أم عبد الرحمن محمد يوسف
لماذا يحيد الكثيرون عن جادة الطريق؟!
لماذا تتصدع القلوب في مواجهة المحن والابتلاءات؟!
لماذا تضعف النفوس أمام مغريات الدنيا بعد أن ذاقت حلاوة الإيمان؟!
لماذا يتفاضل الناس في منازلهم يوم القيامة؟
أسئلة كثيرة والجواب واحد ...
إنه الصدق مع الله ...
إنه سر القبول.

في الصدق كل الخير:
فالخير كل الخير في الصدق مع الله، ولا نجاة من المحن والابتلاءات والاختبارات إلا كما قال تعالى: {طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لهُمْ} [محمد: 21]، فعند اشتداد البلاء يبرز الصادقون وسط الناس كأعلام ثابتة شامخة، يقودون المجموع إلى بر الأمان وشاطئ السعادة، (فليس للعبد شيء أنفع من صدقه ربه في جميع أموره) [الفوائد، ابن القيم].
منازل المقربين:
وبصدقك مع ربك ترتقي إلى منازل المقربين وإن قصر بك عملك عن اللحاق بهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من سأل الله الشَّهادة بصدق؛ بلَّغه الله منازل الشُّهداء وإن مات على فراشه) [رواه مسلم]، وقدوتك في ذلك الملك العادل نور الدين محمود الذي لقبه الناس بالشهيد بالرغم أنه مات على فراشه؛ من كثرة طلبه للشهادة ودعائه أن يعطيه الله إياها.

من سادات الصادقين:
1- صاحب السهم:
أولهم ذلك الأعرابي ذو الفطرة السوية، والذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فآمن به واتبعه ثم قال: (أهاجر معك)، فأوصى به النبي صلى الله عليه وسلم بعض أصحابه، فلما كانت غزوة غنم النبي صلى الله عليه وسلم سبيًا فقسم وقسم له، فأعطى أصحابه ما قسم له، وكان يرعى ظهرهم فلما جاء دفعوه إليه؛ فقال: (ما هذا؟)، قالوا: (قسم قسمه لك النبي)، فأخذه فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما هذا؟ قال: (قسمته لك)، قال: (ما على هذا اتبعتك، ولكني اتبعتك على أن أُرمى إلى هاهنا ـ وأشار إلى حلقه ـ بسهم، فأموت فأدخل الجنة)، فقال: (إن تصدق الله يصدقك).
فلبثوا قليلًا ثم نهضوا في قتال العدو، فأُتي به النبي صلى الله عليه وسلم يُحمل قد أصابه سهم حيث أشار، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : (أهو هو؟)، قالوا: نعم، قال: (صدق الله فصدقه).

فتأملي يا رعاك الله ذلك الأعرابي الذي بلغ مقدار الصدق في قلبه مبلغًا عظيمًا، فكان جزاؤه من جنس عمله، أن مات كما أراد وأقر صدقه الصادق الأمين محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: (اللهم إن عبدك هذا خرج مهاجرًا في سبيلك، فقُتل شهيدًا، أنا شهيد على ذلك) [رواه النسائي، وصححه الألباني].

2- نضر الله ابن النضر:
وفارس آخر من فرسان الصدق مع الله، روى خبره أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: (قال عمي أنس بن النَّضر الذي سميت به لم يشهد بدرًا مع رسول الله، فشق عليه فقال: أوَّل مشهد شهده رسول الله غيبت عنه، وإن أراني الله مشهدًا مع رسول الله فيما بعد ليرينَّ الله ما أصنع.
قال: فهاب أن يقول غيرها فشهد مع رسول الله يوم أحد، فاستقبل سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو أين؟ قال: واهًا لريح الجنَّة، أجدها دون أحد، فقاتلهم حتَّى قُتل، فوُجد في جسده بضع وثمانون من بين ضربة وطعنة ورمية.
فقالت أخته عمَّتي الربيع بنت النَّضر: فما عرفت أخي إلَّا ببنانه، ونزلت هذه الآية:{مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 23]) [رواه مسلم].

3- طُموح ابن الجموح:
وثالثهم عمرو بن الجموح الذي ما منعته إعاقته أن يبرهن على صدقه وإخلاصه مع الله، فقد كان أعرج شديد العرج، وكان له أربعة بنين شباب يغزون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا غزا، فلما توجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أُحد أراد أن يتوجه معه، فقال له بنوه: (إن الله قد جعل لك رخصة، فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد).
فأتى عمرو بن الجموح رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (يا رسول الله، إن بني هؤلاء يمنعوني أن أخرج معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد، فأطأ بعرجتي هذه في الجنة)، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد)، وقال لبنيه: (وما لكم أن تدعوه لعل الله عز وجل أن يرزقه الشهادة) [زاد المعاد، ابن القيم].
فخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقُتل يوم أحد شهيدًا، ليصدقه ربه وعده للشهداء بسكنى الفراديس، جزاء ما صدق عهده مع ربه، فلله دره من شهيد أعرج، فاق بصدقه رجولة الأصحاء.

4- صادق يهتز له العرش:
وها هو نجم من نجوم الصدق مع الله تألق وسطع حتى نال منزلة عند الله لم ينلها أحد قبله، إنه سعد بن معاذ رضي الله عنه.
أُصيب في غزوة الأحزاب وظل جرحه يثعب دمًا لا يتوقف عن النزيف، وحين شعر بدنو أجله؛ رفع يده إلى ربه وخاطبه خطاب الصادق الواثق قائلًا: (اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئًا فأبقني لها، فإنه لا قوم أحب إلي أن أجاهد من قوم آذوا رسولك وكذبوه وأخرجوه.
اللهم وإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم، فاجعلها لي شهادة، ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة) [سيرة ابن هشام]، فاستجاب له الله عز وجل وتوقف جرحه عن النزف.
وبعد اندحار المشركين هدأت سريرته وقرت عينه، فأكمل الله له دعوته وفجر جرحه؛ فمات منه شهيدًا، وبلغ من المنزلة أن اهتز له عرش الرحمن؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ) [متفق عليه].

قبل الرحيل:
نادت الجنة عليهم ...
واشتاقت الفراديس إليهم ...
رجال عاهدوا صدقوا وصانوا            وإن خذل المؤمر والقريب
نفـوس لا تســاوم في هــواهــا            وتـهفو للقراع وتستجيب
فهنيئًا لمن أخلص النية، وجرد العزم، وانتقل إلى ركب الصادقين الصالحين السباقين إلى جنات النعيم.

وماذا بعد الكلام؟
1. تحري الصدق في كل أقوالك وأفعالك، وإياكِ والكذب، وليكن قول الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} [التوبة: ١١٩]، نبراسًا لكِ في حياتك، ومعه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكتب عند الله صديقًا) [متفق عليه].
2. اتركي شيئًا مما أنتِ مقيمة عليه من معصية الله؛ لتثبتي مدى صدقك مع الله، واجتهدي في ذلك، وتقوي بعبادة الصوم التي تعلمك الصبر على ترك الملذات.
3. تصدقي بشيء تحبيه في سبيل الله؛ كأكلة تحبيها أطعمي بها مسكينًا، أو ملابس جديدة اشتريتِها أو غير ذلك مما تحبه نفسك.
4. اجتهدي في الدعاء أن يرزقك الله الإخلاص والصدق، وأن يتقبلك في عباده الصالحين الصادقين

JoomShaper