محمد السيد عبد الرازق
أحد الأعداء الذي يتربصون بك..
أحد خصومك الذين ينالون منك..
يقترب منك ببطئ ودون أن تشعر..
بسببه تخسر الكثير والكثير..
هل تعرف من هو؟!
إن الكثير من الناس حينما تحدثهم عن العدو والخصم، يتوجه ذهنهم مباشرة إلى أشياء بعينها قد صارت علمًا على العداء، ولكن هناك عدو خطير وخصم لدود لا يلتفت إليه الناس عامة والشباب خاصة، مع أنه من أشداء الأعداء وألد الخصوم.
إن دورنا من خلال هذه الكلمات أن نلقي بالأضواء على هذا الخصم؛ حتى نتمكن من حشد كل الطاقات والجهود من أجل مقاومته بكل قوة وردعه بلا هوادة، فهل عرفتم من هو؟!
إنه (القصور الذاتي والضعف الشخصي)؟ ولعلكم الآن تتساءلون ما المقصود بالقصور الذاتي، ولماذا يكون من أكبر أعدائنا وألد خصومنا؟!

القصور الذاتي .. ما هو؟

إن المقصود بالقصور الذاتي في هذا المضمار هو (عدم كفاية القدرات الذاتية للمرء، أو عدم استثمارها على النحو الأمثل, كما أعني به ضعف إدارته على صعيد مقاومة رغباته وعلى صعيد قيامه بمسئولياته.

من السهل دائمًا أن يجد كل واحد منا شخصًا أو جهة أو حادثة أو ظرفًا... يدعي أنه هو السبب في إخفاقه ومشكلاته, لكن ذلك كثيرًا ما يكون غير موضوعي وغير مفيد أيضًا.

حين هُزم المسلمون في (غزوة أحد), وقال بعضهم: كيف نُهْزم ونحن جند الله؟ نزل قوله تعالى: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير}.

كونوا على ثقة يا شباب أنه لا يستطيع أحد أن يؤذي أيًا منكم من غير إذنه, وكونوا على ثقة كذلك بأن المرء يظل قادرًا على الإساءة إلى نفسه أكثر من أي شخص آخر.. وهذا الكلام ينطبق على الجماعات والشعوب والأمم) [إلى أبنائي وبناتي 50 شمعة لإضاءة دروبكم، د. عبد الكريم بكار، بتصرف يسير].

مظاهر القصور

إن القصور الذاتي يظهر ويتجلي في العديد من الأمور، ولكن يمكن اختصارها في الآتي:

أولًا: السعي بلا هدف وبلا خطة، فكثير من الشباب حينما تسألهم عن أهدافهم، تفاجئ بعدم وضوح شديد ينبي عن أنهم لا يعرفون بدقة ما يريدون، ومن ثم لم يحددوا ما يريدون أن يصبحوا عليهم بعد عشرين عام أو أكثر.

قد يكون لدى الكثير من الشباب أحلام وأمنيات وتطلعات، لكن للأسف ليس هناك أهداف واضحة، ومن ثم لا نجد حافزًا على البذل والجهد، وإلا فإذا سألتك ماذا تفعل الآن لتصل غدًا إلى ما تريد، فينبغي أن يكون ردك جاهزًا وواضحًا .. باختصار هذا ما يعاني منه كثير من الشباب.

وكما هو معلوم فإن (تحديد الهدف هو الذي يرسم مسار حياة الإنسان، ومهما بذل المؤمن من جهد وعرق فإنه لن يحقق شيئًا ما لم يكن قد حدد هدفه بدقة) [صناعة الهدف، هشام مصطفى، صويان بن شايع الهاجري].

يقول بيل كوبلاند: (المشكلة في عدم وجود هدف لك في الحياة أنك قد تقضي حياتك تركض هنا وهناك دون أن تحرز أي شيء) [قوة الأهداف، ص(45)].

ثانيًا: ضعف الهمة وقلة العزيمة والإرادة، فالشباب كلما كان أكثر همة وأقدم على بذل الجهد ومواصلة العمل في الطريق الصحيح كلما حصل نتائج مضاعفة والعكس صحيح، وقد قال أحد الحكماء يبين لنا مظهرًا من ظاهر القصور الذاتي: (إن الإنسان ليس ضئيلًا ولا عاجزًا, لكنه كسول إلى حد بعيد).

فلنقطع داء الكسل والعجز وضعف العزيمة بسكين الإنجاز والفاعلية والقوة والإقدام، ولنردد دائمًا دعاءه عليه الصلاة والسلام: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل، ومن الجبن والبخل) [رواه البخاري].

ثالثًا: من مظاهر القصور الذاتي: "الفوضى" فكم هي الفرص التي ضاعت بسبب الفوضى؟ وكم تأخيرنا في مسيرة الحياة لذات السبب؟ فالفوضى (تسهم بحظ وافر في القصور الذاتي, ولا سيما في هذه الأيام, فنحن كما تعرفون نعيش في عصر شديد التعقيد, وكثير المتطلبات, والفرص فيه عظيمة, ولذلك فلابد من تنظيم الشأن الشخصي وترتيب الأولويات.

ألزموا أنفسكم بأداء شيء جيد على نحو يومي مثل قراءة جزء من القرآن، والمحافظة على صلاة الجماعة، وقراءة في كتاب جيد، والوصول إلى مكان العمل في الوقت المحدد, وأداء خدمة تطوعية صغيرة.. فهذا يحد من الفوضى في حياتكم الشخصية) [إلى أبنائي وبناتي 50 شمعة لإضاءة دروبكم، د.عبد الكريم بكار].

رابعًا: وهذا من أخطر مظاهر القصور الذاتي، وهو من أبرز المشكلات، إنه داء التسويف، غدًا وبعد غد والأسبوع القادم، وتمر سفينة الحياة تقطع الأيام وهي محمولة على أمواج التسويف حتى تلقي بها في قاع ضياع العمر وذهابه، إن كل صاحب همة عالية وإرادة قوية يتخذ من التسويف عدوًا وخصمًا،  قال الحسن: (إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غداً لك فكن في غد كما كنت في اليوم ، وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم).

وها أنا ذا أذكرك بقول الصاحب: (إن الراحة حيث تعب الكرام أوْدَع لكنها أوضع والقعود حيث قام الكرام أسعل لكنه أسفل)، [محاضرات الأدباء، (1/448)]، وقال الشاعر:

كأن التواني أنكح العجز بنته   وساق إليها حين أنكحها مهرا

فراشاً وطيئاً ثم قال له اتكئ    فَقُصْراكما لا شك أن تلدا فقرا

فعليك أيها الشاب، أن تودع العجز والتسويف ولا تضف أعمال اليوم إلى الغد فإنها تصير أشد صعوبة، وقم ودع عنك الخمول وأوقد شعلة الإيمان واجعلوها تضيء سكون الفوضى والفراغ والتسوف والعيش بلا هدف، واستعينوا بالله فهو نعم المولى ونعم النصير.


JoomShaper