ترجمة: أفنان أبو عريضة
عمان- إحدى أكثر التجارب المشتركة بين البشر هي الشعور بالتوتر والقلق. التوتر قد ينشأ بفعل مصادر عدة: كالمدرسة والعمل والعلاقات. وعادة ما نتبع طرقا للتحكم أو التأقلم مع التوتر في حياتنا، لكنه يتضح أنه من المستحيل أن نتجنب التوتر كلياً. وهذا يعود إلى، أننا بشكل أو بآخر، نكترث بشكل فائض. نحن نشعر بالتوتر لأننا نهتم للعواقب، فنحن لا نمتلك رفاهية الفشل. لكن الرغبة في عدم الاهتمام -أو على الأقل أن نهتم بشكل أقل- هي شيء طبيعي، بل وقد يكون وسيلة تأقلم صحية مع التوتر.
ما هو “ليبيروسيس”؟


ليبيروسيس هو مصطلح قام المؤلف السويسري جون كوينج بوضعه ضمن مشروعه لوصف المشاعر الغامضة على موقعه “قاموس المآسي المبهمة”، والذي يقوم فيه بتعريف المصطلح: “بأنه الرغبة في الشعور باهتمام أقل تجاه كل شيء -أن ترخي قبضتك المحكمة على حياتك. أن تتوقف عن النظر إلى الخلف في كل خطوة تقوم بها، خوفاً من أن يقوم أحد بانتزاع الحياة من بين يديك، قبل وصولك إلى وجهتك في الحياة- وعوضاً عن ذلك، تقوم بالتمسك بحياتك براحة والاستمتاع بها. تماماً ككرة الطائرة، إذ تحوم في الهواء طوال الوقت مع لحظات قصيرة من الانتقال بين أيدي الأصدقاء والأحباء بحرية. وطوال هذا الوقت نستمر باللعب”.
ليبيروسيس يعد مصطلحاً جديداً، ومؤخراً فقط بدأ باجتذاب الأنظار في المجتمعات الداعية للعناية بالنفس. وبدأ يرى علماء النفس، والطبيب جايسون سبيندلو أحدهم، بإمكانية استخدامه كوسيلة للتعامل مع التوتر.
ليبيروسيس والصحة النفسية
قام جايسون سبيندلو بالربط بين ليبيروسيس والصحة النفسية على أصعدة عدة. إذ يشير إلى أن العديد من مرضى التوتر أو القلق المزمن يواجهون خوفاً دائماً بأن ردة فعلهم على المواقف الموترة لا تزول وليست محصورة على المواقف هذه بالتحديد. وحالة مشابهة، هم الأشخاص الذين يعانون التلكك في الاختيار، وعادة ما يقلقون فيما إذا كانت اختياراتهم أو قراراتهم صائبة.
الأسباب وراء القلق أو الاهتمام بأي شيء يعتمد على الفرد، قد يكون أحياناً رغبة منه بتجنب أي خطر قادم. وأحياناً أخرى، قد تكون طريقة العقل في التأقلم مع المفاهيم المبهمة والمعقدة في الحياة. ولكن أياً كانت الأسباب، فإن الاهتمام بشكل أقل (وبشكل معقول)، قد يكون له الأثر الكبير علينا.
السفر عبر الزمن ذهنياً
قام جايسون سبيندلو بأخذ مفهوم ليبيروسيس وتطبيقه على إدراك وانطباعات البشر. ويستخدم مصطلح “السفر عبر الزمن ذهنياً” لوصف ميولنا الطبيعي إلى التمسك بالماضي أو القلق من المستقبل.
ويشير سبيندلو إلى أن تذكرنا الماضي أو تخطيطنا للمستقبل ليس بالشيء السيئ. بل في الحقيقة، بوسعه مساعدتنا على تحسين حالتنا النفسية. لكن عندما تأخذ هذه السلوكات إلى حد التطرف والإسهاب، فمن الممكن أن تؤدي إلى القلق والتوتر من الماضي والمستقبل، والتي ستؤثر فيك سلباً عاجلاً أم أجلاً. وسبب تأثيرها سلباً فينا هو أن الأحداث التي مررنا بها في الماضي لا يمكن أن نغيرها، والقلق بسبب ما قد يحصل أو لا يحصل مستقبلاً قد يعرضنا للتوتر والإحباط.
ويستمر إلى أنه كيف يمكن لنا تجنب القلق وأن نروج بدلاً منه إلى ليبيروسيس. عند تفكيرنا بالماضي، هناك أسئلة بسيطة يمكننا أن نوجهها لأنفسنا حتى نتوقف عن الندم على الماضي:
هل بإمكاني فعل أي شيء الآن لتغيير ما حدث؟
ما الدروس التي أستطيع تعلمها للمستقبل؟
هل أستطيع قراءة الأفكار؟
هل لدي دليل على اعتقادي؟
وعند تعرضنا للقلق بسبب المستقبل، نستطيع سؤال أنفسنا هذه الأسئلة:
هل أستطيع التنبؤ بالمستقبل؟
هل أنا متيقن 100 % من وقوع شيء سيئ؟
هل تساعدني هذه الأفكار على حل مشاكلي الحالية؟
وإن لا، ما الأفكار الأخرى التي من فضلها مساعدتي؟
هذه الأسئلة قد تبدو سخيفة لك، لكن الإجابات عنها ليست ما يصل بك إلى الاسترخاء، بل هو المنظور الجديد الذي تخرج به من هذا الأسئلة. إذ إنه بوسع الجميع التخلص من التوتر والقلق حينما يتبنون المنظور المناسب.
كيف نصل إلى ليبيروسيس؟
الجانب السلبي من إدراكنا الجماعي هو بحثنا الدائم عن الإجابات. إذ إن البشر يبحثون عن الإجابات في كل منحى من حياتهم، وعدم القدرة على إيجاد إجابة عن أي منها يكون مزعجاً. ولا يوجد علاج حقيقي خلف ليبيروسيس، فهو يتعاطى مع الفلسفة أكثر من العلم. ولكن الخطوة الأولى نحو تبنيك ليبيروسيس تكون دوماً: تحديد مقدار حاجتك إلى عدم الاكتراث في حياتك. عند تبنيك القليل منه، سيبقى لديك القلق والتوتر الدائم. وإن تبنيت الكثير، قد يقوم بتدمير خططك ومهاراتك الحياتية.
ونصيحة الدكتور جايسون سبيندلو هي التركيز على ما هو هنا والآن؛ أي أن تركز اهتمامك على الحاضر وما يمكنك القيام به الآن. ثانياً، قم بتحدي هوسك في التحكم بحياتك. واجه نفسك في ما إذا كان التحكم حقاً مهماً، وتقبل أن هنالك معالم من الحياة لا يمكن التحكم بها. وأخيراً، تدرب على الامتنان. خذ وقتك في امتنان ما قدمته لك الحياة، تلذذ بكل لحظة تؤثر فيك وفي حياتك إيجاباً.

JoomShaper