عبد العزيز الخضراء
تمثل أزمة التعبير عند الشباب محوراً رئيساً لمشكلاته، ولعل السبب في ذلك أن بعض الشباب لا يجدون مجالاً يكتبون من خلاله ما يعتقدون، أو يعبرون فيه عما يشعرون، أو أنهم يفتقرون إلى وجود قنوات الاتصال الحقيقية التي من خلالها يعلنون عن مشاكلهم ويحدِّدونها، وقد يكون السبب في كل ذلك هو دافع يهدف لتوخي السلامة.
وربما لا يجد الشاب إصغاءً من بعض الذين يفترض أن يفضي لهم بشكواه، والذين قد يطالبونه بضرورة الالتزام والتغاضي والتحمل وقول الخير والإشادة بكل شيء، وعندها يجد الصمت أفضل من التعبير الذي قد يجرح الشاكي.
فهناك حواجز حقيقية بين الشباب وأهلهم، تمنع الشباب من إعلان آرائهم الصريحة لأهلهم، هذا يعكس التحفظ العميق الذي يبديه الشباب على آرائهم ويمنعهم من إجراء أية مناقشات أو حوار أو اتصال على مستوى الرأي بين الاثنين.
من هنا تنشأ أزمة التعبير لدى بعض الشباب.. فإما الصمت أو التطرف وكلاهما غير مقبول، حيث إن التعامل مع الشباب يقتضي التواصل بالمحبة المدعومة بالحجة والمناقشة الموضوعية الواعية بمشكلاتهم والتي تؤدي لتوليد القناعات.
فنحن بحاجة أن نبحث عن فلسفة تربوية تحقق لشبابنا وشاباتنا حياة مستقرة، يشعرون فيها باعتبارهم ووجودهم كعناصر فاعلة يعبرون عن آرائهم بحرية وتناقش باهتمام ويتفهم الآباء متطلباتهم، وحيث لا تكون هنالك هوة بين ما يريده الآباء وما يدافع عنه الأبناء.
فكيف السبيل لهذه الفلسفة؟
الإجابة تتلخص بعبارة: يجب أن نقيم العلاقات بيننا وبين أبنائنا الشباب على أساسين مهمين: أن نستوعب أولادنا ونفهم مشاعرهم، أن نفهم مشاعرنا نحن.
وما نشاهده اليوم لدى بعض الشباب من تصرفات يبدو عليها التطرف، مردُّه إلى أنهم لم يقابلوا بالمناقشة والإقناع، وربما قوبلوا بالزجر والتسلط والقمع وهذا يقوي الفكر المتطرف المبني على أفكار سلبية واهية، تؤلم الوالدين دون أن يشعر هؤلاء الشباب، في معظم الأحيان، بمسؤوليتهم عنها، وتحول دون التفاعل الإيجابي البناء بين الجيلين، هذا التفاعل الذي وإن لم يخلُ من بعض الحدّة، هو شرط من شروط انشراح الشباب وإنضاج شخصيّتهم الناشئة.
لهذا نؤكد ضرورة الإصغاء لآراء شبابنا، وعلى تعميق التفاعل الإيجابي معهم لاستيعاب أفكارهم، ونبذ كل ما يزيد الفجوة اتساعاً، وهذا يعمل على مد خطوط التواصل بالحوار والتفاهم البناء الذي يساعدنا على فهم لغة شبابنا والتعاون معهم للاغتناء من معطيات عصرهم فنشاركهم أفكارهم ومشاعرهم ونطلُّ معهم على الحياة من نوافذ مشتركة.
تعويد الشباب على الحوار الحر
الأسرة هي الرحم الاجتماعي الذي يتلقى الوليد البشري ويتعهده بالرعاية والحماية، ولكل أسرة (شخصيتها الأسرية وسماتها العائلية) التي تتميز بها بين الأسر والعائلات الأخرى، وفي ظل هذا المناخ الأسري تتحدد أولى معالم بنية الشخصية الإنسانية، وهي التي تقوم بعملية تزويد طبيعي للسمات والأنماط التي تريد أن تُكسبها لهذا الفرد لتكوِّن شخصيته التي ستتدرج في نموها وتطور إمكاناتها حتى تدخل مرحلة الشباب متسلحة بقدرات لتواجه بها متطلبات المستقبل. ولبناء هذه القدرات على الأسرة أن تمد جسور التواصل والحوار مع أفرادها أطفالا وشبابا.
فليس أخطر على الحياة الفكرية بالنسبة للشباب من أن تكون أفكارهم وثقافتهم التي يحيونها مجرد مجموعة من الأفكار الجاهزة إلا أنها مجمدة ومصادرة ولا تُمنح فرصة المناقشة ولا يملك الشباب نحو هذا التفكير إلا التسليم الأعمى، ولا يُسألون مطلقا عما تنطوي عليه من معانٍ أو ما تستند إليه من فروض. أما عندما يمارس الشباب التفكير المنهجي العلمي المشبع بحرية إبداء الرأي والتعايش تحت مظلة الحوار الفكري البناء ولا يستخدم المقدمات القياسية إلا إذا كانت منطقية وسليمة من حيث الحدود والمفاهيم، فآراؤه تناقش بموضوعية واحترام وتُعطى له فرصة الدفاع عنها وهذا يؤدي لنتائج غاية في الإيجابية، لأنها تبني فكر الفرد وشخصيته.
كيف يتحقق الحوار الفعَّال بين الشباب والأهل؟
بداية لا بد أن نشير إلى أننا لا نركز على ضرورة الحوار بغرض أن يكون عاملا يزيل الخلافات بين الأهل والأبناء، فهذا أمر لا بد منه، ولكن بإمكانه أن يلعب دوراً إيجابياً، ويكون مصدرا غنيا للطرفين، ومن هنا نؤكد على سلطة ضابطة وموجهة للوالدين، فأول سلطة يجابهها الشاب في حياته هي السلطة البيتية، وهي ضرورية جداً لتكوين شخصيته، فإذا اصطدمت إرادته بهذه السلطة منذ حداثته، أدرك معنى هيبة السلطة وحرمة القانون، وأحسَّ بأن الحرية التي يتمتع بها إنما هي حرية مقيدة، إذ لا بد أن يصطدم الشباب بهذه السلطة (أعني سلطة الأهل)، ويبنون شخصيتهم على هذا التصادم شرط أن يكون تحت مظلة الاحترام المتبادل والرغبة المخلصة في التفاهم.
وهنا نطالب الأهل أن لا يرضخوا أمام مطالب ونزوات أولادهم الشباب بل يُثبتوا وجودهم بحكمة الواعي لمسؤولياته والمتسلح بالصبر حتى يحققها، فالشباب يريدون أن يصادفوا أمامهم أشخاصاً حقيقيين، لا أطياف لا قوام لها، يريدونهم آباء واضحي المعالم والسمات، كي يستطيعوا أن يتفاعلوا معهم، ولو عبر توتر، فشخصيتهم تنضج عبر ومن خلال هذا التفاعل.
إن ما يحفظ هيبة الأهل واحترامهم في نظر أولادهم أمور ثلاثة هي:
1 - الدرجة العالية من الانضباط، وضبط الأعصاب، والسيطرة على السلوك.
2 - مناخ معتدل تسوده المحبة والود وعلاقات يخيم عليها التفاهم والاستيعاب الهادئ للأمور التي يدور حولها الحديث.
3 - فتح أقنية الحوار بروح رياضية وفكر منفتح على الآخر، و بعيداً عن الضغط والإكراه والمكابرة.
إيجابيات الحوار
إن التوصل إلى حوار إيجابي وبنَّاء بين الأهل والشباب، يفتح أقنية تمكن الطرفين من التعايش تحت مظلة التفاهم، ويهيئ لحياة تسودها الطمأنينة والدفء والاستقرار، ومناخ الحوار يسبغ جواً من التعاطف والفهم المتبادل بين الآباء والأبناء الذي قد لا يزيل الخلافات ولكنه يتعهدها، مستفيدا منها للتقدم نحو تفاهم أعمق وأفضل، ويصبح الأهل والبنون طرفين متفاعلين، متعاونين، مساهمين كليهما في عملية التنشئة، كلٌّ منهما يُعطي ويتلقى، يُرشد ويسترشد، يُعلِّم ويتعلم، يُربي ويتربى، ويتولد تفاعل كفيل أن يغني الطرفين ويفتح أمامهما باب النمو على مصراعيه.
وحين يتحقق هذا للشاب لا يعود مضطرًا إلى التنكر لمتطلبات نُموِّه نكاية بالأهل، واحتجاجا على قمعهم واحتماء من تسلطهم بل يندرج تلقائيا في سياق نموه ويدرك أنه ليس مفروضا عليه من الخارج ولكنه الأمنية التي يتوق إليها في قرارة نفسه، تلك الأمنية التي تؤكد له أن سلطة الأهل وجدت لمساعدته على تحقيقها بتوضيح معالم الطريق إليها وإزالة العراقيل من أمامها، إنه يتوجه بطيبة خاطر نحو نضج لم يعد يُظهر له ذريعة يلّوح بها الأهل ليحبطوا رغباته، بل شرطاً لتجسيد الرغبات في عالم الواقع وتحقيقها وفقا لما يليق بالإنسان وتوجيهها نحو إسعاد الفرد، ذلك النضج الذي يراه في أهله وفي مواقفهم الواعية، المتزنة، المعطاءَة بغير حدود نموذجاً ومحبباً له، فيتقبل خبرة الوالدين لأنها لم تعد بنظره سلاحاً يُرفع في وجهه ليسكته ويخمد فكره المتوثب، ويؤكد تفوق الأهل الساحق عليه، بل صار يرى فيها معاناة يضعها الحب في خدمته، لا لتسد عليه طريق الاختيار الشخصي بل لتساعده على السلوك في تلك الطريق على مسؤوليته، إنما بأقل نسبة ممكنة من المخاطر والعثرات وبأوفر حظ ممكن من النجاح.
وخلاصة القول إن الآباء ينمون بقدر ما يفسحون المجال أمام أبنائهم للنمو الصحيح، ويتحررون بمقدار ما يرتضون تحرير أبنائهم، تلك هي التربية المتبادلة التي تدعو لها طبيعة الحياة المتجددة مع الشباب، خاصة في الوضع المتغير الذي نعيشه اليوم.
الشباب وأزمة التعبير.. الأسباب والحلول
- التفاصيل