القاهرة - ريهام عوض
يقول الله تعالى: {‏‏قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}‏‏ الآية ‏[‏النور‏:‏ 30-31‏]‏.. تنبهنا هذه الآيات إلى أن البصر من أعظم المنافذ إلى القلب، وتحمل أمرًا من الله تعالى لعباده المؤمنين بأن يغضوا من أبصارهم عما حرم عليهم، فلا ينظرون إلا إلى ما أباح لهم النظر إليه، وأن يغضوا أبصارهم عن المحارم، فإن اتفق أن وقع البصر على محرم من غير قصدٍ فليصرف بصره عنه سريعًا..
ويقول الإمام القرطبي -رحمه الله-: "البصر هو الباب الأكبر للقلب، وأعمر طرق الحواس إليه".. ولما كان النظر من أهم المنافذ إلى القلب، ولما كان إطلاقه بغير قيد أو ضابط يوقع الهوى في قلب صاحبه، لذا جاءت الآية الكريمة صريحة، بوجوب غض البصر عما حُرِّم عليه، سواء للمسلم أو المسلمة؛ لتحصينهما من الوقوع في شرك الفواحش والفتن، ويجنبهما الله تعالى عواقبه، وحتى إن وقع النظر على محرم من غير قصد، وجب على المسلم الحق أن يصرف بصره في نفس اللحظة سريعًا، كي لا يتمادى في النظر ويقع فيما هو محظور، لذلك جُعل الأمر بغض البصر مقدمًا على حفظ الفرج، فوقوع الفواحش يبدأ دائمًا بالنظر.

سهام إبليس
وقد ورد ذلك في السنة النبوية، فيقول صلى الله عليه وسلم:" اضمنوا لي ستًا من أنفسكم أضمن لكم الجنة: اصدقوا إذا حدثتم، وأوفوا إذا عاهدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واحفظوا فروجكم، وغضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم".. وهذا ما يؤكده رئيس لجنة الفتاوى الأسبق بالأزهر الشريف الشيخ عبدالحميد الأطرش، موضحًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى بغض البصر في حديثه الشريف: "إياكم والجلوس في الطرقات"، فقالوا: "يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بُدٌّ نتحدث فيها". فقال: "فإذا أبيتم إلا المجلس فأعطوا الطريق حقه". قالوا: "وما حق الطريق يا رسول الله؟" قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر"، فكما ورد في الحديث أن من بين حقوق الطريق غض البصر، فلا ينظر الإنسان إلى ما حرمه الله تبارك وتعالى، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث آخر: "النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه جل وعز إيمانا يجد حلاوته في قلبه"، وكما يقول الشاعر: "نظرة فابتسامة فسلام فكلام فموعد فلقاء، فالنظر بريد الزنا"، ومن هنا أمر رسولنا صلى الله عليه وسلم بغض البصر رجالًا ونساءً لأن الفتنة مشتركة، فكما يخاف الافتنان بها تخاف الافتنان به، وقد ورد من السنة حديث نَبْهَان مَوْلَى أُمّ سَلَمَة عَنْ أُمّ سَلَمَة، أَنَّهَا كَانَتْ هِيَ وَمَيْمُونَة عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَدَخَلَ اِبْن أُمّ مَكْتُوم فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اِحْتَجِبَا مِنْهُ" فَقَالَتَا: إِنَّهُ أَعْمَى لَا يُبْصِر، فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا فَلَيْسَ تُبْصِرَانِهِ؟"، وَهَذَا حَدِيث حَسَن، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمَا، من هنا يجب على المرأة والرجل على حد سواء غض البصر.

ويضيف "الأطرش" أن الإنسان ربما يفاجئ بأمر ملفت دون تعمد، لذلك رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم النظرة الأولى بقوله: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة فإنما لك الأولى وليست لك الآخرة). (رواه أحمد، وفي صحيح مسلم عن جرير)، بمعنى إذا وقع نظر المسلم على شيء، فعليه أن يغض بصره ولا يتمادى في النظر، فإذا تمادى في النظر حسبت عليه نظرة، ومن هنا على المرأة إذا خرجت من بيتها ألا تكون متزينة متبرجة حتى لا تخدش حياء الآخرين، فإنها إذا خرجت متزينة متعطرة ملفتة للأنظار، تلعنها الملائكة حتى ترجع، واستشرفها الشيطان حتى ترجع، فالإنسان سواء كان رجلًا أو امرأة إن غض بصره سيحيا في أمان في دنياه وفي أخراه، إضافةً إلى أن هذه الأمور تعد دينًا في عنق المسلم، لابد أن يقتص منه كما يقول الإمام الشافعي رضي الله عنه:

الزنا دين فإن أقرضته ... كان الوفا من أهل بيتك فاعلم
يا هاتكًا حرم الرجال وقاطعًا ... سبل المودة عشت غير مكرم
لو كنت حرًا من سلالة ماجد ... ما كنت هتاكًا لحرمة مسلم

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (العينان تزنيان وزناهما النظر، والأذن تزني وزناها السمع، واليد تزني وزناها البطش، والرجل تزني وزناها المشي، والقلب يتمنى ذلك ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) (رواه البخاري ومسلم).

كاشفة اللحم للهر
وأضاف: لذلك على الشاب المسلم، وكذلك الفتاة المسلمة أن يتعودا على غض بصرهما وتحصين نفسهما من الفتن، وما قد يتبعه من وقوع في الفواحش، فكثير من الشباب يبررون لأنفسهم حاليًا استراقة النظر إلى الفتيات بحجة ارتدائهن لملابس متبرجة تلفت النظر إليهن، إلا أن ذلك لا يعفيه من الذنب ولا يعفيها من العقوبة، فالذنب يقع عليهما معًا، فعليه أن يتعود أن يغض بصره وأن يجاهد نفسه بالصبر والإرادة، كذلك على الفتاة أن تراعي الله فيما ترتديه وتفعله قبل خروجها من منزلها.

وقد قال مصطفى صادق الرافعي رحمه الله: "لو كنت قاضيًا ورفع إلي أن شابًا تجرأ على امرأة فمسها أو طاردها أو أسمعها كلامًا غير لائق، وتحقق عندي أن المرأة كانت سافرة مدهونة مصقولة متعطرة متبرجة لعاقبت هذه المرأة عقوبتين: أحدهما بأنها أعتدت على عفة الشاب، والأخرى بأنها خرقاء كشفت اللحم للهر".
Submit to DeliciousSubmit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google BookmarksSubmit to StumbleuponSubmit to TechnoratiSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

 

JoomShaper