غادة بخش
الأزمات على أنواعها قديمة قدم التاريخ، وهي مصاحبة لتطور الجماعات البشرية عبر العصور التاريخية المتلاحقة.
ولا أحد يستطيع أن ينكر أن عالمنا المعاصر يواجه العديد من الأزمات على كافة المستويات، ونادرا ما نجد مجتمعا لم يعهد فيه وقوع أزمات على كافة أنواعها ومنها الأزمات الاقتصادية.
لكن مجال دراسة الأزمات والعمل على إدارتها يعد من المجالات الحديثة التي بدأت تأخذ في التشكيل كعلم قائم بذاته، فقد شهدت السنوات الأخيرة إسهامات علمية فكرية لعلم إدارة الأزمات بفضل ما خلص إليه الباحثون والدارسون من تقديم المبادئ والمقومات والمكونات الأساسية لهذا العلم.
وفي خلال بحث عن الأزمات المالية وكيفية إدارتها بجامعة أم القرى بمكة المكرمة بينت الباحثة الأستاذة سحر الخطيب أن الأزمات الاقتصادية تظهر وتختفي بحسب قدرة الأسرة على إدارة شؤون حياتها، وربة الأسرة بصفتها المسؤولة الأولى عن إدارة شؤون الأسرة، ونمط الاستهلاك العائلي يقع عليها مسؤولية التخطيط الاقتصادي السليم، أي أنه يقع العبء الأكبر في التخطيط المالي لبنود الإنفاق لميزانية أسرتها بما يتواءم مع احتياجاتهم الفعلية والضرورية حتى تصل بأسرتها إلى حالة من التوازن والاستقرار الاقتصادي والنفسي.
وأضافت قائلة: "المرأة شريحة مهمة في المجتمع السعودي، فهي تؤدي دورا خطيرا في المجتمع، ودورها فيه من الأدوار الرئيسية التي لها تأثير كبير على نموه وتطوره، إذ من خلال عملها داخل وخارج المنزل تساهم في تنمية المجتمع من جميع النواحي، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو ثقافية، وهي مطالبة بالنجاح في هذين الدورين الرئيسيين، ومن هنا نبعت فكرة البحث لإنشاء برنامج إرشادي لإدارة الأزمات المالية لربة الأسرة.
وهدفت الباحثة إلى إلقاء الضوء على أهمية الارتقاء بمستوى الوعي بإدارة الأزمات المالية لدى الأسرة، والمساهمة في تقديم حلول لمواجهة الأزمات المالية في حياة الأسرة، وبالتالي وضعها في بؤرة اهتمامات برامج التوعية الأسرية بأجهزة الإعلام المختلفة، كذلك التنبه على أهمية الوعي الاستهلاكي وإدارة الدخل المالي من خلال وسائل الإعلام المختلفة (المقروءة – المسموعة – المرئية ) خاصة الموجهة للمرأة.
وأرجعت الأستاذة سحر الخطيب أهمية وضع الميزانية إلى أنها تجعل الأسرة تصرف النظر عن الاهتمام بالمشتريات الحالية الأقل أهمية في حياة الأسرة، إلى المشتريات الأكثر أهمية وتتيح للمسؤول عن الميزانية اتخاذ القرارات المناسبة بشأن توزيع الميزانية توزيعا صحيحا يتناسب مع أهداف الأسرة، مع مراعاة سياسة التنفيذ المناسبة و بالتخطيط للميزانية سيعلم كل فرد مدى الإمكانات المادية، وتحديد المتطلبات الضرورية التي تتماشى مع الميزانية، وهو ما يبث روح التعاون والألفة بين الأسرة.
كما بينت الطريقة المثالية لوضع الميزانية، والتي من المفترض اتباعها، وهي تخصيص دفتر للميزانية، ويتم تدوين جميع متطلبات الأسرة واحتياجاتها تبعا لأهميتها،ومن ثم يتم توزيع الدخل على المتطلبات، وأخيرا عمل الموازنة بطرح المتطلبات من المصروف الشهري.
وفي حالة وجود عجز يمكن ضغط المصروفات وإعادة توزيعها بحسب أهميتها أو إلغاء بعض المتطلبات الغير ضرورية أو استبدالها بمنتجات أرخص إذ كانت تفي بالغرض.
ومن الضروري تحديد الأولويات بحيث يوجه الاهتمام للمشكلات الرئيسية أولا ثم التي تليها أهمية.
كذلك وضعت بعض الأسس التي من المهم مراعاتها عند وضع الميزانية، ومنها: إشباع الحاجات الأكثر أهمية، وهذا ما نفتقده حقيقة في المجتمعات العربية التي لا تعرف كيف تدير ميزانياتها، وبالتالي الصرف في أوجه الأقل أهمية على أن تتسم بالمرونة والواقعية حتى تستطيع جميع أفراد العائلة الالتزام بها والتعديل عليها عند حدوث ظرف طارئ.
ومن المهم ادخار مبلغ مناسب للرجوع إليه وقت الحاجة، وإشراك جميع أفراد العائلة في وضع ميزانية الأسرة حتى يكونوا على علم بكفايتها لاحتياجات الأسرة.
ومن الأسس المهمة مراعاة الضروريات، فلابد من وضع بند للغذاء والسكن والملبس ومصروفات تشغيل المنزل والمصروفات الشخصية وبند للطوارئ بحيث تكون شاملة للمصاريف المتوقعة اليومية والشهرية، و تفي باحتياجات الأسرة. وخير معين هو اتباع السنة النبوية من حيث التوسط والاعتدال فلا تقطير ولا إسراف.
وجاء في طيات البحث مراحل الأزمة المالية، وتتمثل في مرحلة ما قبل الأزمة وهي المرحلة التي تدرك فيها الأسرة بإمكانية حدوث خلل في الميزانية نتيجة محدودية الدخل مع توقع بزيادة المصروفات نتيجة اقتراب حلول موسم الأعياد مثلا ، أو المناسبات الخاصة أو بسبب ارتفاع الأسعار المفاجئ.
أما مرحلة المواجهة فتبدأ عند فشل الأسرة في تجنب حدوث الأزمة، وفي هذه المرحلة يتم تنفيذ الخطط الموضوعة مسبقا لمواجهة الأزمات المالية، ويعتمد نجاح هذه المرحلة على ما سبقها من استعداد وتحضير لمواجهة الأزمة المالية، كما تعتمد على عدة عوامل أخرى متصلة بطبيعة المتغيرات للأزمة.
ولمعالجة الأشكال المختلفة من أزمات الأسرة قالت الخطيب: "لابد أولا من تحديد نوعها، فالأزمة التي تتسبب في التقصير في بند الغذاء لابد من مراعاة القيمة الغذائية للوجبات والبحث عن البدائل للأغذية مرتفعة الثمن بأخرى رخيصة ومرتفعة القيمة الغذائية، فالوجبة المتكاملة غذائيا يمكن توفيرها بمستويات مختلفة من الأسعار.
أما إذا طالت الأزمة بند الملبس، فيمكن شراء الملابس في موسم التخفيضات، كما يمكن تعديل الموديلات على الملابس الموجودة أصلا لتغيير شكلها وشراء اللازم فقط، مع مراعاة إرشادات الغسيل والكي للحفاظ عليها أطول مدة ممكنة.
أما الأثاث والأجهزة فعند وجود أزمة لا يفضل شراء الكثير منها، بل اللازم والضروري في حدود الاستهلاك، وشراؤها من المحلات الموثوق فيها حتى يمكن صيانتها بسهولة فيما بعد.
وأن تكون متعددة المنافع بحيث يمكن استخدامها في أكثر من غرض وأن تتميز بقوة التحمل والكفاءة، أما الأشياء الغير ضرورية فمن وجهة نظري يمكن الاستغناء عنها ولا داع للديون من أجل الكماليات.
ولقد وجدت خلال بحثي بعض النساء يبعن مجوهراتهن من أجل شراء أشياء ليست بضرورية.
ونوهت أن المرأة الواعية هي التي تعرف كيف تدير ميزانية الأسرة بحيث تحقق متطلبات عائلتها بما يتناسب مع دخل الأسرة، فلا تدع الإعلانات البراقة تخدعها بالشراء! فمعظم النساء يشترينا أشياء كثيرة بلا داع لمجرد الرغبة في الاقتناء، فمن الممكن أن تشتري ما تحتاج قبل حلول المناسبات فتكون أقل ثمنا، ومن المهم قراءة تاريخ المنتج قبل شراءه حتى لا تضطر للتخلص منه قبل استهلاكه والاحتفاظ بفواتير الشراء والضمان لاستعمالها عند الضرورة، والمطالبة بحقوقها عند تعرضها لأي غش تجاري، ولذلك وجدت أن المستوى التعليمي للمرأة يؤثر على قدرتها عل إدارة الأزمات المالية، وتحسن اتخاذ القرار بأسلوب علمي رشيد يقوم على البحث بعيدا عن الارتجال والانفعالات اللحظية.
وقالت أخيرا: "التخطيط والتحضير له أثر كبير في مواجهة الأزمة، ويقلل من الإرباك الناتج عن عنصر المفاجأة الذي يولد مناخا من التوتر والارتجال"
و أيضا مواجهة الأزمة تمكن من القدرة على اجتياز جميع المصاعب بالأساليب العلمية المختلفة والعمل على تجنب سلبياتها والاستفادة من إيجابياتها.
أما التقييم وهو الدروس التي استفادتها ربة الأسرة من خبراتها أو خبرات الأسر الأخرى، فتؤدي إلى تصحيح الأوضاع التي أدت إلى أزمة مالية، والبحث عن مصدر جديد للموارد وهذه المرحلة تزيد من الإبداع والتعلم لدى الأسرة.
لها أون لاين