محمد السيد عبد الرازق
هل تعاني من الرهاب الاجتماعي؟
أخي الشاب، هل تتخوف دائمًا من إحراج نفسك أمام الآخرين؟
هل تترهب من الحديث مع المسئولين ومواجهتهم؟
هل تشعر بتشتت التركز أثناء الحديث أمام الآخرين؟
هل تشعر بتوتر وتزايد ضربات القلم عندما تقدم لإمامة المصلين؟
هل تشعر بالقلق حينما تسلط الأنظار لك؟
هل تخشى التصدر والحديث في المناسبات الاجتماعية والاجتماعات؟
وهل عندما تتعرض لأحد المواقف السابقة، تشعر بالأعراض التالي:
احمرار الوجه والخجل.
التوتر والقلق.
شعور مفاجئ بالرغبة في الذهاب إلى دورة المياه؟
إذا كانت إجابتك (بنعم) على العرض الأول أو الثاني، فهذا يدلل على أنك ربما تعاني من مرض الرهاب الاجتماعي، أما إذا كانت إجابتك (بنعم) كذلك على العرض الثالث، فهذا تأكيد على أنك تعاني فعلًا من مرض الرهاب الاجتماعي.
إن المصاب بالرهاب الاجتماعي يخاف من أن يخطئ أمام الآخرين فيتعرض للنقد أو السخرية أو الاستهزاء، وهذا  الخوف الشديد يؤدي إلى استثارةٍ قوية للجهاز العصبي ويتم إفراز هرمون الأدرينالين بكميات كبيرة تفوق المعتاد مما يؤدي إلى ظهور الأعراض البدنية على الإنسان الخجول في المواقف العصبية.

عندما يتحول الخوف إلى مرض
إن الخوف شيء فطري مركوز في الطبيعة الإنسانية، بل لدى جميع الكائنات الحية، وكل شخص يستجيب للخوف بطريقته الخاصة، لكن إذا زاد هذا الخوف عن حده الطبيعي، فعندئذ يصبح مرضًا، وهو ما يطلق عليه "الرهاب".
إن الشخص عندما يخاف من شيء ما بقدر لا يتناسب مع هذا الشيء وخطره فإنه يتحول من إنسان طبيعي إلى إنسان مريض لا يمكنه أداء بعض وظائفه بشكل طبيعي مثل بقية الناس.
وإذا كنا نتحدث عن الشباب خاصة، فإن أكثر أنواع الرهاب التي تصيبهم هو "الرهاب الاجتماعي".
وهذا أمر منتشر بين الكثير من الناس عمومًا وبين الشباب خصوصًا، ولنا أن نعلم ما يقارب من 10% من الناس يرهبون المناسبات الاجتماعية مما يؤثر سلبيًا على حياتهم الاجتماعية والتعليمية والعملية وعلاقاتهم الشخصية بصورة كبيرة.
ولكن هل تعلم أن لهذه الحالات علاج جيد وفعال؟ لعلك تجد المساعدة لدينا في هذه الكلمات القادمة.

ما هو الرهاب الاجتماعي؟
إن الرهاب (الخوف) الاجتماعي هو حالة طبية مرضية تحدث في ما يقارب واحد من كل عشرة أشخاص كما بينا، وتؤدي إلى خوف شديد، ويتركز هذا الخوف في الشعور بمراقبة الناس.

ولكن هل الرهاب الاجتماعي هو الخجل؟
إن هذا الخوف أكبر بكثير من الشعور العادي بالخجل أو التوتر الذي يحدث عادة في التجمعات، بل إن الذين يعانون من الرهاب (الخوف) الاجتماعي قد يضطرون لتكييف جميع حياتهم ليتجنبوا أي مناسبة اجتماعية تضعهم تحت المجهر.
إن علاقاتهم الشخصية ومسيرتهم التعليمية وحياتهم العملية معرضة جميعها للتأثر والتدهور الشديد. وكثير من المصابين يلجأون إلى الإدمان على الكحول أو المخدرات لمواجهة مخاوفهم.

لا تظلموا أنفسكم
فقد تكون أنت الأفضل في الجامعة أو في المدرسة ولكن قدرتك لا تظهر لأنك تبتعد عن العمل الجماعي بسبب الرهاب الاجتماعي، قد تكون أنت الأفضل في عملك ولكنك دائمًا ما تفضل الاختباء وراء الكواليس وعدم المواجهة وبيان وجهة نظرك في الاجتماعات والنقاشات، قد تكون أنت الأجدر بالقول لكنك لا تقول، فأنت ممتنع عن الظهور.

وحتى لا تظلم نفسك أكثر من ذلك، ابدأ من الآن خطواتك الحثيثة نحو العلاج:

أولًا: التنبيه الذهني:
يقصد بالتنبيه الذهني، هو انتباهك الدائم لنفسك، لخطابك الداخلي، وحالتك النفسية في كل فعل، بحيث تدرك أن ما يمنعك من تقديم عرضٍ ما ـ مثلًا ـ هو الرهاب الاجتماعي الذي تعاني منه.

ماذا يحدث؟
إن ما يحدث من خلال التنبيه الذهني هو محاولة الفصل بين تفكيرك الشخصي وذلك الناتج عن الرهاب الاجتماعي، فعندما تفصل ما بين تفكيرك الشخصي وتفكيرك الناشئ من رهابك الاجتماعي ستكون في الطريق الصحيح إلى العلاج.
إن الرهاب الاجتماعي يسبب حالة من التفكير السلبي في خطوات كثيرة، ولذا يجب أن تفهم أثره عليك، وأن تلقي اللوم عليه في كل مرة يمنعك فيها من أداء شيء ما.
ولذلك قيل: (مفتاح التغلب على الخجل الاجتماعي هو تحدي الأفكار الخاطئة التي تسيطر على الذهن عند التعرض للمواقف الاجتماعية فإذا تمكن الإنسان من تحدي تلك الأفكار والتغلب عليها فسوف يتصرف تلقائيًا بصور طبيعية) [مجلة الشباب، د. محمد الصغير].

ثانيًا: تسلسل الأفكار:
إن الخطوة التالية المهمة بعد (التنبيه الذهني) هي (التحكم في تسلسل أفكارك)، ونقصد بذلك أن يقودك هذا التسلسل إلى الخوف اللامنطقي والخوف الغير مبرر، (فبدلاً من التوجه نحو السلبية يمكنك أن تفكر: لماذا راودتني هذه الفكرة؟ وما هي البدائل الأخرى؟ وما هي النتائج من هذا التفكير؟ وما أهميتها؟ يمكنك أن تفكر مع نفسك أو حتى أن تكتب هذه الأفكار في ورقة لتسهل على نفسك التعامل معها.

مثال:
- الفكرة: قمت بسرد نكتة ولم يضحك أحد عليها منهم.. بالتأكيد هم يفكرون الآن كم أنا أحمق!
- لماذا: لا أعرف لماذا أفكر بهذه الطريقة، هم لم يضحكوا.. ربما هو رهابي الاجتماعي وقلقي المعتاد (هنا تم تطبيق الخطوة التي ذكرناها سابقًا: التنبيه الذهني)
- بدائل الفكرة: ربما لا يجدوا النكتة مضحكة، ليس أنني أنا الغبي.. ربما سمعوها من قبل وهي مكررة لهم، ربما لم يفهموا النكتة، ربما ليسوا من النوع الذي يضحك بصوتٍ عالٍ أو لا يجيدون التعبير عن إعجابهم بشيء، ربما هم من النوع الخجول، ربما… إلخ.
- النتيجة المتوقعة من الفكرة: ليس من المتوقع لنكتة واحدة أن تغير نظرتهم إلي، في أسوأ الأحوال قد يفكروا بأنني لا أجيد إلقاء النكات، وهذا لا يعني أنني غبي أو أحمق، وربما يكون ذوقهم فقط مختلف عني.
- أهمية هذه النتيجة: حتى لو نظروا إلي بصورة سلبية من أجل نكتة فلا أدري لماذا أهتم، أنا لا أعرفهم أصلًا، وقد لا ألتقيهم بعد اليوم، رأيهم لا يهمني كثيرًا، ولا يجب أن يؤثر في نظرتي لنفسي، لذا لا يجب أن أشعر بالقلق أو التوتر أبدًا.
ببساطة هذا ما نعنيه بتسلسل الأفكار، وكيف أنك يمكن أن تتحكم بها لصالحك، وتوجهها بعيدًا عن التفكير السلبي [موقع العلاج الطبي].

مواجهة الخوف:
كلنا تنتابه مشاعر الخوف، ولكن الشجاعة هي التغلب على الخوف، وهذه الخطوة تحديدًا تحتاج منك إلى شجاعة وقوة، وقد تكون الأصعب بالنسبة لك، ولكن نتائجها سريعة بإذن الله في علاج الرهاب الاجتماعي.
إن الرهاب الاجتماعي كما بينا من قبل، ينشأ عنه عدة مخاوف، منها: الخوف من التعرض للإحراج، ورؤية الناس لك وحكمهم عليك، وقد وجد في بعض الحالات وجد أن التعرض إلى هذه المخاوف لفترة معينة حتى يتم التعود عليها قد يخلصك منها، وهو ما يعرف بــ(إزالة التحسس Desensitization).

مثال:
يمكنك أن تحرج نفسك فيما هو ضمن سيطرتك حتى تتوقف عن الخوف من أن تتعرض للحرج، فيمكنك مثلًا أن تقوم بالقراءة بصوت عالٍ أو شيء من شأنه أن يلفت الانتباه إليك، في مكان عام [بين أصداقئك في النادي مثلًا] وتبقى على هذه الحال لحين التوقف عن الشعور بالخوف والتوتر.

وسائل الانشغال:
إن من أهم الأشياء في رحلة العلاج، التقليل من الرسائل السلبية والتفكير السلبي، قبل الموقف أو بعده أو أثناءه ولا يكون ذلك إلا بوجود مصادر انشغال جديدة تبعث برسائل إيجابية، تلك الوسائل التي تجعلك تتجاوز الموقف ولا تجعله يعلق في ذهنك ومخيلتك، ومن أفضل هذه الوسائل:
الذكر عمومًا وقراءة القرآن بتدبر خصوصًار.
الممارسة الدورية للرياضة.
قضاء أوقات ممتعة مع الأسرة والأطفال ومساعدة الآخرين.
مطالعة البرامج المفيدة والشيقة.

أخيرًا..
وقبل كل ما سبق أخي الشاب، عليك دائمًا أن تلجأ إلى الله تبارك وتعالى فهو الذي يعطي ويمنع ويحرم ويمنح، فكن دائم الصلة به سبحانه، فهذا من أقوى أسباب التدعيم النفسي، وإن استمرت الحالة فربما تكون في حاجة إلى زيارة طبيب نفسي وليس في ذلك حرج، بل هو سبب من أسباب الشفاء، والتقدم بالحياة إلى الأفضل حتى نحقق فيها مراد الله، فتوكل على الله واستعن به ولا تعجز.

JoomShaper