د.مسعود صبري
في بعض الأحيان يتناسى بعض الصالحين قيم الدين الذي انتسبوا إليه وتربوا عليه، فيتأثروا بشيء من أخلاق الظالمين الفاسقين، وتلك هي الخسارة الحقيقية، ذلك أن زاد الصالحين هو الإيمان والتمسك بالهدي النبوي القويم، والكسب والخسارة – في حقيقتهما- في الدين لا في الدنيا، فأمور الدنيا ليست مقياسا حقيقيا، والهزيمة الكبرى حين ينهزم الصالحون في أخلاقهم وقيمهم التي يعلمونها غيرهم، فإذا تشبهوا بهم من باب رد المثل بالمثل أو القصاص فهي سقطة أخلاقية ليست بالقليلة في حقيقتها.
وفي الحديث المتفق عليه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسولنا صلى الله عليه وسلم قال: " إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه ". قيل: يا رسول الله، كيف يلعن الرجل والديه؟ قال: " يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه".
وقد امتلأت ساحات الجدال - خاصة الالكترونية منها- عبر وسائل التواصل الاجتماعي بالسباب والشتائم ، وليس من الشريعة إذا سب رجل آخر، أو امرأة أخرى أن يرد عليه سبه وشتمه، بل يجب عليه أن يتحلى بأخلاق الإسلام من عفة اللسان وطهارة الكلام، وألا يكون قصده الانتقام ممن أخطأ فيه، لأنه يتحول من مظلوم إلى ظالم، ومن فاعل للخيرات والطاعات إلى مرتكب للآثام والمحرمات، وقد علَّم النبي صلى الله عليه وسلم أمته ورباها على العفة وطهارة اللسان، ودربها على ذلك كما ورد من حديث أبي هريرة – رضي الله عنه- "أن رجلا كان يشتم أبا بكر ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجب ويتبسم، فلما أكثر رد عليه أبو بكر قوله، فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقام فلحقه أبو بكر، فقال: يا رسول الله، يشتمني وأنت تبتسم فلما رددت عليه بعض قوله قمت! فقال: إنه كان معك ملك يرد عليه، فلما رددت عليه قوله وقع الشيطان ولم أكن لأقعد مع الشيطان. ثم قال: يا أبا بكر أثلاث، كلهن حق: ما من عبد ظلم مظلمة فيغض عنها لله- عز وجل- إلا أعز الله بها نصره، ولا يفتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة، ولا فتح رجل باب عطية لصلة أو هدية إلا زاده بها كثرة".

فهذا الحديث تدريب عملي لأبي بكر وللأمة من بعده، ألا ترد شتيمة شاتم ولا قبيح قول قائل، لأن المسلم حين يشتم فلا يرد على من شتمه، فليس هذا من باب الضعف، ولا الرد عليه من باب القوة، بل يتذكر المسلم أن الله تعالى يوكل له ملائكة يدافعون عنه، وإن رد فقد أفسح الطريق للشيطان أن يسيطر عليه ويغويه فيرد عليه فيأثم عند الله تعالى، كما أن عدم الرد على الفاسق الظالم يستجلب نصر الله تعالى لعبده المظلوم.

فالإسلام يربي المسلم على ضبط النفس، وألا تتحكم نفسه فيه، بل يتحكم هو فيها، فهو الذي يقودها وهي لا تقوده، وليست القوة في أن ترد الشتائم والسباب، بل ذلك ضعف في النفس، وضعف في الأخلاق، فالصالحون من أكثر الناس ضبطا لنفوسهم، فهم يستصحبون حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما ورد عن سعيد بن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ".

وصفة عملية لتجنب السباب:

1.    إذا سابك أحد أو شاتمك، فتذكر مراقبة الله تعالى لك، ولا تغضب لنفسك.

2.    قل له: غفر الله لي ولك وهو أرحم الراحمين.

3.    إن كنت تجادله كتابة، فلا تطل الحديث معه، وانهه معه بشكل لطيف.

4.    اختم كلامك معه بالدعاء الحسن له بقلب صادق.

5.    اذكر ما في كلامه من محاسن وأثن عليه.

6.    وإن كنت معه وجها لوجهه ذكره بالله تعالى، واطلب منه عدم النقاش في الموضوع المختلف فيه، وقل له: سل الله تعالى أن ينصر الحق وأهله، وأن يهزم الباطل وجنده، وأن يحفظنا من شرور أنفسنا.

7.    ادع له بظهر الغيب أن يهديه الله تعالى في صلاتك وخلواتك، واحتسب ذلك عند الله.

JoomShaper