عبير النحاس
عندما كنت صغيرة كان هناك من يحاول تشويه صورة الإسلام في خيالي عندما يعرض عليَّ صوراً مشوهة لمسلمين لا يشبهون تعاليم الإسلام الناصعة في حياتهم العادية، وكان ينسب إهمال الأناقة و النظافة للإسلام و للمسلمين، و ينسب إليهم أيضاً الجهل.. و كراهية العلم و التعليم.. و عدم الانضباط.. و عدم الالتزام بالمواعيد كذلك.
كنت وقتها أشعر بمحبة للدين تمليها عليَّ فطرتي، ولكنني كنت أعاني أيضا من نسبة أصحاب تلك الصور المشوهة إليه، و قد عشت فترة من عمري أكره أن يظهر عليَّ أي مظهر من مظاهر الإسلام لأجل كل ما تم شحن خيالي به من أفكار، وكنت أشعر بوجوب التزامي بالحجاب الشرعي، و ألتزم الصلوات، و أقرأ القرآن، و لكنني لم أكن أحب أن أظهر كما بدت لي صور و أشكال و أخلاق أولئك المسلمين المشوهة يومها.
في السنة الأخيرة من دراستي الثانوية رأيت نموذجا لتلميذة ملتزمة أحببته، فقد كانت تعاني من تشوه في رجلها جعلها تسير بطريقة غير طبيعية، و مع هذا كله كانت سعيدة و متفوقة، و قد أحببت منزلها الأنيق و ذوقها الراقي.
عندها حصل التغيير فقد رأيت صورة جميلة للملتزمين تتمثل في بيت نظيف أنيق.. و في سعادة مرسومة على وجه صديقتي.. و تتمثل أيضا في محبتها للعلم و اجتهادها.. و تلك الشهادات العلمية الراقية التي يحملها إخوتها ووالدها أيضا.
دعتني يوماً لحضور دروس الدين التي تحضرها ففرحت بالدعوة، و كنت أشعر بشوق و رغبة كبيرة في تعلم الدين و قراءة قصص النبي صلى الله عليه و سلم و صحابته الذين أحببتهم من خلال كتاب أهدتني إياه، و غيرت به الكثير من تلك الصور العجيبة التي طُبعت في مخيلتي في سنوات العمر المبكرة.
كنت سعيدة جداً, و شعرت أنني أعيش في الجنة لولا أن بدأت تلوح لي في تلك الدروس أمور لا يقبلها عقل وعى جيداً أن ديننا دين عقل و فكر و منطق، و اكتشفت بعدها أنها جماعة صوفية و أن لهم تعاليم غريبة لا تشبه الدين الإسلامي منها تلك الأوراد العجيبة التي لا دليل عليها من كتاب أو سنة و تشبه ما يفعله الهندوس و غيرهم من أتباع الديانات الفلسفية في الشرق في عباداتهم، و منها أحاديث ضعيفة أو موضوعة يعمل بها و تتردد ببساطة و سهولة في دروسهن، و منها تعصب عجيب و تخليط غريب ينعتون به كل من لا ينتمي إليهم بعبارات السوء، و ينسبون بها الردة لمن تفارق جماعتهن، و منها التزامهن بلباس متشابه و يكون اللون فيه هو دليل الدرجة التي وصلت إليها صاحبته في سلم الترقيات الذي يرتبط بالطبع بعلاقتهن بالشيخات، و منها اعترافاتهن للشيخات بذنوبهن بشكل متواصل و بطلب منهن واعتقادهن بأن هذا الاعتراف سيشفيهن من تلك الذنوب كما يفعل النصارى مع كهنتهم، و كانت النتيجة الحتمية لما رأيت هو مفارقتي لتلك المجموعة الشاذة التي تتستر بالدين و هو منها براء.
استعدت بعدها عافية فكري بالقراءة و البحث عن أصول الإسلام الصحيحة، و عن حياة نبي الأمة و صحبه، و بدأت طريقاً سهلا.. لطيفا.. سعيداً تزينه قصص حقيقية.. و أحاديث صحيحة.. و آيات محكمات.
عرفت حقائق عن الدين رائعات، و قرأت تاريخا مشرفا تملأ جوانبه العزة و الرجولة و الكرم، و تشرق في صفحاته صوراً رائقة لرجال يفخر بهم الكون، رأيت فيهم كل معنى الشهامة، و حسن الفعل و التقدير، و الشجاعة، و النجاح، و التفوق، و تقوى الله.
و فهمت أخيرا سر قول المفكر الراحل " روجيه غارودي " : " الحمد لله أنني عرفت الإسلام قبل أن أعرف المسلمين ".
و عرفت أن صورة راقية للمسلم تجذب الناس و تحببهم بالإسلام و تثير فيهم روح البحث و التنقيب عن كنوزه الثمينة، و أن صورا مشوهة لهم قد تلصق بالإسلام ظلماً و زوراً و يهتم لها أعداء هذا الدين.
فمن أي صورة أنت ؟ و هل قررت أن تكون بين تلك الصور الجميلة؟
كأن تظهر بهندام مشرف، و أن تكون ناجحاً في عملك و دراستك و علاقاتك، و أن تكون ملتزماً بمواعيدك، و ذا همة و مروءة و شهامة و شجاعة، كريماً و مؤمنا بقضاء الله و قدره، أميناً حكيماً صادقاً.
و هل قررت أن تتخلى عن عاداتك السيئة لأجل دينك ؟
ليتنا كمسلمين نعي أهمية تلك الصورة التي تستطيع أن تغير عالماً بأكمله، و ليتنا نقدم صورة للمسلم ترضي الله عنا.
أي صورة قدمت لهم ؟
- التفاصيل