أحمد عبد الجواد زايدة
في خضم مدلهمات وكوارث يراها الجميع يومًا بعد يوم؛ أو بالأحري ساعة بعد ساعة ؛ أو على وجه الدقة لحظة بعد لحظة  يغدو لكل من تأمل بناظريه مستبصرًا متأملًا مستقرءًا  أن أزمة أمتنا وعالمنا هي أزمة (الإنسان) الذي سحقته نفسه وضيعه هواه وشتته مزاجه... ومن ثم فإن الإصلاح يبدأ من هنا (الإنسان حيث الأساس... الإنسان هو القضية) ، تحرير الإنسان قبل تحرير الأوطان ، وتحرير الوجدان قبل تحرير السلطان ، إذ إن الثانية لا تتم بدون الأولى، والأولى لا تكتمل بدون الثانية، لمن وعى... والصلة بينهما جدلية مطردة لا تنفك الثانية عن الأولى والعكس...
حدثني ما شئت عن مصالح الكون، ورؤية العالم، وفلسفة الوجود، لكن قبلها حدث نفسك عن مقدار ما يحمله قلبك من نور، وعقلك من هداية، وقلبك من خشية، وفؤادك من محبة لله ولرسوله وللمؤمنين، سل نفسك قبل أن تتحدث عن معادلات تغيير العالم ووسائل مجابهة الظلمة وفلسفة رعاية المهمشين ووسائلها عن حالِك ومآلِك؟ قبل أن تتحدث عن بعض الأحكام صِغ نفسك بنور الهداية وسلِ الله الرشاد، بناء الأمة يأتي ببناء الإنسان ليخرج (إنسان الأمة) حامل رسالة الشهود الذي يدفع روحه من أجل أن يغير هذا العالم، بدون هذا الإنسان ستكون لدينا أعظم رسالة وأسوأ إنسان، وما كان لأطهر رسالة أن يحملها إلا المطهرون الأبرار الذين ترى نور الشهادة يتلألأ في أعينهم، حدث نفسك أولًا ما هو حظ قلبك وعقلك وجوارحك من (لا إله إلا الله)، ولسانك وفعالك من (إن أقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافًا الذين يألفون ويؤلفون)، فتش في أعماق قلبك عن معاني الصدق والحياء والعفة والخشية والرجاء؛ فتش عن حال ليلك فيم تقضيه؟ هل توقد سراجك أم تُطفىء سراج قلبك؟ فينطفىء لسانك ويشت عقلك؟!
إن فوضى العالم منشأها فوضى القلوب والعقول، فنشأ لدينا عالم فوضوي يرقد في ظلمات التيه لا تسمع للحكمة صوتًا ولا للمسئولية نداءً ولا للصدق حسيسًا...
هذه الأمة تدير معاركها بفشل، تختار معاركًا ما كان لها أن تقع تحت طائلة الاختيار، تختار المعارك الخاطئة في الأوقات الضائعة حيث لا وقت في الحياة سوى دقائق لإحراز الهدف، وإلا ففرص التاريخ المحدودة تضيع بسهولة إن لم يتلقفها أصحاب العقول الحكيمة والقلوب المؤمنة...

الإنسان هو القضية... تلكمُ هو الأنشودة الخالدة وهاته هي البوصلة، فمن ضلها فقد خسر...

الإنسان هو القضية، وعمرانه هو النهضة... جنانًا ووجدانًا... عمران الإنسان حيث عمران عقله، وروحه ووجدانه، ليكون بحق إنسان الشهود وحامل رسالة التغيير، والنافخ من أنات روحه في قلوب المساكين والحيارى ليعيد نور الحياة مرة أخرى بما استُودع في مكنون نفسه من سر خفي كونته أنات الليل وبكاء السحر ووجع حمل الهم، رققته دموع الليل فأصبحت عيناه ناطقتين ولو لم يتحدث اللسان، إن عمران السلطان لن يتأتى دون عمران الإنسان، وعمران الإنسان لن يتحقق دون عمران الجنان والوجدان؛ وعمران البنيان هو القنطرة بين الأولى والثانية.

لا تستهينوا بالبدهيات فإنها الحل في عِراك الأزمات ومعترك الخطوب حيث ينساها الجميع... الإنسان هو القضية، وحين يُفلح الجميع في أن يجيب على نفسه (من أنت أيها الإنسان؟)، ستنبلج الأزمة وتفرج الغمة ويقضي الله أمرًا كان مفعولا.

المصدر: الوعي الشبابي

JoomShaper