د. عبدالعزيز بن فوزان الفوزان (المشرف العام)
باقة عطرة من النصائح الأَبويَّة الصادقة، الصادرة مِن قلوب مُحبَّةٍ مخلصة، ونفوس كريمة مُجرِّبة، وعقول حصيفة موفَّقة:
قال أسماءُ بن خارجةَ لابنته عندَ الزفاف[1]: يا بُنية، إنَّكِ خرجتِ من العشِّ الذي دَرجتِ فيه، إلى فراشٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألْفيه، فكوني له أرضًا يكنْ لك سماء، وكوني له مِهادًا يكنْ لك عمادًا، وكوني له أَمةً يكنْ لك عبدًا، لا تلحفي به فيقلاك[2]، ولا تباعدي عنه فيَنساكِ، إنْ دنا منك فاقربي منه، واحفظي أنفَه وسمعَه وعينَه، فلا يَشَمُّ منكِ إلاَّ طَيِّبًا، ولا يسمع إلاَّ حسنًا، ولا ينظر إلا جميلاً، وكوني له كما قلتُ لأمِّكِ:
خُذِي الْعَفْوَ مِنِّي تَسْتَدِيمِي مَوَدَّتِي وَلاَ تَنْطِقِي في سَوْرَتِي حِينَ أَغْضَبُ
وَلاَ تَنْقُرِينِي نُقْرَةَ الدُّفِّ مَرَّةً فَإِنَّكِ لاَ تَدْرِينَ كَيْفَ الْمُغَيَّبُ
فَإِنَّي رَأْيتُ الحُبَّ في الْقَلْبِ وَالأَذَى إِذَا اجْتَمَعَا لَمْ يَلْبَثِ الْحُبُّ يَذْهَبُ
وقالتْ أُمامة بنت الحارث التَّغلبيَّة لابنتها - لَمَّا أرداتْ إهداءها لزوجها – [3]: "أي بُنيَّتي، إنَّ الوصية لو كانت تُترك لِفَضلِ أدبٍ، أو مكرمة حَسَبٍ، لتَركتُ ذلك معكِ، ولكنَّها تَذكرةٌ للعاقل، ومنبهةٌ للغافل.
أي بُنيَّة، لو استغنتِ ابنةٌ عن زوج لغِنى أبويها، لكنتِ أغنى النَّاس عنه، ولكنَّا خُلقْنا للرِّجال، كما خُلِق الرِّجال لنا.
أي بُنيَّة: إنَّكِ فارقتِ الوطنَ الذي منه خرجتِ، وخلَّفت العشَّ الذي فيه درجتِ، إلى وكرٍ لم تعرفيه، وقرينٍ لم تألفيه، أصبحَ بملكه إيَّاكِ مَلِكًا عليك؛ فكُوني له أَمَةً يكنْ لكِ عبدًا، واحفظي له خلالاً عشرًا.
أمَّا الأولى والثانية: فالصُّحبة بالقناعة، والمعاشرة بحُسن السَّمع والطاعة؛ فإنَّ في القناعة راحةَ القلب، وفي المعاشرة بحُسن السمع والطاعة رِضا الرَّب.
وأمَّا الثالثة والرابعة: فالتعهُّد لموقع عينه، والتفقُّد لموقع أنفِه، فلا تقع عينُه منكِ على قبيح، ولا يَشَمُّ أنفه منكِ إلاَّ أطيب رِيح؛ واعلمي أنَّ الكُحل أحسنُ الحُسْن الموجود، وأنَّ الماء أطيبُ الطيب المفقود.
وأمَّا الخامسة والسادسة: فالتعهُّد لوقت طعامِه، والهدوء عندَ منامه؛ فإنَّ حرارةَ الجوع مَلهبَة، وتنغيصَ النَّوم مَغضبَة.
وأمَّا السابعة والثامنة: فالاحتفاظ ببيته وماله، والرِّعاية لحشمه وعياله؛ فإنَّ أصلَ حِفظ المال مِن حُسن التقدير، والرِّعاية على العِيال والحشم من حُسْن التدبير.
وأمَّا التاسعة والعاشرة: فلا تفشينَ له سِرًّا، ولا تَعصين له أمرًا؛ فإنَّكِ إن أفشيت سرَّه لم تأْمني غدَره، وإن عصيتِ أمره أوغرتِ صدرَه، واتَّقي مع ذلك الفرحَ إذا كان ترحًا، والاكتئابَ إذا كان فرحًا؛ فإنَّ الخصلة الأُولى من التقصير، والثانية من التَّكدير، وأشد ما تكونين له إِعظامًا أشد ما يكون لكِ إكرامًا، وأكثر ما تكونين له موافقةً أحسن ما يكون لكِ مرافقةً.
واعلمي أنَّكِ لا تقدرين على ذلك حتَّى تُؤثري هواه على هواكِ، ورِضاه على رضاكِ فيما أحببتِ أو كرهتِ، ثم ودَّعتْها وانصرفت.
[1] - تنبيه الغافلين، نصر بن محمد السمرقندي، ت373هـ؛ تحقيق: عبد العزيز محمد الوكيل، ط2، جدة، دار الشروق، 1401هـ.
[2] تهذيب سُنن أبي داود، شمس الدين محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية، ت751هـ؛ تحقيق: أحمد شاكر، ومحمد حامد الفقي، بيروت، دار المعرفة، 1400هـ.
[3] توجيهات وذكرى، د/ صالح بن عبد الله بن حميد، ط1، مكتبة الضياء، 1411هـ.
* *أستاذ الفقه المشارك بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والمشرف العام على شبكة قنوات ومواقع ومنتديات رسالة الإسلام
نصائح أبوية غالية للفتيات المسلمات
- التفاصيل