د. خلود جرادة
العائلة ، هي ذلك المرج الذي يسرح فيه القلب على هواه ، ذلك الضوء الذي يتسلل إلى الضلوع وشغاف الروح فيبدد عتمتها. العائلة .. هي الهاجس الذي يسكنني ، يحيك تفاصيلي على مهل ، كما حاكها منذ الزمن البعيد ، يدوزن نبضات قلبي على نغمات الحياة بكل زرقتها وخضرتها وألوانها البهيجة ، يخلق لي جناحين من شغف ، أطير بهما إليّ فلا أحب الخروج مني .
كيف أصف إحساسي بهذا الهاجس؟ كيف أستطيع لمس ذلك الضوء الذي يبدد عتمة كل شيء ؟ كيف أستطيع هدهدة ذلك الحنين الذي يخرجني عن مداري ، فأجدني أدور في

دوائر الطيف والحب والشغف والترقب ؟ لا أعرف .
ثمة حياة أخرى أعيشها في مدار العائلة ، حياة في عالم من البياض الصافي ، عالم محاك من الأصوات التي تأخذ شكل الملامح التي أحببت ، عالم من الروائح التي يزهر بها جسدي ، جسدي الذي يحب ابني الصغير أن يلتصق به ليقول : رائحتك حلوة ، فأهمس إليه بأنها رائحة أمي وأبي وحكايات جدتي ، ومشاكسات أخوتي ، وتلال العشب الأخضر التي كنا نلعب عليها ، تلك التي أختزنها في مساماتي .
ثمة حياة أخرى أعيشها على تلال من التذكر ، هناك ، حيث رطوبة الغسيل ورائحة الصابون وزرقة قرص الزهرة ( النيلة ) ، التي كانت تتحول على الغسيل إلى بياض ناصع كقلب أمي ، ومن صرير الباب وأنين النافذة الصدئة ، من أصوات الصحون والملاعق ، من صوت الملعقة تدور وتدور في كوب شاي أبي ، من صوت أخوتي يتنازعون على الحبة الأكبر من كل شيء ، وهم لا يعلمون أني قد وضعتها جانبا خلسة عنهم واحتفظت بها لنفسي ، من أسنان مشط العظم الأبيض الذي كنا نصيح من أسنانه الحادة وهي تخترق شعرنا .
ثمة حياة أخرى تحاك لي في عالم لم أشهده بعد ، عالم بعيد عني ، غير مرئي ولا مفهموم ، عالم من عناقيد تتدلى من الفرح والشوق والهدهدة ، عالم أتخيله من خيوط ذلك النسيج الذي اشتركت في حياكته العائلة بكل مفاهيمها وأفكارها ، وحبّها وكرهها ، وفرحها وحزنها ، وفقرها وغناها ، وغضبها ورضاها ، وإقبالها وإدبارها ، وصفحها وعفوها ، وكل تناقضات هذه الحياة ، تلك التناقضات التي شكلتني فإذا بي على هيأتي وهيأتها معا .
كيف يحاك الماضي والحاضر والمستقبل من هذه التفاصيل الصغيرة ؟ كيف تستطيع هذه التفاصيل أن تجعلني أدور سعيدة جذلى في عالم الطيف والشغف والحنين ؟ كيف ترسم هذه التفاصيل الصغيرة ملامحي وعوالمي العميقة في داخلي ؟ فإذا بي لا أغادر تلك العائلة ولا أغادر شغبي ولا أناي ؟ ولا تناقضاتي ؟! حتى أنني لا أحب باب بيتي إذا لم يكن له صرير ، ولا نافذتي إذا شفيت من أنينها العذب .
العائلة تملي عليّ حكاياتي التي أقصها على أولادي دون ملل أو كلل ، يعيشون معي بشغف في عوالم التذكر والأصوات والألوان والروائح ، وأغزل معهم وبهم عالمًا من التذكر يعيشون فيه عندما يكبرون ، ونصعد معا تلك التلال في دواخلهم ، ونؤثث لعالم الضوء الأبيض الذي سيملأ حياتهم فيما بعد .
كم تخيفني فكرة ألا يحتفظ أولادي بوهج الذكريات في داخلهم ، يخيفني أن تغيب ملامح الأصوات من ذاكرتهم ، وأن يتوهوا عن تلك الروائح التي تحملهم إلى عالم من النور وفسحة المرج الأخضر ، هذا الخوف الذي يجعلني دائمة الترقب لكل اللحظات التي أعيشها معهم ، تجعلني لا أغادر تلالي ولا فسحة الضوء التي في داخلي ، فأتشبث بكل اللحظات الحلوة والمرة معهم ، أعيش معهم فرحهم وحكاياتهم البريئة البسيطة الساذجة والمهمة جدا بالنسبة إليهم ، أسمع باهتمام كبير لكل التفاصيل التي يسردونها ، وأتخيلهم يركضون إليها عندما يكبرون ، أحاول اقتناص كل اللحظات الجذلى والغاضبة بصحبتهم ، فإذا ما غادروها ذكّرتهم بها مداعبة ، بأن هذه خيوط من نسيج عوالمهم فيما بعد فليذكروه ، سيكون هذا ملاذهم ومأواهم حين يشفّهم الوجد والحنين .. أحاول أن أرسم في مخيلتي تلالهم التي سيسرحون إليها بعد حين ، عندما أكون أنا في ذلك العالم البعيد غير المرئي الذي لم أشهده بعد.
لا أستطيع الخروج من وهج العائلة ولا عوالمها البيضاء ، ولا أحب أن أعيش دون تلك الروائح والأصوات والضحكات التي تملأ روحي بحياة النسيم وبهجة المرج ، لا أستطيع العيش دون مأوى آوي إليه حين أرى العتمة تسيل من كل مكان ، لا أستطيع أن أعيش دوني مطرودة مني .

JoomShaper