فريدة أحمد
ارتفع معدل تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بين الأطفال بشكل كبير خلال الـ20 عاما الماضية. وفي حين يعد التقدم في أدوات وأساليب التشخيص أحد أهم أسباب ارتفاع معدل كشف الإصابة، كشفت دراسات علمية أن الأطفال الذين يلتحقون بالمدرسة مبكرا ويحضرون مع أقرانهم الأكبر سنا في صف الدراسي واحد أكثر عرضة للتشخيص بالإصابة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه بنسبة 30%.


ماذا يعني اضطراب فرط الحركة؟
بحسب "مراكز السيطرة على الأمراض" (CDC) الأميركية، يعد اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط أحد أكثر اضطرابات النمو العصبي شيوعا في مرحلة الطفولة. عادة ما يتم تشخيصه لأول مرة في مرحلة الطفولة، وغالبا ما يستمر حتى مرحلة البلوغ.
وقد يعاني الأطفال المصابون باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه من صعوبة في الانتباه والتحكم في السلوكيات الاندفاعية، أو يتصرفون من دون تفكير في النتيجة، أو يكونون مفرطين في النشاط.
المدرسة والصحة العقلية
وجدت دراسة من جامعة ستانفورد -تحت عنوان "هبة الوقت.. سن بدء المدرسة والصحة العقلية"- أن الأطفال الذين انتظر آباؤهم تسجيلهم في رياض الأطفال في عمر 6 سنوات بدلا من 5 حصلوا على درجات أفضل بشكل ملموس في اختبارات ضبط النفس عندما وصلوا إلى عمر 7 سنوات حتى 11 عاما.
وأكدت الدراسة أن التأخير لمدة عام في بدء المدرسة يقلل بشكل كبير من اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط.
في فنلندا حيث من المألوف أن يبدأ الأطفال التعليم الرسمي في عمر 7 سنوات، يقضي كثير من الأطفال طفولتهم إما في المنزل أو في رياض الأطفال، حيث يكون التركيز الأكبر على وقت اللعب والمهارات الاجتماعية، وفقا لـ"المنتدى الاقتصادي العالمي" (World Economic Forum).
ويبدو أن ذلك النهج يؤتي ثماره، حيث تعد فنلندا من أفضل الدول أداء في تصنيفات "البرنامج الدولي لتقييم الطلبة" (PISA) السنوية، ويعتبر ذلك البرنامج دراسة عالمية من قبل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
في مصر، كما في معظم الدول العربية، يبدأ سن الالتحاق بالمدرسة "رياض الأطفال" في عمر 4 سنوات، وفي المدارس الخاصة والدولية يكون أبكر.
ومع ذلك، لا تعنى رياض الأطفال في مصر بالتركيز على اللعب أو المهارات الاجتماعية، بل بالتركيز على التعلم وأداء الواجبات المدرسية المطولة.
تحكي فاطمة محمد -في الثلاثينيات من عمرها- عن رحلة تشخيص طفلها في عمر 4 سنوات و7 أشهر باضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه إضافة إلى طيف التوحد، قائلة "التحق طفلي بالمدرسة في عمر 4 سنوات و3 أشهر، في كيه جي 1 (KG1) بإحدى مدارس اللغات، وفوجئت بعد 4 أشهر بطبيبة المدرسة تحدثني وتود مقابلتي".
تكمل فاطمة أنها ذهبت إلى المدرسة والتقت الطبيبة التي أخبرتها أن طفلها يعاني من طيف التوحد وفرط حركة وتشتت انتباه واضح.
وقع الحديث على فاطمة كالصاعقة، ولم ترشدها الطبيبة إلى شيء، فقط ألقت الكلمات في وجهها وانصرفت.
بدأت فاطمة التحرك على الفور، فذهبت إلى طبيب نفسي، ومنه لمستشفى عام لإجراء اختبار الذكاء، ومنها لطبيب تعديل سلوك، ثم أخصائي تخاطب، لتكتشف بعد رحلة استغرقت 8 أشهر أن طفلها معافى ولا يعاني من أي شيء.
تقول فاطمة "كان اختبار الذكاء مرتفعا، والطبيب النفسي أخبرني أنه لا يوجد به شيء، وتعديل السلوك أكد لي أنه طبيعي 100%، فقررت العودة لتلك الطبيبة بعد 8 أشهر لأسألها كيف جاءت بذلك التشخيص"، فقالت بنبرة واثقة "أداؤه في الصف مختلف عن أقرانه، إذ يتحرك كثيرا مقارنة بباقي الأطفال وغير ملتزم بقواعد الصف".
الأعراض
من الطبيعي أن يواجه الأطفال صعوبة في التركيز والتصرف من وقت لآخر، لكن الأطفال المصابين باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه لا يستطيعون التخلص من هذه السلوكيات، فتستمر الأعراض ويمكن أن تكون شديدة وقد تسبب صعوبة في المدرسة أو في المنزل أو مع الأصدقاء.
وهناك عدد من الأعراض التي تشير إلى أن الطفل قد يكون مصابا باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، بحسب "مراكز السيطرة على الأمراض الأميركية"، ومنها:
النسيان المتكرر
التشنج أو التململ
التحدث كثيرا ومقاطعة الآخرين
ارتكاب أخطاء متهورة أو تحمل مخاطر غير ضرورية
الصعوبة في مقاومة الإغراء
صعوبة في الانسجام مع الآخرين
محاولات الهروب من المنزل
عدم القدرة على الالتزام بالروتين أو الجلوس لفترات طويلة
اختلاف السن واختلاف السلوك
لم تتوقف فاطمة عند التشخيص الخاطئ ولم تكتف بالتشخيص الصحيح، لكنها قرأت حول ذلك المرض والأعراض والتشخيص، وخلصت إلى نتيجة لم تكن تعرف أن العلم أثبتها بالدراسات والأبحاث.
تقول فاطمة "الأساس الذي جعل الطبيبة تشخص طفلي باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه هو مقارنته بأقرانه في الصف، وحين تواصلت مع أمهات الأطفال الآخرين وجدت أن تلك الطبيبة أخبرت 3 أخريات بالتشخيص نفسه عن أطفالهن"، وتواصل فاطمة أن "الـ3 أطفال الآخرين كانت أعمارهم تتراوح بين 4 سنوات و4 أشهر إلى 4 سنوات و6 أشهر، في حين أن الأطفال في باقي الصف تزيد أعمارهم على 4 سنوات و6 أشهر حتى 5 سنوات وشهرين، فكيف يمكن أن تكون المقارنة عادلة؟"
بالفعل، يعد العمر النسبي للأطفال في سن المدرسة من الموضوعات البارزة التي تثير القلق بشأن التشخيص الخاطئ بين الأطفال في الإصابة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
ووفقا لدراسة بعنوان "التشخيص الخاطئ لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه: السلوك الطبيعي والنضج النسبي" منشورة على "المركز الوطني لمعلومات التكنولوجيا الحيوية" (NCBI)، يمكن للأطباء أن يخطئوا في تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه عند الأطفال بسبب سنهم، فالأطفال الذين يلتحقون بالمدرسة في سن أصغر يحصلون على تشخيص اضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه.
وتشير الدراسة إلى أنه إذا بدأ الطفل المدرسة بعد أن بلغ 5 سنوات مثلا في حين أن عمر بعض أقرانه أقرب إلى 6 سنوات، فهناك فرق تقريبي بنسبة 20%.
وأشار بحث آخر لمجموعة من الباحثين في كلية الطب بجامعة هارفارد -تحت عنوان "الأطفال الذين يبدؤون المدرسة قبل عام واحد أكثر عرضة للإصابة باضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه"- إلى أن الأطفال الذين تختلف أعمارهم داخل الصف الواحد حتى بأشهر قليلة، قد يجدون صعوبة أكبر في الجلوس والتركيز لفترات طويلة، وهذا التململ الإضافي قد يؤدي إلى إحالة طبية يتبعها تشخيص وعلاج لاضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه للطفل الأصغر سنا بنسبة 30% مقارنة بالأطفال الأكبر سنا.
وأكد البحث المنشور على "ساينس ديلي" (Sciencedaily) أن ما قد يكون سلوكا طبيعيا لدى طفل يبلغ من العمر 6 سنوات قد يبدو غير طبيعي نسبيا بالنسبة لسلوك أقرانه الأكبر سنا في الصف الدراسي نفسه، وأن اختلاف العمر 11 أو 12 شهرا يمكن أن يؤدي إلى اختلافات كبيرة في السلوك.
المصدر : مواقع إلكترونية

JoomShaper