د.مسعود صبري
يحلو لبعض الناس أن يقف دائمًا موقف المتأرجح بزعم أن يمسك العصا من المنتصف، فهو في كثير من المواقف يحب أن يظهر أنه مع كل الفرقاء المختلفين مهما كان اختلافهم ، حتى لو كان هذا الاختلاف يمس عقيدة الإنسان ، ويدعي – خطأ- أن هذه هي الوسطية، وأنه من الأفضل أن تكسب الجميع ، وأن يكون كل الناس عندك في درجة متساوية، وهذا خلل في الفهم، فوسطية الإسلام لا تعني أبدا أن يقف الإنسان في المنتصف دائمًا، لأن من أهم معاني الوسطية الحق والدفاع عنه، فإذا كان الخلاف بين الحق والباطل، فلا يجوز للإنسان أن يكون نصفه مع الحق ونصفه مع الباطل، بل لابد أن يختار أحد الأمرين، إما أن تنصر الحق، ويترتب على ذلك أن تجاهد الباطل، وإما أن تكون في صف الباطل، ويترتب عليه أن تحارب الحق..
إن تجزئة الحق نوع من النفاق ، وقد جعله القرآن الكريم نوعًا من المراوغة والخداع، بل جعله خداعًا لله ولرسوله ولدينه، لأن صاحبه يحاول أن يرضي الناس ولا يرضي رب الناس، يريد أن يكسب قلوب الخلق لا رضا الخالق، وقد رسم القرآن الكريم صورة أولئك الذين يجزئون الحق في أكثر من موضع، وأبان أنهم من شر خلق الله تعالى صنفًا، ولا يتصور ذلك الإنسان أنه حين لا يعادي الحق ويقف موقف المتفرج أنه من عباد الله الصالحين، أو أن فعله مقبول عند الله تعالى، وترسم الآيات القرآنية صورة ذلك الصنف من الناس بقول الله تعالى: { مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا} [النساء: 143]، فهو دائما متذبذب يميل هنا تارة وهناك تارة، وذلك هو الضلال بعينه.
وقد حاول المشركون قديمًا أن يجعلوا الرسول صلى الله عليه وسلم يجزئ الحق، فدعوه إلى أن يعبدوا الله سنة ويعبد هو آلهتهم سنة، جمعًا بين الأمرين، فنزلت سورة الكافرون ترفض تجزئة الحق وتبين أنه يجب المفاصلة بين أهل الحق وأهل الباطل، يقول الإمام النيسابوري في سبب نزول سورة ( الكافرون):
نزلت في رهط من قريش قالوا: يا محمد هلم فاتبع ديننا ونتبع دينك، تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة، فإن كان الذي جئت به خيرا مما بأيدينا كنا قد شركناك فيه وأخذنا بحظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيرا مما في يدك كنت قد شركتنا في أمرنا وأخذت بحظك، فقال: "معاذ الله أن أشرك به غيره"، فأنزل الله تعالى: {قل يا أيها الكافرون} إلى آخر السورة، فغدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المسجد الحرام وفيه الملأ من قريش، فقرأها عليهم حتى فرغ من السورة، فأيسوا منه عند ذلك. (أسباب النزول للإمام النيسابوري (ص: 467)
وقد أنكر القرآن الكريم على اليهود أنهم يأخذون ببعض ما في التوراة ويتركون أحكاما أخرى فيها، وهو ضرب من ضروب تجزئة الحق، فقال منكرا ومعاتبا على ذلك الموقف: {أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ . أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ } [البقرة: 85، 86].
إن على المؤمن أن يكون صادقا مع دينه وربه، وأن يكون صادقا مع نفسه، وأن يتخذ الموقف الذي يراه صائبا بما يدين إلى الله تعالى به، لا بما يراه الناس طلبا لحمدهم، وحفظا لنفسه من ذمهم، لأنه بهذا المسلك يبتغي وجه الناس لا وجه الله.
إن تجزئة الحق من الخطأ الذي يقع فيه العامة والدعاة إلى الله تعالى، حتى تندروا في أن شيخا سأله سائل في مجلسه أن كلبا بال على حائط، فقال له: يهدم؛ لأنه تنجس. فقال له: لكن يا شيخ هذا حائط بيتك، فقال: قليل من الماء يطهره !!.
خطوات عملية نحو التخلص من تجزئة الحق:
1- كن صادقا مع نفسك، ودربها على احترام وتقدير الذات.
2- قبل أن تنطق بتجزئة الحق سل نفسك: هل هذا الموقف مما يرضي الله تعالى أم يجلب سخطه؟
3- فكر كثيرا قبل أن تتكلم وتتخذ الموقف.
4- راجع نفسك فيما تقوله أو تتخذه من المواقف.
5- اعتذر عن الخطأ، فكما قال عمر – رضي الله عنه- " فالرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل".
6- اطلب ممن تثق فيهم تقييم مواقفك حتى تتعلم.
7- تشجع واعلن على الملأ أنك أخطأت في بعض المواقف، فهما مما يحمده الله ويحمده الناس.
8- تجرد لله تعالى، وابتغ بكلامك ومواقفك وجه الله تعالى.
الحق لا يتجزأ
- التفاصيل