هل يشعر طفلك بالتوتر والخوف لدرجة تجعله يمرض؟ هل يستيقظ ليلًا ليطلب منك أن تُعانقيه؟ هل يسألك طوال الوقت ماما هل تحبينني؟ هل يبكي عندما يرى مشهدًا مؤثرًا في فيلمه الكرتوني المفضل؟ هل يُظهر طفلك مشاعر مختلطة من الخوف والتوتر والقلق والحب والسعادة والفرح خلال يومه وبشكل مستمر؟ هل تُطلقين عليه «دراما كوين» المنزل؟ هل يطرح نفسه أرضًا عندما يغضب؟ إذا كانت الإجابة بنعم، فهذا يعنى أن لديك طفلًا شديد الحساسية.


ووفقًا لموقع «سيكولوجي توداي» والمهتم بكل ما يخص الصحة النفسية؛ يُعد الطفل شديد الحساسية واحدًا من 15 إلى 20% من الأطفال الذين يولدون بجهاز عصبي شديد الوعى وسريع الاستجابة للمثيرات المختلفة، والتي يجري التعبير عنها على شكل انفعالات شديدة، وحساسية مفرطة، وردود أفعال تتجاوز الموقف أو الاستثارة نفسها وتدوم لوقت أطول من الطبيعي والمتوقع.
لماذا يحدث هذا؟
نشرت كولين كيسلر الباحثة في مجال التربية على مدونتها الخاصة بالتربية في سلسلة مقالات، تفسير عَالم النفس البولندي كازيميرز دابروفسكي، لهذه الظاهرة، والتي أطلق عليها دابروفيكسى «فرط الاستثارة».
ما الذي تعنيه «فرط الاستثارة»؟
عرف دابروفسكي «فرط الاستثارة (OE)»، على أنها قدرة الطفل على معالجة قدر كبير من المثيرات البيئية المحيطة به، سواء كانت هذه المثيرات مادية أو اجتماعية، بشكل يجعل ردة فعله مبالغًا فيها وغير متوقعة، وأحيانًا غير مقبولة. والتي تظهر بشكل واضح في خمسة جوانب مختلفة من شخصية الطفل مثل «الخيال والعاطفة والتفكير والحواس والحركة».
ساعدت نظرية دابروفسكي في النظر إلى سلوك الطفل المبالغ فيه بوصفه سلوكًا فطريًّا يحتاج إلى فهم أسبابه وإدراكه للتعامل معه وتوجيهه بما يتناسب وشخصية الطفل.
كيف يرى أصحاب الاستثارات الخمسة العالم وكيف نساعدهم؟
قد يُظهر الطفل استثارة واحدة أو أكثر من هذه الاستثارات الخمس، لكن الأمر المثير للدهشة حيال ذلك هو أن هذه الاستثارات تجعل الطفل يرى العالم بشكل مختلف ومثير وربما مدهش إذا جرت مساعدته بالشكل المناسب.
قدمت كولين كيسلر ضمن سلسلة مقالاتها عن فرط الاستثارة عرضًا لكل استثارة على حِدَة، حتى تساعد الآباء والأمهات على فهم سلوكيات أبنائهم، والتي قد تبدو غريبة لهم على الرغم من كونها فطرية وتلقائية.
1. الاستثارة النفسحركية: طفل ذكي لكن كثير الحركة
عادة ما يُعبر هؤلاء الأطفال عن أنفسهم ومشاعرهم بالحركة في معظم المواقف التي تواجههم، الأمر الذي يجعلهم يبدون أشخاصًا مزعجين طوال الوقت.
ووفقًا لعالمة النفس سوزان دانيلز، فإن الطفل الذي لديه استثارة نفسحركية هو طفل موهوب يتمتع بذكاء شديد، لكن تكمن المشكلة عندما لا يجد تحديًا ما، يقوم به.
فوضع طفل ذكي في بيئة غير محفزة بشكل كافٍ يدفعه للاعتراض والتململ والحركة بشكل عشوائي، فيبدأ في التعبير عن نفسه بالحركة المستمرة، الأمر الذي يجعله في نظر المحيطين به «مجرد طفل مزعج».
كيف تساعدينه؟
لتقديم الدعم والمساعدة للطفل ذي الاستثارة النفسحركية يجب أن نفرق أولًا بينها وبين «فرط الحركة وتشتت الانتباه»، فالطفل ذو الاستثارة النفسحركية طفل قادر على التركيز وإتمام المهام الموكلة إليه في حالة أن جرى وضعه في بيئة محفزة، على عكس طفل فرط الحركة الذي يعاني من تشتت في الانتباه، ولا يستطيع أن ينجز مهامه، خاصة التي تحتاج إلى تركيز وصبر لفترات طويلة كألعاب البازل والمكعبات مثلًا.
ينجذب الطفل ذو الاستثارة النفسحركية إلى الأنشطة الحركية فهي تساعده على تفريغ طاقته، لذلك من الجيد مساعدة طفلك على اختيار النشاط الرياضى المناسب والذي يساعده في التعبير عن نفسه.
اعتمدي سياسة «الإلهاء» فعندما يفرط طفلك في الحركة لا تطلبي منه أن يهدأ ويجلس، اطلبي منه أن يقوم بفعل شيء آخر، فمثلًا عندما يبدأ في القفز والحركة في منزل أحد الأصدقاء اطلبي منه أن يبدأ في العد إلى الرقم 100، وكلما أنجز المهمة ضاعفي العدد. ابحثي دائمًا عن الحلول البديلة لتهدئة حركة طفلك، احذري أن تطلبي منه التوقف عن الحركة دون تقديم بديل يُهدئه.
2. الاستثارة الحسية: سلوكيات غير مفهومة
يختبر الطفل العالم من حوله عن طريق سبع حواس مختلفة، الحواس الخمس التقليدية المعروفة «السمع والبصر واللمس والشم والتذوق» بالإضافة إلى الحاسة السادسة التي تعرف باسم «الإحساس العميق»، والتي تُمكن الطفل من التحكم في حركته والإحساس بجسمه في الفراغ المحيط به، بينما تساعده الحاسة السابعة المعروفة باسم «الحس الدهليزي» على الشعور بالاتزان وتنسيق حركة الجسم.
عندما يعاني الطفل من فرط الاستثارة الحسية فهذا يعني أن لديه وعيًا متزايدًا بحواسه المختلفة، وقدرة أكبر على ترجمة المعلومات الحسية التي يتلقاها من خلال حواسه، الأمر الذي يجعل أشياء عادية وطبيعية تُثيره فيبكي مثلًا عند تناول طعام معين، أو يصرخ عند ارتداء ملابس ذات ملمس معين، أو يرفض بشدة أن يلمسه أحد، أو يُلح في طلب العناق طوال الوقت دون توقف.
كيف تساعدينه؟
كلمة السر هنا «احترمي رغبة طفلك». فرط الاستثارة الحسية تجعل طفلك يشعر بالعالم بشكل مكثف، فعندما يرفض تذوق طعام معين، أو يعترض أن يلمسه أحد فهو يعنى ما يفعل، لأنه يتأذى.
فقدرته على قراءة كل تلك المثيرات تختلف عن قدرتك، فمن الأفضل احترام رغبة الطفل في رفض شيء ما أو طلبه بشكل مكثف، ومساعدته على إعلان ذلك والتعبير عنه بأريحيَّة.
أحيانًا يحتاج أطفال هذه الفئة إلى تدخل مهني من قبل أخصائي معالجة حسية، حتى يساعدهم على تعلم الاستجابات المناسبة والتكيف مع البيئة المحيطة بهم.
3. الاستثارة العاطفية: الطفل ذو حساسية مفرطة
يختبر الطفل الذي يعاني من فرط الاستثارة العاطفية جميع المشاعر الإنسانية التي يمر بها بشكل مكثف، الأمر الذي يرهقه نفسيًّا ويجعله عُرضة للاكتئاب والقلق.
وعلى الرغم من تعاطف هؤلاء الأطفال المبالغ فيه مع الآخرين فهم لا يتعاطفون مع أنفسهم، ولديهم إحساس عميق بالمسؤولية والنقد الذاتي. الأمر الذي يجعلهم يمرضون مثلًا إذا لم ينتهوا من أداء فروضهم المدرسية، فالنقد الذاتي يجعلهم يترجمون مشاعر القلق والتوتر إلى آلام جسدية على شكل صداع أو دوار، أو ألم في المعدة.
كيف تساعدينه؟
تنصح كولين كيسلر الأمهات بضرورة تقبل أبنائهم العاطفيين بكل انفعالاتهم المبالغ فيها دون نقد لهذه المشاعر أو إصدار أحكام عليها، مع ضرورة مساعدة الطفل على فهم الفارق بين مشاعره وبين الكيفية التي يعبر بها عن تلك المشاعر. فمن حق الطفل أن يشعر بالغضب، لكن من الضروري أن يعبر عن هذا الغضب بالطريقة المناسبة اجتماعيًّا.
يساعده على ذلك توفير مساحات عاطفية آمنه يستطيع من خلالها التعبير عن مشاعره بشكل واضح وصريح كأن يخبر أحد والديه بما يشعر به، أو أن يدوِّن مشاعره السلبية.
4. الاستثارة الفكرية: أنا أفكر إذًا أنا موجود
أصحاب هذه الاستثارة لديهم نشاط ذهني متقد، وفضول عميق، وقدرة لا نهائية على تقديم الأسئلة والحلول والمقترحات.
عادة ما يتمتع أصحاب هذه الاستثارة بموهبة استثنائية، فلديهم قدرة عالية على التركيز والنقد وحل المشكلات. إلا أن المشكلة تكمن عندما يتحول الشغف إلى فضول لا تستطيع أي معرفة إشباعه، يصبحون في حالة بحث وسؤال مستمرين، وينغمسون في أفكارهم للحد الذي يجعلهم في عزلة عن أقرانهم، بالإضافة إلى تدني مستواهم الدراسي.
كيف تساعدينه؟
القراءة تمنح طفلك المعرفة التي تساعده على إشباع فضوله، ساعديه على القراءة في التخصص الذي يُثير شغفه، قد تساعدك الكتب المسموعة كثيرًا خاصة في حالة صغر سن طفلك، أو في حالة عدم إتقانه القراءة بشكل كامل.
من الضروري أيضًا أن يتعلم الطفل كيف ومتى وأين يبحث عن المعلومات التي تهمه حتى لا يكون شغفه بالمعرفة عائقًا أمام تطوره الاجتماعي والأكاديمي.
5. فرط الاستثارة الخيالي: أصدقاء وهميون وعوالم خيالية
يشعر الكثير من الآباء بالقلق عندما يخلط أبناؤهم بين الحقيقة والخيال، خاصة عندما يحكون عن أصدقائهم الوهميين ومغامراتهم إلى أماكن لم يذهبوا إليها من قبل.
هؤلاء الأطفال أصحاب خيال خصب، ولديهم قدرة كبيرة على الابتكار والإبداع. عادةً ما يمنحهم خيالهم الخصب قدرة على ابتكار ألعاب وعوالم غريبة، الأمر الذي يصيبهم بالإحباط من رفاقهم في اللعب بسبب عدم قدرتهم على فهم ما يقومون به.
كيف تساعدينه؟
الخيال الخصب موهبة كبيرة لا تمنح لأى شخص، للأسف في بعض الأحيان يصعب على بعض الأهل التمييز بينها وبين الكذب، فعقب كل قصة خيالية يرويها الطفل لأهله يعتقدون أنه كاذب، ويطلبون منه الرواية الصادقة، في الحقيقة روايته الخيالية هي الرواية الصادقة، ولكنه يرويها وفقًا لمعطياته الخاصة، فمثلًا عندما يخبرك ابنك بأنه عندما كان في المدرسة ظهر له وحش كبير وقبل أن يفترسه هبط ملاك من السماء فأنقذه. المنطقي أن هذه الرواية خيالية ولم تحدث، لكن في الواقع ربما حدثت وكان هذا الوحش زميلًا له، والملاك الذي أنقذه هو معلمه المفضل، لذلك من الأفضل أن تبحثي وراء خيال طفلك لتفهمي الرسالة التي يريد أن يوصلها لكِ.
وأخيرًا ساعدى طفلك على استغلال هذه الموهبة، ألحقيه بورش للحكي، امنحيه دفترًا وقلمًا ليسجل هذه القصص المدهشة، أو دعيه يُسجلها بصوته إن لم يكن أتقن الكتابة بعد.
فى النهاية قد يرى البعض أن اختبار العالم بهذا الشكل المكثف قد يرهق الطفل، لكنه أمر مميز يجعل الطفل يرى ويسمع ويلمس ويتذوق ويشم بحواس مختلفة ومميزة، لذلك علينا كآباء ومقدمي رعاية أن نعي أنهم أطفال موهوبون كل ما يحتاجون إليه هو أن نساعدهم على عيش الحياة بطريقتهم الخاصة.

JoomShaper