محمد السيد عبد الرازق
فلما قسا قلبي وضاقت مذاهبي          جعلت الرجا مني لعفوك سلما
تعاظمني ذنبي فلما قرنـــــــــــته            بعفوك ربي كان عفوك أعـــظما
فما زلت ذا جود وفضل ومنــَّـة          تجود وتعفو منَّة وتكـــــــــــرمـا

هل قتلت مائة نفس؟؟
عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: (كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسًا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسًا فهل له من توبة؟ فقال: لا فقتله فكمل به مائة.
ثم سأل عن أعلم أهل الأرض، فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس فهل له من توبة؟ فقال: نعم من يحول بينه وبين التوبة؟! انطلق إلى أرض كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء.
فانطلق حتى إذا نصف الطريق فأتاه ملك الموت فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبًا مقبلًا بقلبه إلى الله تعالى، وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرًا قط، فأتاهم ملك في صورة آدمي فجعلوه بينهم فقال: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيتهما كان أدنى فهو له؛ فقاسوا فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد فقبضته ملائكة الرحمة) [رواه مسلم]، وفي رواية (فأوحى الله إلى هذه أن تباعدي وإلى هذه أن تقربي وقال قيسوا بينهما فوجدوه إلى هذه أقرب بشبر فغُفر له) [رواه مسلم].
فهل قتلت مائة نفس أو حتى خمسين نفسًا أو عشرين أو عشرة؟!
بل هل قتلت نفسًا واحدة حتى تيأس من رحمة الله؟!
فإن كان عفوه قد أحاط بقاتل المئة على عظم ما ارتكب من آثام وخطايا؛ أفلا يكون أملك فيه كبيرًا ورجاؤك في عفوه عظيمًا، وإن كنت من أصحاب الكبائر؟

أيغفر لزانية وأنت لا؟!
قال صلى الله عليه وسلم: (بينما كلب يطيف بركية [بئر] كاد يقتله العطش إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها [حذاءها] فاستقت له به فغفر لها) [رواه مسلم].
يا لها من مغفرة واسعة ويا له من عفو عظيم ذلك الذي يمن به الله على عباده المذنبين العاصين؛ وبعد هذا أتراه سبحانه لا يعفو عنه ولا يغفر له؟! وقد غفر لمن هم أعظم منه ذنبًا وأثقل حملًا؟

نداءات ربانية ونبوية:
وإليك نداءات ربانية من أرحم الراحمين ومعها نداءات نبوية من خير خلق الله أجمعين لعلها تطمعك في عفو ربك وترجيك في رحمته؛ فاقرأها بعين قلبك لا بعين عينك:
·  (قال الله تعالى: يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم لو أنك أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا؛ لأتيتك بقرابها مغفرة) [رواه الترمذي، وصححه الألباني]. ‌

·  (وقال تعالى: أنا عند ظن عبدي بي؛ فليظن بي ما شاء) [رواه الطبراني في الكبير، وصححه الألباني].
·  وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى حيي كريم، يستحي، إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفرًا خائبتين) [رواه أبو داود، وصححه الألباني].
·  وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يموتن أحد منكم إلا وهو يحسن الظن بالله) [رواه مسلم].

إياك وفخ الغرور:

واحذر أيها المريد، فمن اتكل على رحمة الله وعفوه ولم يحسن العمل أو يقدم ما يبرهن على صدقه؛ فهو المغبون الذي خسر دنياه وآخرته، فربك الغفور هو ذاته شديد العقاب، وبيده خلق الجنة والنار، وهو الذي يحذرنا نفسه قائلًا سبحانه: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ) [الحجر: ٤٩ - ٥٠].

فمن طمع في رحمة الله وتحجج بحسن الظن به ثم قعد عن العمل والطاعة، فهو كالمنبَّت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى، وهؤلاء هم من قال في حقهم الحسن البصري رحمه الله: (كذبوا لو أحسنوا الظن لأحسنوا العمل) [تفسير الألوسي].

وكما قال يحي بن معاذ: (من أعظم الاغترار التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمني على الله عز وجل مع الإفراط) [إحياء علوم الدين، الغزالي].

فاقرن رجاءك بخوفك، واسأل الله العتق من النيران كما تسأله الفوز بالجنان، فلا خاب أبدًا من عبد الله بالخوف والمحبة معًا.

قبل الرحيل:
جلس ابن مسعود في السوق يبتاع طعامًا فابتاع، ثم طلب الدراهم وكانت في عمامته فوجدها قد حلت، فقال: لقد جلست وإنها لمعي، فجعلوا يدعون على من أخذها ويقولون: اللهم اقطع يد السارق الذي أخذها، اللهم افعل به كذا، فقال عبد الله: اللهم إن كان حمله على أخذها حاجة فبارك له فيها، وإن كان حملته جراءة على الذنب فاجعله آخر ذنوبه
وقيل لأبي الدرداء: مَن أعزُّ الناس؟ فقال: الذين يعفون إذا قدروا؛ فاعفوا يعزكم الله تعالى
وقال الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما: (لو أنَّ رجلًا شتَمني في أذني هذه، واعتذر في أُذني الأخرَى، لقبِلتُ عذرَه)
روي أن الحجاج بن يوسف الثقفي طاغية بني أمية حين موته نادى ربه فقال: (اللهم اغفر لي فإنهم يقولون إنك لن تغفر لي) [الوافي بالوفيات، الصفدي].
وحين سمعه الحسن البصري تلك المقولة قال: أوقد قالها؟
والله أخشى أن يغفر الله له بها ...

وماذا بعد الكلام؟
1.  أكثر من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)  [رواه الترمذي، وصححه الألباني]..
2.   ادع الله عز وجل وأنت موقن بأنه سيستجيب دعائك، ويغفر ذنبك، ويتقبل سعيك. 
3.   ليكن ديدنك في الدعاء: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني.
4.   أيقن بعفو الله عليك وأحسن الظن به وأنه لن يردك أبدًا إذا كنت صادق في اللجء إليه.

JoomShaper