أم عبد الرحمن محمد يوسف
أتحبين ربك؟
أتحبين من نعمه عليك سابغة لا تعد ولا تحصى؟
أتحبين من يهديك ويشفيك ومن كل بلاء وشر يعافيك؟
أتحبين من يرزقك ويعينك وحين تلجئين إليه لا يرد طلبك؟
أتحبين من بيده حياتك وموتك وفرحك وترحك، وسعادتك وشقاؤك؟
أتحبين من إذا تقربت إليه شبرًا تقرَّبَ إليكِ ذراعًا، وإذا مشيتِ إليه أتاك هرولة؟
أتحبين من تسيئين إليه ويصبر، وتعصينه ويغفر، وتطيعنه فيشكر؟
أتحبين من يراك على غير ما يرضى ولكنه لا يعاجلك بالعقوبة بل يمهل ويرسل إليك بشائر المغفرة عبر رسائل التذكرة؟
أتحبين من وفقك للطاعات، ويسر لك سبل القربات، وأطال بقاءك إلى أن لحقت بشهر اليمن والبركات؟
الحب الحقيقي
حبك لربك علامة إيمانك، وكلما قويت المحبة تضاعف الإيمان، وهذا هو سمت المؤمنين في كل زمان ومكان، كما قال تعالى: (والذين آمنوا أشد حبا لله) [البقرة: ١٦٥]، (لأنهم أحبوا من يستحق المحبة على الحقيقة، الذي محبته هي عين صلاح العبد وسعادته وفوزه) [تفسير السعدي، ص(79)].
لذة الإيمان
وحين يخلص العبد في محبة الله تعالى، يكافئه مولاه بالعديد من العطايا الربانية، لعل أولها أن يتذوق العبد لذة الإيمان وحلاوة الطاعة كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان؛ أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما....) [متفق عليه]، (فالإيمان له حلاوة وطعم يذاق بالقلوب كما يذاق حلاوة الطعام والشراب بالفم) [فتح الباري، ابن رجب]، وهي لذة لا تضاهيها لذة، وحلاوة لا تضاهيها حلاوة، يحلق العبد بها بعيدًا عن الدنيا وما فيها.
حب متبادل
فإذا ارتقيت في حبك لربك بلغت المنزلة العليا وصارت المحبة متبادلة بينك وبين الله تعالى، كما قال عز وجل: ( (يحبهم ويحبونه) [المائدة: ٥٤]، فهنيئًا لمن بلغ تلك المنزلة محبة الله، ثم محبة جبريل عليه السلام، ثم محبة الملائكة والملأ الأعلى، ثم القبول في الأرض، مصداقًا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إن الله يحب فلانا، فأحبه. فيحبه جبريل، فينادى جبريل فى أهل السماء إن الله يحب فلانا، فأحبوه. فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى أهل الأرض).
هنيئًا يا ولي الله
وهنيئًا لمن أحبه الله تلك المنزلة العظيمة التي أفردها الله لمن يحبه فيصير وليًّا من أولياء الله، لا يسمع إلا ما يرضي الله ولا يرى إلا ما يرضي الله ولا يمشي إلا في طاعة الله، مستجاب الدعوة، عميق الصلة بربه، من عاداه فقد عادى الله ومن حاربه فقد حارب الله، كما أخبر سبحانه في الحديث القدسي: (من عادى لى وليا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلى عبدى بشىء أحب إلى مما افترضت عليه، وما يزال عبدى يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذى يبصر به، ويده التى يبطش بها ورجله التى يمشى بها، وإن سألنى لأعطينه، ولئن استعاذنى لأعيذنه).
لا تكوني من هؤلاء
فإن كنت محبة لله تعالى فأنتِ تحبين من يحب وتبغضين من يبغض، ولا تفعلين ما يكرهه أو يبغضه الله، وإلا فمحبتك ناقصة معلولة، وقد عدد الله تعالى أصنافًا لا يحبهم من البشر فاحذري أن تكون منهم.
فمن اعتدى على حرمة من حرمات الله أو من حرمات المسلمين فهو كاذب في ادعائه المحبة، قال تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة/190]
ومن كان متكبرًا على عباد الله فهو كاذب في ادعائه المحبة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّـهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء/36] {إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ} [النحل/23]
وكثير المعاصي والآثام، الذي يخون الأمانة كاذب في ادعائه المحبة، قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا} [النساء/107]
والذي يسعى لإفساد الناس وتزيين المعاصي والآثام لهم كاذب في ادعائه المحبة {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص/77]
والظالم الجائر الذي يأكل حقوق الناس ويبخسهم أشياءهم كاذب في ادعائه محبة الله، قال تعالى: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران/57]
وبذيء اللسان الذي لا يسلم الناس من شروره كاذب في ادعائه المحبة، قال تعالى: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء/148] وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الله يبغض الفاحش المتفحش البذيء)
وكوني مع هؤلاء
ومن الناس نفر رضي الله عنهم وأعلن محبته لهم في قرآن يتلى إلى يوم القيامة، وكل من تخلق بأخلاقهم فهو محب لله محبوب من الله تعالى.
منهم المحسنين {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [البقرة/195]، (وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، فيدخل فيه الإحسان بالمال، ويدخل في ذلك تعليم العلم النافع، وقضاء حوائج الناس، من تفريج كرباتهم وإزالة شداتهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم....) [تفسير السعدي، 90].
والتائبون من الذنوب وإن كثرت والمتطهرين ظاهرًا من الخبائث وباطنًا من الدنايا والرذائل محبون لله محبوبون من الله، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ} [البقرة/222].
والصابرون على دعوة الناس وتغييرهم، الصابرون على مر العيش في هذه الدنيا، الصابرون عن معصية الله، الصابرون على طاعة الله، محبون لله محبوبون من الله، كما قال تعالى: {وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} [آل عمران/146].
قبل الرحيل
عن أنس بن مالك قال جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله متى الساعة قال «وما أعددت للساعة»، قال فكأن الرجل استكان ثم قال يا رسول الله ما أعددت لها كبير صلاة ولا صيام ولا صدقة ولكنى أحب الله ورسوله. قال «فأنت مع من أحببت» قال أنس فما فرحنا بعد الإسلام فرحا أشد من قول النبى صلى الله عليه وسلم «فإنك مع من أحببت» قال أنس فأنا أحب الله ورسوله وأبا بكر وعمر فأرجو أن أكون معهم وإن لم أعمل بأعمالهم.
وماذا بعد الكلام؟
1. اجعلي لكِ وردًا يوميا من كتاب الله تعالى واستخرجي مما تقرئينه صفات من يحبهم الله لتوطني نفسك عليها وصفات من لا يحبهم الله لتتجنبيها، واكتبيها لديك في ورقة لتريها كل يوم.
2. أكثري من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم عند الإفطار وفي السحر (أسألك حبك، وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك).
3. تكلمي مع أحد صديقاتك أو أقاربك عن أهمية محبة الله ودورها في إصلاح القلوب، وأرسلي هذه المقالة لصديقاتك.
أعظم حب
- التفاصيل