APRIL 13, 2016
حين يتعلق الأمر بالتربية لا بد أن نعترف انه ليست هناك قواعد عامة ضابطة وناجعة بشكل مطلق. الأمر يتعلق بخصوصيات ونفسيات وعلاقات جد معقدة يدخل فيها الجانب النفسي والثقافي والموروث الاجتماعي والقيمي واشكالات أخرى متعددة سنأتي على ذكرها عبر حلقات في هذه السلسلة من المقالات التي نروم فيها ان نساهم في بسط آليات التواصل لإنجاح مسيرة الحياة الزوجية بكل تجلياتها العاطفية والجنسية والاجتماعية والتربوية والاقتصادية وغيرها.
يمكننا ان نفكر بدء في العلاقة بين الجنسين منذ الطفولة لأنها محدد هام في إنجاح الحياة الأسرية وفي اعداد أجيال بعافية نفسية قادرة على المساهمة في بناء مجدها ومجد وطنها.
لقد أكد فرويد العالم النفساني الشهير أن التربية السليمة تحتاج أولا إلى علاقات مفتوحة بين الجنسين مع مراعاة شديدة لخصوصية الثقافات المختلفة وللضوابط القيمية والأخلاقية لكل حضارة. ان الانفتاح المفرط في ثقافة محافظة لا شك سيخلق ردات واعاقات نفسية عميقة ولن يساهم في بلوغ مقاصد الانفتاح وبلورة وعي ثقافي جديد. فلكل
حضارة طبيعتها وقيمها واخلاقها التي تسمح لها بممارسات دون أخرى.
عموما التربية السليمة تحتاج إلى خلق تواصل مفتوح بين الجنسين لنمو نفسي وعقلي وجسدي سليم. فداخل البيت وفي المدرسة وفي الشارع أيضا يجب ترك الحرية للأطفال للاندماج واللعب المشترك دون خلفيات جنسية مرضية تعقد حياة الأسرة والمجتمع برمته. هذا مع التأكيد على ان التأطير والرعاية والاحتضان والمواكبة والتوجيه أمور ضرورية لسلامة ابنائنا ذكورا واناثا. التفتح والانفتاح لا يعنيان ابدا ترك الحبل على الغارب. فالأطفال في حاجة ماسة لمواكبة دائمة ومستمرة دون ضغوط قاسية وتسلط قهري يربك المسارت.
تعتبر مرحلة الطفولة فترة هامة بالنسبة للنمو العاطفي والنفسي لدى الانسان. ان علاقة سوية بين الجنسين منذ الطفولة لا شك ستغنينا عن مجموعة من الاعاقات المقبلة التي ستدمر حياة الافراد والجماعات. التربية المبنية على الابعاد والاقصاء ومنع الحاجة الإنسانية للأطفال في اكتشاف بعضهم وذواتهم ستترك جروحا عميقة لا تندمل في حياتهم الجنسية والعاطفية والاجتماعية والتواصلية. ان التركيز على هاته النقطة يهدف إلى تحسيس المجتمع والازواج بضرورة العناية بمرحلة الطفولة باعتبارها المدخل السري لمواجهة العالم وتحقيق المطامح وإدراك المبتغيات.
الحياة الزوجية لا تنبني فقط على الدفء والنجاح الجنسي للأزواج بهدف تحقيق الاشباع الجنسي والعاطفي فقط. انها إضافة إلى ذلك مسؤولية كبيرة وشاقة ملقاة على عاتق المقبلين على الزواج. اول ما يجب معرفته هو نفض الغبار عن مجموعة من المفاهيم الشائعة والخاطئة في كثير من المجتمعات. أولها المغالاة في الذاتية والأنانية الفردية والتسلط والصراع بين الزوجين بهدف تحقيق الغلبة والاستحواذ بالسلطة داخل البيت. ما يهدم البيوت هو روح العداء والحقد الدفين بين الزوجين. زواج لا يبنى على التسامح والثقة والمودة والتفاهم والقدرة على الانصات وتقبل الآخر وتغافل عيوبه وهناته يخلق أجيالا ضعيفة غير متمكنة من ولوج أبواب الحياة وغير مسلحة بالجرعات الضرورية من الدفء والتوازن اللذين يمكنها من الظفر والنجاح.
ونحن مقبلون على الزواج لا بد أن نضع نصب اعيننا الفتاة التي تلائم مشروعنا وطموحنا. الزواج مؤسسة اجتماعية وثقافية وتربوية تحتاج إلى توافقات في شتى مناحي الحياة. والى تقارب في الذهنيات والمسلكيات والنفسيات. حقيقة أنها ليست مؤسسة عسكرية صارمة ولكنها مؤسسة كبيرة واساسية وعليها تنهض حياة المجتمعات.
هناك الجانب العاطفي الذي هو مدخل للتجاذب بين الجنسين وقد اعطانا الله هذه الحسنة لنتآلف ونتساكن ونستمر. لا بد ان يحصل الحد الدنى من الاعجاب والحب لأنه ملح الحياة دونه تصبح أيامنا علقما وروتينا قاتلا. بعدها يجب ان نفكر في نفسية بعضنا البعض وهذا أعقد امر في العلاقة بين الزوجين لان اعماقنا ودواخلنا مليئة بالتركيبات والتناقضات. طبيعة النفس البشرية تتحكم فيها ثنائيات ضدية الخير والشر الحب والكراهية الفرح والقلق الشجاعة والخوف الخ. ما يمكننا ان نضبطه هو حد أدنى من قبول أنفسنا بقوتنا وضعفنا وقبول الاخر بمزاياه وعيوبه. حياة زوجية مبنية على التنافر حياة لا تمنحنا سوى القلق والنكد وأبناء متعبين وغير مستقرين. الزواج مؤسسة للاستقرار والتربية والامل. مؤسسة واجبها المساهمة في بناء الأوطان.
حين نعرف ان الهدف الأسمى من الزواج هو خلق أجيال متماسكة نكون مؤهلين للتنازل عن انانيتنا وتغليب الجوانب الإيجابية فينا والقيام بمجهودات جبارة في مراجعة دواتنا والاشتغال على شخصيتنا لتحقيق نجاح اسرتنا.
إن اسرة مبنية على روح التسامح والثقة المتبادلة والبحث عن الراحة النفسية والاجتماعية لأفرادها وتقديم التنازلات الضرورية لتحقيق مشروعها بوعي عميق لروح المسؤولية والانطلاق نحو تحقيق النجاح وتمكين الوطن من افراد مؤهلين لا بد أن تعطينا ناشئة متجددة باستمرار. العناية بمؤسسة الأسرة مدخل رئسي في التنمية الاجتماعية.
لا بد ان نؤكد على أهمية التنشئة الجنسية للأطفال. فالحياة المشتركة للطفولة تمكننا من أبناء متوازين لا يحملون شروخا وعقدا وتوترات جنسية تمنعهم وتضيع عليهم فرص الحياة. التربية السليمة ركيزتها علاقات سليمة بين الأطفال وبين الاطفال والكبار وبين الكبار فيما بينهم. تتركز على ان المودة والاحترام والحوار والخدمة المشتركة بين البشر والتسامح وكل القيم النبيلة هي مفتاح الحياة الإنسانية نحو الافضل.
لسنا آليات جنسية تتناسل وتتوالد لتستمر فقط. اننا مخلوقات اجتماعية ذهنية تتصارع لإبراز الوجود واثبات الذات ونيل الاعتراف وخدمة المجتمعات.
منصف بندحمان – كاتب من المغرب