مر واحد وثلاثون عامًا على التحاقي بالعمل الاجتماعي، حيث بدأته وأنا ابنة السابعة عشرة فعملت بالصحافة، وشاركت بإيجابية في العديد من الأنشطة الثقافية والاجتماعية، وأصبحت مستشارة اجتماعية في العديد من المواقع والهيئات، وأصدرت كتبًا عديدة تهتم غالبيتها بالنساء والبنات، وتحترم معاناتهن، وتأخذ بأيديهن برفق بالغ وحب شديد واحترام هائل وتعاطف واعٍ نحو أحقية المرأة في الفوز بحياة رائعة تنعم فيها بكل حقوقها، وتتنفس الاعتزاز بنفسها، ولا تدفع فواتير الألم (المنهكة) والتي تسرق منها سلامها النفسي وصحتها الجسدية، بل وجمالها أيضًا.

وتأكدت عبر رحلتي الطويلة أن المرأة المسلمة (مستهدفة) منذ سنوات وتضاعف هذا الاستهداف مؤخرًا؛ لسرقة أعمارها ولحرمانها من الاستمتاع بمباهج الحياة و(إقحامها) في معارك (ضارية) تستنزف منها طاقاتها وتجعلها (حبيسة) الإحساس بالاضطهاد.

والمؤكد أن أبشع إحساس في الكون هو إحساس المرء بأنه ضحية لظروف تقهره؛ لأن هذا يسلبه تنفس الحياة (بكرامة) ويحرمه من تحسين ظروفه قدر الاستطاعة، ويحرمه الإحساس بالرضا، وبدونه يتسرب (السخط) إلى نفس الإنسان، فيخسر صحيًّا ونفسيًّا ويرشحه للشقاء الديني أيضًا.

تواجه المسلمة حاليًّا أشد أنواع الفتن قسوة على مر العصور، ولكنني أثق برحمة ربي بنا، ثم أُلِحّ بالدعاء حتى يحمينا عز وجل من فكَّي الحصار الضاري الذي يريدون إلقاءنا فيه، أي الشعور بالاضطهاد أو التضليل أو ربما الغواية إذا أردنا المزيد من الدقة.

لا أهدف من خلال هذا المقال الوقوف على المغالطات واللغط الكثير الذي نسمعه و نشاهده و نعيشه في يومياتنا العربية، حتى أصبحنا نتحدث عن أزمة المرأة و محنتها و ظلامتها، بينما الأزمة ذات صلة بمجتمع و بمنظومة ثقافية سائدة بين العرب، ثم إن  الاستقراء الكبير و الدقيق لمشاكل اجتماعنا يوحي أن المرأة –الإنسان فرطنا في حقوقها و إنسانيتها –بالأخص-، حتى ظننا أنها عنوان ثانوي في الاجتماع وحاولنا الاحتجاج بلي النصوص بما يتوافق و عصبياتنا البليدة، لكنها في الأصل هي المنطلق و الحاضن الأساسي لنشأة أي مجتمع حضاري و سليم مثلها مثل الرجل...

و المرأة يقرؤها الغالب الأعم في واقعنا العربي قراءة جنسية بعيدة عن نظرة الإسلام لها، فالشباب و الشابات اليوم لو سألناهم عن نظرة الإسلام للمرأة لأحتار الجميع ولو قيل لإنسان مسلم بسيط  تحدث لنا عن المرأة في الإسلام، لتحدث طويلاً ومَلياً لكنه لن يأتي - إلا من رحم الله - بالقواعد الضابطة والملامح الراسمة للمرأة في القرآن الكريم و السنة المطهرة الصحيحة ، لذلك ومنذ أكثر من سنة  حضرت رفقة صديق جلسة فكرية حول المشاكل الاجتماعية في واقعنا العربي، فتعجبت من تحليل أحد المثقفين الإسلاميين، بأن السبب الرئيسي هي المرأة و لولا اندماجها في الحياة العامة و تدخلها في الشؤون العامة من سياسة(الترشح) و اقتصاد وثقافة وتعليم وإعلام وحتى المسائل الدينية و سياقة السيارة ووو....، لما تخلفت مجتمعاتنا و زاد الفساد فيها.... !


تكتنف قضية المرأة اليوم شعارات برّاقة , وأصوات مزيفة , تقودها دعوات هدامة , منساقة لنداءات الشيطان وأعوانه....أفكار متضاربة متناقضة , تتناطح كل يوم, عبر شاشات التلفاز والإذاعات , وفي النوادي والمجتمعات.., لكنها رغم تناقضها تجتمع حول محور واحد , ألا وهو هدم الإسلام والقضاء عليه , عن قصدٍ أو غير قصد...فمن قائل يقول : إن المرأة لم تخلق إلا لتطيع زوجها , وتربّي أولادها , وتخدم بيتها , وأن ليس لها من بيتها خروج إلا مرتين , إحداهما من بيت أهلها إلى بيت زوجها, والثانية من بيت زوجها إلى مثواها الأخير, مستقلّة نعشاً يحملها, وهي تقول :يا    قارئاً    كتابي       ترحّم  على  شبابيبالأمس كنت  بينكم       واليوم تحت الترابوهذه الفئة أناس متحجرون , وقد أعمى الجمود والانغلاق أعينهم عن رؤية الحق والحقيقة , فراحوا ينسبون إلى الإسلام ما هو منه براء , من تحجيم لدور المرأة , ومنع لتعليمها , وتغاضٍ عن رأيها , بحجة أنهن ناقصات عقل ودين , وهم يظنون أن لهم على ما يدّعون أدلة وبراهين , ويتذرعون بقول الله تعالى :( وقَرن في بيوتكن ولا تبرَّجن تبرج الجاهلية الأولى) - سورة الأحزاب الآية 33 -وبالحديث الشريف الذي رواه سيدنا علي كرم الله وجهه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي شيء خير للمرأة ؟ فسكتوا, فجئت فقلت لفاطمة : أي شيء خير للنساء ؟ قالت : ألّا يراهن الرجال. فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : إنما فاطمة بضعة مني [أخرجه البزار في مسنده : 2 / 160]وفي مقابل هذه الجموع المنغلقة على جمودها , والتي رضيت بفهمها الأعوج لتلك الأحكام , وتطبيقها الأرعن لتلك المفاهيم , ظهرت في الاتجاه المعاكس مجموعة أخرى , راحت تنادي بالتحرر من هذه القيود حتى الانفلات , بحجة أن كل ما هو قديم تخلّف وانحطاط , وكل ما هو وليد القرن العشرين تحضر وارتقاء.فأصبح الحجاب عندهم عائقاً يمنع المرأة من ممارسة دورها في المجتمع , وأصبح الالتفاف إلى أمور البيت والزوج والأولاد وأداً للمرأة وهي على قيد الحياة , أما التزام الأدب والاحترام في التعامل مع الأزواج , فأصبح عندهم ذلاً وعبودية ,

عرضت قضية المرأة في المجتمع الاسلامي بعد عصر الراشدين الى مفهومات وممارسات ابتعدت بها عن معطيات المصادر الاولى للاسلام المتمثلة بالقرآن الكريم والسنة المشرفة ، واختزل دور المرأة في قوله تعالى مخاطبا نساء الرسول صلى الله عليه وسلم «وقرن في بيوتكن» وزاد الامر اختزالا كثرة الاحاديث الضعيفة والمكذوبة على رسولنا صلى الله عليه وسلم ، وهي في معظمها تكريس لتقاليد ومراسيم لا علاقة لها بالدين.

وفيما يرى البعض ان ثمة هجمة تغريبية تقف وراء تصدير المرأة كقضية ومشكلة ، وتحاول من خلالها تفكيك بنى المجتمعات الاسلامية وتغريبها ، يرى اخرون ان الخطاب الاسلامي المعاصر تجاه المرأة ما زال عاجزا عن تقديم رؤية اسلامية صحيحة لمكانة المرأة ودورها ، فالخوف على المرأة او منها ، ومن ثم التركيز على حمايتها جعل هذا الخطاب مثقلا بكثير من المحاذير والاحتياطات التي ربما عطلت المرأة عن القيام ببعض ادوارها في المجتمع ، وحولتها الى مجرد «الكترونات» تدور حول نواة «الرجل» على مستوى الافكار والممارسات ايضا.

كان التفاعل في ألمانيا مع جريمة درسدن التي سقطت مروة الشربيني رحمها الله ضحية لها، تفاعلا يلفت النظر بخطورته.. وتكشف متابعته خلال الأسبوعين الأولين كيف كان يتبدل مرحلة بعد أخرى، رغم قصر المدة نسبيا:

المرحلة الأولى: بقيت حقيقة الجريمة غائبة أو موضع التجاهل السياسي في ألمانيا لعدة أيام بعد مقتل مروة الشربيني رحمها الله، وبقي الإعلام يتحدث عنها كخبر هامشي من أخبار عالم الجريمة.. فقط.

المرحلة الثانية: وصلت إلى ألمانيا الأصداء الأولى لانتشار الغضب الواسع النطاق في مصر خاصة.. فبدأ الحديث بصيغة التساؤل.. هل كانت الجريمة معزولة عن سواها، من صنع فرد، نتيجة شجار في ملعب أطفال، أم أن لها بعدا عنصريا؟..

المرحلة الثالثة: بدأ تدريجيا ربط الحديث عن الجريمة بذكر الخوف المرضي من الإسلام، وخطورته، ومشاعر العنصرية ضد المسلمين، وإفرازاتها، وتزامن ذلك مع اقتران التعبير الجماهيري عن الغضب في مصر وسواها، بمشاعر النقمة تجاه ألمانيا تحديدا، وانتشار مقولة "شهيدة الحجاب"، وكذلك مع تواصل متابعة القضية في وسائل إعلام عربية، وإبراز خلفيتها البالغة الخطورة.

المرحلة الرابعة: مضت أيام أخرى بعد مواراة جثمان الضحية في التراب، ووصلت الاحتجاجات إلى بلدان إسلامية عديدة، وتصدرت القضية عددا من الفضائيات العربية، ثم كان يوم التأبين بتنظيم الطلبة المصريين في جامعة درسدن مع بعض الجهات غير الرسمية الألمانية.. فشارك في التأبين مسؤولون رسميون من الدرجة الثانية والثالثة!..

رغم ذلك كله لا يزال يوجد من يحاول تصوير ردود الفعل الرسمية الألمانية وكأنها لم تتأخر، ولم تكن ناقصة، ولا غبار عليها.. وليس هذا صحيحا!..

JoomShaper