطفل بمجرد أن يتدرب على المشي تجده يركض هنا ويضربه الجدار ويركض هناك ويضربه الكرسي ويتقافز وربما يعرض نفسه للخطر، لافتًا إلى أن هذه الطاقة التي جُبل الإنسان عليها وفُطر بها وخُلقت معه هي طاقة لم تخلق من أجل أن تكبت وإنما خلقت من أجل أن تفعّل، لافتًا إلى أن هذه الطاقة محل الابتلاء للإنسان بين أن يعمل الحسن أو أن يعمل القبيح.
وتابع فضيلته أن هذا يشمل ما يتعلق بالآخرة وطاعة الله والإيمان، وذلك مع أن العبادات محدودة في مواقيتها، يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ)(الجمعة: من الآية9)، مما يشير إلى أن هذا استثناء، ثم قال جل وعلا: (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10)، مما يشير إلى أن هذا هو الأمر الطبيعي، وأنه يشمل الحياة كلها، فتجد أن لحظات العمل غير محددة.
حفز.. واهتمام مفقود
وأبدى الدكتور العودة شيئًا من الاستغراب من أننا نجد في ثقافتنا الإسلامية اليوم حديثًا مستفيضًا من الخطباء والمتحدثين والوعاظ والمرشدين والكتّاب حول قضايا العبادة، لكننا لا نجد حديثًا بنفس القدر مستفيضًا ومفصلًا عن العمل لإصلاح الدنيا ، والذي هو من اختيار الإنسان وفعله، حتى كأن هذا الأمر لم يعد من اهتمامات الدعاة في كثير من الأحيان، وكأن الحديث عنه إنما يأتي اضطرارًا أو عبورًا نعبر منه إلى غيره، بينما هو في نظري من أهم الضروريات التي ينبغي أن يُعتنى بها.
ولفت فضيلته إلى أنه من العجيب أن الله تعالى ذكر لفظ العمل بالفعل أو بالاسم في القرآن الكريم ثلاثمائة وستين مرة، وذلك بعدد أيام السنة، وكأن هذا يلهمنا أنه في كل يوم ينشق فجره وكل يوم تطلع شمسه، فيه: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لأُمَّتِى فِى بُكُورِهَا»، وأن ينطلق الناس وهم يجدون حفزًا إلى العمل ودعوة إليه.
الإخلاص في العمل
وردًّا على سؤال يقول: هل يشترط في العمل الإخلاص والقبول أو الموافقة للصحة أو النقل كما يشترط في العبادة؟ قال الشيخ سلمان: نعم، مشيرًا إلى أننا نجد في حياة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- الأمرين معًا، فقد ذكر الله تعالى عن داود -عليه الصلاة والسلام- أنه كان حدادًا، ونوح كان نجارًا، وكذلك باقي الأنبياء فـ «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلاَّ رَعَى الْغَنَمَ»، حيث نجد أن الأنبياء الذين هم حداة إلى الإيمان بالله وللدار الآخرة وإلى التقوى والأخلاق كانوا أيضًا قدوة أو مشاركين على الأقل للناس في الأعمال الدنيوية والمادية ومنغمسين فيها بما يقتضي أنها جزء من طبيعة الحياة كما أنها جزء من تعليمات الدين.
وأضاف فضيلته أن الإخلاص في العمل يعد مطلبًا، مشيرًا إلى أن الإخلاص في العمل التعبدي هو أن يريد به وجه الله -سبحانه وتعالى-، لكن الإخلاص في العمل الدنيوي لا يُشترط فيه أن يريد به وجه الله، فإذا أراد به مصلحة الدنيا أو الرزق الحلال فإن هذا من المباحات، بل من المشروعات المستحبة في أصل الأمر.
بطالة مقنعة
وذكر الدكتور العودة أنه من الإخلاص في العمل أن يحرص الإنسان على أخلاقية العمل والانضباط في الأداء والكفاءة، وعلى سبيل المثال، فإن بعض التقارير تشير إلى أن نسبة الكفاءة للعامل في الصين عشر درجات، بينما في السعودية أقل من درجة واحدة، مما يشير إلى أن كثيرًا من الناس ربما يكون متواجدًا في مقر العمل ولكن لا يوجد عنده ذلك الأداء أو الكفاءة أو الإنتاجية في العمل والتي تجعل لهذا العمل قيمة.
وتابع فضيلته أن هذا يسمى بـ"البطالة المقنعة"، حيث إنه قد يوجد عشرة في مكان لا يستوعب إلا أربعة أو خمسة أو أقل من ذلك، فتجد أن الإنسان في هذه الحالة يعمل من جهة الحضور ولكنه لا يؤدي إنتاجية معتبرة.
حضور.. والتزام
وأوضح الشيخ سلمان أننا يجب أن نفرق بين بيئة العمل أو الالتزام في العمل، لافتًا إلى أن الالتزام في العمل درجات، منها:
1 ـ الحضور: فهناك من يلتزم بالحضور إلى العمل فقط، لكنه يوري بالقليل من العمل، ويسجل حضورًا دون أن يكون له إنتاجية.
2 ـ الالتزام بمبدأ الطاعة: وهي درجة أفضل منها، حيث تجد أن الإنسان يلتزم بمبدأ الطاعة، سواء كان هذا طاعة لمسئول العمل أو كان طاعة للقانون المنزل أو طاعة لله -سبحانه وتعالى-، بالشعور بأن هذه أمانة يجب عليه أن يؤديها، وأنه محاسب عليها، ومراقب من قبل الله -سبحانه وتعالى- الذي لا تخفى عليه خافية، فيقوم بالعمل بروح الالتزام بالطاعة، وهذا مبدأ جيد بطبيعة الحال.
3 ـ الرضا: حيث يشعر الإنسان بالرضا الذاتي عن العمل الذي قام به، وهذا يشير إلى أن الإنسان لم يقم بالعمل من أجل ألا يتعرض لمعاقبة أو مساءلة أو حساب أو فصل أو جزاء، وإنما عنده ضمير حي يحدوه ويحفزه إلى أن يقوم بالعمل على الدرجة التي ترضيه، وليس فقط القدر الضروري فحسب، وإنما هو أعلى من ذلك.
4 ـ الانتماء: وهو يمثل مستوى أسمى، حيث يعمل الإنسان وهو يشعر بالانتماء لهذه المنشأة أو الوزارة أو المؤسسة أو الإدارة أو الشركة أو المدرسة التي يعمل فيها، ولذلك فإنه حينما يعمل يعمل بكل طاقته، ويشعر بأنه يعمل لنفسه، وأن هذا العمل ليس شيئًا يقدمه لغيره، لافتًا إلى أن الإحساس بالانتماء لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت بيئة العمل محفزة له.
بيئة مؤثرة
وفيما يتعلق بتأثير بيئة العمل على الكفاءة الإنتاجية للفرد، قال الشيخ سلمان: إنه لا شك أن بيئة العمل من أهم أسباب النجاح والتوفيق، مشيرًا إلى أن الإنسان لن ينجح في عمله إلا إذا كان يشعر بقدر من الاستمتاع بهذا العمل، وبالتالي فإنه لابد أن تكون البيئة هي الداعم الأكبر له، وعلى سبيل المثال، فإن الإنسان إذا تذكر العمل الذي سوف يذهب إليه صباحًا تذكر المدير صاحب الوجه المبتسم والكلمات الطيبة والأخلاق العالية والتعاون مع العاملين، وتذكر زملاءه بدعاباتهم وطرائفهم، أو حينما يتناول معهم كأس الشاي في فسحة أو إجازة أو وقت من الأوقات يجد له معنى، فضلًا عن الذكريات الجميلة، والتلاحم فيما بينهم، حتى في شؤون الحياة، وتبادل المعاني الإيجابية، والوقوف معه عندما يتعرض لأزمة عابرة له في نفسه أو في أسرته -مثلًا- أو غير ذلك.
وأضاف فضيلته أن بيئة العمل عندما تكون بهذا المستوى الأخلاقي، بأن تكون بيئة إيجابية فيها روح الفريق، والتعاون على العمل المطلوب، والإتقان والإنجاز والإبداع فيه، فإنها ستكون بيئة انتماء حقيقي يحنّ الإنسان إليها حنينًا.
بيئة طاردة
وأوضح الدكتور العودة أن هذا ربما يكون في عالمنا العربي شيئًا أقرب إلى المثال، لأنه من هو ذلك الإنسان الذي يحنّ إلى العمل؟ أو من هو ذلك الإنسان الذي إذا تذكّر أنه غدًا ذاهب إلى العمل انفرجت أسارير وجهه وفرح واستبشر واستمتع؟، ولكننا نجد أن الأمر على العكس، حيث نجد الإنسان يشعر بكابوس -أحيانًا- كلما تذكّر العمل الذي هو ذاهب إليه.
ولفت فضيلته إلى أنه من أخطر الأشياء أن تكون بيئة العمل بيئة طاردة، أو بيئة فيها الكثير من الكيد، والمؤامرات، والشماتة، والتقارير السلبية، والغيبة، والنميمة، ومحاولة الوصول إلى المدير أو إلى الشخص الأعلى بأي طريقة، ومحاولة إيغار صدره على الآخرين، وتحطيم الجهود، وأن تدخل فيها المجاملة والمحاباة على أساس القرابة، والعلاقة، والإنسان الذي هو من نفس مدينتي، لأنه ربما بيني وبينه روابط، كأن يكون ابن عمي أو ابن خالي، وبيني وبينه ثقة، ولذلك أصدقه أكثر مما أصدق غيره، أو تدخل فيها العنصرية والقبلية.
فيروسات مدمرة
وذكر الشيخ سلمان أن وجود مثل هذه الأمور في بعض بيئات العمل يمثل فيروسات مدمرة تقتل العمل وتقضي عليه وتعمل كثيرًا من الإحباط، وربما تجعل الإنسان المخلص المجتهد الشفاف الواضح محل التهمة، لأنه صريح أو واضح، وربما تتأخر ترقيته أو علاوته أو تحصيله لبعض الحقوق بسبب أنه لا يحسن -أحيانًا- الوصولية إلى الأشياء، أو ليس له تلك العلاقة، فضلًا عن سيطرة الرشوة، والفساد، والعلاقات، والروابط الخاصة وتأثيرها، وسيطرة الهمس، وقبول الشخص المسئول في المنشأة أو في الإدارة أو الشركة للوشايات، مؤكدًا أن هذه من أخطر وأسوأ ما يكون، إضافة إلى تأثيرها السلبي على بيئة العمل.
وتابع فضيلته أن النبي -صلى الله عليه وسلم-، يقول في حديث، وإن كان فيه مقال، ولكن معناه مشرق: «لاَ يُبَلِّغْنِى أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِى عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّى أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ»، كما أن الأحاديث في هذا واسعة جدًا، وكذلك النصوص القرآنية والنبوية في النهي عن الغيبة، يقول تعالى: (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)(الحجرات: من الآية12)، وكذلك النميمة، يقول صلى الله عليه وسلم: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَتَّاتٌ»، «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».
فن المؤامرات
وأكد الدكتور العودة على ضرورة تشجيع المسئول أو تشجيع الإدارة على تجنب القيل والقال، لافتًا إلى أن هذا موجود بشكل كبير في بيئة العمل النسائية والمدارس، كما أنه موجود كذلك في بيئة العمل الرجالية، وفي بيئة العمل المختلطة ما بين أناس من أهل البلد وأناس من غير البلد، حيث تحدث هذه الأشياء كثيرًا، ويفوز بها أولئك الناس الذين يتقنون فن وحياكة المؤامرات وغير ذلك.
وأشار فصيلته إلى أن ذلك مدمر كثيرًا لبيئة العمل، ويقضي على الإنتاجية وروح الانتماء التي هي من أهم عوامل الالتزام والنجاح في العمل.
روح سلبية
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن كثيرًا من الموظفين الذين يعملون في بيئة عمل سلبية قد يبدون متحمسين للتغيير، لكنهم سرعان ما يصيبهم الإحباط والتذمر، وأصبح تأثيرهم سلبيًا، قال الشيخ سلمان: إن الكثيرين يبدؤون متحمسين للتغيير، ولكن هذه الروح قد تتغير فيما بعد، وعلى سبيل المثال، فقد جاءتني رسالة أمس من إحدى البنات تقول: إنني منذ أربع سنوات أبحث عن عمل، وحصلت عليه، وغدًا السبت أول أيام العمل، ولكنني للأسف لن أذهب. أنا لا أريد العمل!
وأضاف فضيلته أن هذه هي الروح السلبية التي نوصي دائمًا بمطاردتها، وألا نقول الألفاظ السلبية على ألسنتنا، ولا نستجيب لها، ولا نجعلها هي التي تتحكم فينا، مشيرًا إلى أن الإنسان عندما يقول هذه الكلمات السلبية، مثل: "أنا لا أحب العمل"، أو "أنا فاشل"، أو "أنا غير محظوظ"، فإن هذه الأشياء تتحقق من خلال القول الذي يقوله، لكن لو أن الإنسان استعان بالله -سبحانه وتعالى- وأكثر من كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله"، واستمد من الله تعالى الحول والقوة، والتحول من الضعف إلى القوة، ومن العجز إلى العمل، يقول صلى الله عليه وسلم: (احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلاَ تَعْجِزْ)، فإن الإنسان في هذه الحالة سيجد أن الأبواب تفتح أمامه.
صدمة.. ولكن
وأردف الدكتور العودة أن الكثيرين قد يأتون إلى بعض البيئات مستبشرين ثم يفاجئون ببعض السلبيات، فبعضهم يحدث عنده صدمة، وربما يتصور الأمر أسوأ مما هو، فقد يكون هذا الإنسان قد تعرض لوشاية فاسودت في وجهه الدنيا، وظن أن كل الناس وشاة، وأن كل المسئولين ليسوا صادقين، وأنهم مغرضون، إلى غير ذلك من الاعتبارات، مشيرًا إلى أنه يجب على الإنسان في هذه الحالة أن يتحلى بالصبر, وأن يبتلع بعض الأشياء أو بعض المرارات.
وتابع فضيلته أن التجربة التي حصل عليها الإنسان بالهدوء نتيجة ثلاثين أو أربعين أو -أحيانًا- خمسين سنة، لم تأت سهلة ميسرة، أو مفاجأة، وإنما عارضتها حالات فشل وإخفاق استطاع الإنسان أن يتغلب عليها.
عثار..ونهوض
وضرب الشيخ سلمان مثالًا لذلك، قائلًا: لقد كانت هناك مشكلة البارحة مع صاحب شقة وأنا موجود فيها، ووجدت أن كل التعليمات التي نقولها والوصايا والنصائح والكلام الجميل قد غاب في تلك اللحظة، وصار هناك قدر من الكلام الذي أنتقد نفسي عليه، مشيرًا إلى أنه بعد ذلك فإنه خليق بالإنسان أن يقول: إنه ليس هناك فائدة، فقد حاولت مع نفسي ألف مرة، بل مائة ألف مرة وأربعين سنة أو خمس وأربعين سنة، ومع ذلك في النهاية الإنسان يخفق.
وأوضح فضيلته أنه من الخطأ أن يتعامل الإنسان مع نفسه بمثل هذه الطريقة، حيث يجب عليه أن يدرك أنه من طبيعة الإنسان أنه ربما يواجه أحدًا يتآمر عليه أو يواجه موقفًا صعبًا أو يقع لنفسه عارض أو خاطر من اليأس أو الإخفاق، ولكن المهم هو ألا يتشرب ذلك وألا يتقبله، وألا يستسلم له، ولكن عليه أن ينهض سريعًا ويساعد نفسه، فإن الإنسان في هذه الحالة سوف يتعلم النهوض كلما عثر، فإنه لن يستطيع أن يقي نفسه من العثرات لكنه سوف يتعلم النهوض كلما عثر.
وفيما يتعلق بأن هناك من يقول: إن الذي يده في الماء ليس كمثل الذي يده في النار، قال الشيخ سلمان: هذه فكرة صحيحة، فالإنسان الذي يعاني ما يعاني ربما يلاحظ أن الآخرين الذين يقدمون له النصائح لا يحسون بإحساسه ولا بتألمه، مشيرًا إلى أن هذه ربما تكون هي الميزة، لأنه ربما لو كانوا مثلك ربما ما استطاعوا أن يقدموا لك النصح الجيد، لكن لأنهم بعيدون فإنهم يحتفظون بهدوئهم، وعقولهم مشرقة ما كسفت شمسُها، وبالتالي فإنهم ربما يستطيعون أن يساعدوك، مثلما كان عمر -رضي الله عنه- يقول: يا سارية الجبل!.
وضرب فضيلته مثالًا لقيمة العمل بالنسبة للإنسان، قائلًا: لقد كان أحد السلف يشتغل في منجم يبحث عن ذهب أو شيء آخر، فقالوا له: جربنا المال من الرجال ومن الجبال فوجدنا أن الجبال أهون من الرجال!، أي: أنه بدلًا من أن يعرض الإنسان نفسه لذل المسألة، سواء كانت هذه المسألة من صغير أو كبير أو ثري أو حاكم أو سواه، عليه أن يعوّد نفسه على البحث والعمل وبذل الجهد وتحصيل العمل بنفسه.
أمان.. ولكن
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن تخوف البعض من العمل بالقطاع الخاص ربما يرجع إلى عدم طموح بداخله أو عدم قبول للتحدي، لذلك فإنهم يفضلون العمل في القطاع العام، قال الشيخ سلمان: إن المشكلة تكمن في أن الكثير من المناهج التعليمية تدرس أشياء نظرية وتخرّج نظريين بنسبة خمسين بالمائة أو أكثر، ولذلك فهم يتخرجون فيبدؤون في الغالب يتجادلون حول هذه القضايا التي درسوها، ولذلك يكون الميل إلى السلم الوظيفي الرتيب والحكومي هو الغالب، مع أن هذا في نهاية المطاف لا يمكن أن يستوعب الناس كلهم.
وأضاف فضيلته أن هناك الكثير من الناس ربما محتاجون إلى ما نسميه بـ"العمل الحر"، والذي ربما يكون فيه فرص ضخمة جدًا، فنحن لا نعرف أن أحدًا أثرى من خلال وظيفة حكومية، فهذا لا يمكن أن يحدث، لافتًا إلى أن الوظيفة الحكومية تصنع أمانًا للإنسان وتعطيه طمأنينة، ولكنها في الوقت ذاته تقضي -أحيانًا- على بعض جوانب الإنجاز والإبداع عند الإنسان، لأنه يصبح في عمل رتيب يذهب إليه يوميًا، وهذا قد يقتل روح الطموح والإبداع عند الإنسان.
فرص.. وترقيات
وأوضح الدكتور العودة أن الوظيفة الحكومية تصلح لأناس كثيرين بدون شك، وليس المقصود التنفير، ولكن هناك مجالات وفرص مثل الأعمال الحرة، والمؤسسات، والمنشآت، والمحاولات، بل حتى القطاع الخاص نفسه قد يعمل الإنسان فيه ثم يتطور ويترقى بسرعة -أحيانًا- أكثر من العمل الحكومي، الذي فيه رتابة طويلة، وربما يصبح شريكًا يومًا من الأيام.
ولفت فضيلته إلى أن كثيرًا من الأثرياء الذين يشار إليهم بالبنان، بدءوا يومًا من الأيام عاملين صغارًا عند إحدى مؤسسات القطاع الخاص، ومن خلال هذه المؤسسة كان التدريب الذي حصلوا عليه ليقوموا بعمل مشابه في نفس التخصص ويتفوقوا ويبدعوا فيه.
طموح.. وتطور
وتعقيبًا على مداخلة تقول: إن التربية هي التي جعلت كل مصطلحات العمل الضخمة جدًا تنحصر في لفظة وظيفة، في حين أن الأمر خلاف ذلك، قال الشيخ سلمان: هناك بعض الأشخاص الذين يكون لديهم طموح، فتجدهم يبدءون حياتهم عصاميين ثم يتطورون ليصبحوا مصدرًا للإنجاز، بل ويقومون بتوظيف الآخرين، فهم ليسوا فقط يستغنون بذاتهم وإنما ربما يكونون سببًا في توظيف عشرات بل آلاف من الشباب.
وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلًا: لقد قرأت أمس في مجلة فواصل مقابلة مع الأستاذ ناصر الطيار، حيث ذكر أنه في بداية عمله كان راكبًا على سيارة، وكان الغبار يدخل في فمه وخيشومه وعيونه وهو في الطريق، ولكنه في النهاية أصبح متخصصًا في السياحة والطيران، كما عمل فترة في الخطوط.
مثالية.. وواقعية
وردًّا على سؤال يقول: كم عدد الذين يقولون إنهم مظلومون، مع أنهم مميزون وقائمون بأعمالهم خير قيام؟ فالكل مظلوم ومضطهد، فمن الظالم إذًا؟ قال الشيخ سلمان: إن الإنسان بطبعه متذمر، ولذلك لابد من الشكر وقراءة الإنسان للنعم والأشياء الموجودة عنده، وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «انْظُرُوا إِلَى مَنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلاَ تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَنْ لاَ تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ»، وهذا معنى مهم جدًا.
وأضاف فضيلته: إنه يجب على الإنسان أن يدرك أنه ليس هناك مثاليات في نهاية المطاف، فالذي يبحث عن المثاليات لن يحصل عليها لأنه هو نفسه غير مثالي، وذلك لأن المثالية التي تبحث عنها لن تجدها في بيتك أو أسرتك،كذلك فإنك لن تجدها في ميدان العمل، ولن تجد هذا مع أصدقائك الخلّص، ولذلك فإن الواقعية ومراقبة الذات مطلب، وأن يكون الإنسان منصفًا من نفسه، وفي الوقت ذاته فإن هذا لا يمنع أبدًا أن يكون هناك انتقاد لبعض الممارسات الخاطئة، كما ذكرنا في بيئة العمل.
الصبر مطلوب
وأردف الدكتور العودة أنه إذا أدرك الإنسان أن هذه البيئة غير مناسبة له لأن فيها أوبئة تنتشر، فإنه يجب على الإنسان أن يكون حكيمًا وحصيفًا، وذلك بدلًا من المصادمة أو الاستقالة من العمل دون تخطيط، وأن يعتبر الإنسان أن هذه بمثابة فرصة لأن يتعود على الصبر والإبداع والإنجاز، وأن تكون جزءًا من السيرة الذاتية التي يكتبها يومًا من الأيام، فمن المهم أن يعوّد الإنسان نفسه على الصبر، حتى لو كانت البيئة غير مشجعة، بينما يبحث هو عن بدائل.
وضرب فضيلته مثالًا لذلك، قائلًا: إنه إذا تقدم شخص للعمل في وظيفة ما، ثم وجد صاحب هذه الوظيفة أن هذا الشخص عمل في هذه الشركة أربعة أشهر، ثم عمل في شركة أخرى شهرين، ثم في شركة ثالثة لمدة سنة، فإنه سوف يتساءل: لماذا هذا الإنسان سريع التنقل؟ وهل هو ليس عنده الجلد والصبر على العمل؟ أم عنده مشكلة بحيث يتم الاستغناء عنه مرة بعد أخرى؟
عملة نادرة
وتعقيبًا على مداخلة تقول: ليس مهمًا أن تفعل ما تحب، لكن المهم أن تحب ما تفعل، قال الشيخ سلمان: نعم، الحب يُصنع، مشيرًا إلى أن البعض قد يجبر على الالتحاق بعمل أو وظيفة معينة، وعلى سبيل المثال، فلقد قال لي شاب قبل أسبوع: إن والدي أكرهني أو ألحّ عليّ أن التحق بكلية لا أرغب بها. فكان من نصيحتي له أن المشكلة تكمن في أن الإنسان دائمًا يحشر نفسه في تخصص وكأنه لا يمكن أن ينجح إلا من خلاله.
وأضاف فضيلته: إنه قد يكون هناك تخصص رديف أو قريب منه أو يشبهه أو يكون هذا تخصصًا ثانيًا لك يومًا من الأيام حتى بعد التخرج، فيمكن أن تعود إليه، حيث يوجد اليوم ما يسمونه بالتخصص المزدوج، فقد يكون الإنسان متخصصًا في الشريعة والاقتصاد، أو الإعلام والشريعة، أو اللغة إنجليزية والأدب، وبالتالي قد يكون عملة نادرة في المجتمع.
صناعة الحب
وأوضح الدكتور العودة أن صناعة الحب للدراسة أو للعمل الذي يمارسه الإنسان أو للحياة هو شيء نستطيع أن نصنعه نحن، وذلك حتى لو لم يكن موجودًا في البداية، فليس كل الحب هو شعور مفاجئ يهجم علينا بدون إنذار، ولكن هناك قدر من الحب يحصّل من خلال العلاقة الدافئة بيننا وبين هذا العمل، وعلى سبيل المثال فإن الإنسان قد يعود نفسه على القراءة ويسوس نفسه سياسة حكيمة، ويختار الكتاب المناسب والوقت المناسب، ثم يبدأ يستشعر أثر هذه القراءة على شخصيته ومعلوماته، ومع الوقت يصبح هذا حبًا وإلفًا لي.
وتابع فضيلته: وهكذا العمل، فالإنسان قد لا يحب عمله في البداية، لكن عليه أن يحبب هذا العمل إلى نفسه، من خلال استخدام آليات وتقنيات وبناء علاقات، مشيرًا إلى أن هذا ليس أمرًا مثاليًا، لكنه يتطلب الصبر والاستفادة من خبرات الآخرين الذين في العمل من حولك، وأن يتعلم الإنسان كيف يستفيد منهم؟ وكيف يسألهم؟، وكذلك من خلال القدرة على تطوير الذات، وألا يعتقد أنه إنسان متكامل، ولكن عليك أن تعي أنك في بداية الطريق، حتى لو كان عمرك ستين أو سبعين سنة فأمامك مشوار طويل لتطوير الذات.
الإغلاق وقت الصلاة
وفيما يتعلق بتقرير الحلقة، والذي تحدث عن إغلاق المحلات أثناء أوقات الصلاة مما يشكل خصوصية محلية سعودية هناك من يؤيدها، كما أن هناك من يعارضها، قال الشيخ سلمان: إن الإغلاق، مثلما سمعنا من بعضهم، يساعد الإنسان على أداء الصلاة، والاستعداد لها، والوضوء، وغير ذلك، وخاصة أنه الآن في كثير من الأسواق وغيرها، بل تكاد أن تقول في كل الأسواق هناك مساجد مخصصة، كما أن هناك أقسامًا للنساء وأقسامًا للرجال يمكن للناس أن يتجهوا إليها مما يشكل مظهرًا إيجابيًا.
وأضاف فضيلته: لكن فيما يتعلق بالمحلات الموجودة في الطرقات السريعة، مثل: المحطات أو بقالات أو غيرها التي يحتاج المسافرون إليها، فإن المسافر عنده ترخيص في الجمع بين الصلاتين وغير ذلك، وأحيانًا جلوسه لينتظر ليس له معنى، وكذلك بعض الأشياء التي قد تمسّ حاجة الناس بشكل فوري، مثل بعض الصيدليات أو مستشفيات أو ما أشبه ذلك من الحالات والأقسام التي تأخذ طابعًا أشبه بالطوارئ، فإن مثل هذه الأشياء يمكن أن ينظر فيها.
التعميم مرفوض
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك يقول: إن بعض المسئوليات الوظيفية أصحابها ليسوا أهلًا لها، قال الشيخ سلمان: إنني أؤكد على أهمية "بعض"، لأن هذا الكلام قد يُفهم منه التعميم، فالمسئول في المكان الخطأ موجود بالتأكيد، وهذا من علامات الساعة: «إِذَا وُسِّدَ الأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ»، ولكن هناك أيضًا مسئول في المكان الصحيح.
مجاملات.. ولكن
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك، يشكو من تعامل مديري المعاهد العلمية مع العاملين بها، قال الشيخ سلمان: لقد كنت يومًا ما مدرسًا في معهد بريدة لمدة أربع سنوات، وكانت المعاهد آنذاك تغلق الأبواب على الطلاب، حيث كانت أشبه بثكنة عسكرية آنذاك
وأضاف فضيلته أن طول بقاء المدير في منصبه يعد مشكلة، فقد يستمر المدير مدى الحياة، وربما تتغير الظروف، ويظل هذا المدير باقيًا موجودًا جاثمًا، بينما يمكن أن يتقاعد، أو ينتقل إلى معهد آخر، ولكن ذلك ربما يرجع إلى المجاملات ومراعاة خاطر هذا المدير أو ذاك، وربما يكون أستاذًا لي يومًا من الأيام، لكن أهمية العمل أولى من مراعاة شخص معين.
دعوة للتجديد
وفيما يتعلق بأن هناك من يرى أن الدعوة إلى التجديد وإحياء دماء شابة في التعليم أمر ضروري، قال الشيخ سلمان: هذا صحيح، مشيرًا إلى أهمية مراعاة مشاعر الطلاب، والتغيير، مذكرًا بقصة عمر -رضي الله عنه- عندما شكا أهل البلد أحد الأمراء وقالوا إنهم لا يريدونه، فكان عمر يقول لبعض ولاته: نعم ما تكسب به قلوب الناس، لو أرادوك أن تجعل لهم كل يوم أميرًا فاجعل لهم كل يوم أميرًا، فليس ما في البلد إلا هذا الولد.
لقد تركت الإسلام؟!!
وتعقيبًا على مداخلة من مشارك يقول: إن كثيرًا من الشباب حصل عندهم شك في الدين بسبب بعض آراء بعض العلماء المتشددين، وكان هو واحدًا منهم، ويرى أن الحل يكمن في الخطاب الوسطي المعتدل، قال الشيخ سلمان: إنني عندي معلومات واطلاع على عيّنة من هؤلاء الشباب الذين حصل لهم ذلك، بل إن عددًا من هؤلاء الشباب يتواصلون معي وأتحدث معهم أحيانًا، ونتناقش حول بعض هذه القضايا.
وأعرب فضيلته عن تحفظه على كلمة "أنا تركت الإسلام"، مشيرًا إلى أن هناك من يعيش صدمة عندما يذهب إلى أمريكا، وليس عنده ثقافة أو إعداد مسبق وتهيئة نفسية، ولا يكون في أمريكا جولات مستمرة لأناس يمكن أن يثبتوا إيمانه، وبالتالي تحدث عنده صدمة، ويستمع إلى أشياء كثيرة جدًا، فيكون من جراء ذلك الإحساس بأنه فقد إيمانه أو جزءًا من ذلك، فقد يكون إحساسًا نفسيًا أكثر منه قناعة عقلية.
وأردف الدكتور العودة أن الشاب الذي مكث في الغرب لشهور ، فإن هذا ليس كافيًا أن يصبح عنده معلومات معينة أو رؤية أو قناعة، ولكن قد يحدث ذلك نتيجة مجموع مؤثرات عقلية ونفسية واجتماعية، مما يؤكد على أهمية متابعة المبتعثين، لافتًا إلى أن فضيلته سيقوم بعد أسبوعين بجولة إلى المبتعثين في كندا وبريطانيا، حيث سيكون لنا لقاء مع الطلاب هناك.
وتابع فضيلته إن الإنسان لابد أن يكون عنده صبر، حتى تتولد لديه قناعة حقيقية، ويشعر بمعنى أجمل للإيمان من ذلك المعنى الموروث الذي أخذه عن أسرته.
الطرح المعتدل لا يمكن اختزاله في شخصي
وفيما يتعلق بأهمية الطرح المعتدل، قال الشيخ سلمان: إن الطرح المعتدل ليس حكرًا عليّ أو على أي شخص آخر، فلا يجوز أن يكون شخص ما هو رمز الوسطية أو دليلها، ولكن هناك الكثيرون ممن يكون طرحهم معتدلًا ومتزنًا، وهم وقاية من التطرف المؤدي إلى العنف والإرهاب، كما أنهم وقاية من التطرف المؤدي إلى الإلحاد والنكوص عن قيم الدين وأخلاقياته.
وأعرب فضيلته عن أمنيته في أن يكون في الواقع تواصٍ بمثل هذا الطرح المعتدل بين الدعاة، فضلًا عن التواصل، وأن يكون هناك دعاة يسعون إلى تأييد مثل هذا الأمر، أو إيصاله، على الأقل، للمحتاجين إليه، خاصة من أمثال هؤلاء الشباب الذين يدرسون في الغرب.
وقال الشيخ سلمان: هناك الكثير من الشباب والبنات يقولون لي: إن كثيرًا من الشباب غافلون أو ضائعون في الشهوات والمغريات والسهرات أو في السفر، ويحتاجون إلى من يخاطب قلوبهم وأرواحهم ويذكّرهم بالله -سبحانه وتعالى- ويعيد إليهم الإيمان والعبادة