حسن إسميك
"في الغرب ليسوا عباقرة ونحن لسنا أغبياء، هم فقط يدعمون الفاشل حتى ينجح، ونحن نحارب الناجح حتى يفشل". هكذا وصّف العالم المصري الراحل أحمد زويل واقعنا العربي المتردي، الذي يدفع الشباب فيه ضريبته الأكبر، وهو توصيف يحمل في جوهره مقارنة ثقافية عميقة بين عقليتين متناقضتين في التفكير والتخطيط والتنفيذ، واحدة مبتكرة وبناءة، وأخرى مثبطة وهدامة.
فالدعم الذي يقدمه الغرب لـ"الفاشل" من أبنائه ليس معنوياً، أو خلطة سحرية يرشها كالبهارات فوق الطعام حتى يُحسّن مذاقه، كحال المبادرات أو حتى البرامج الشكلية التي نسمع عنها أحياناً في هذه الدولة العربية أو تلك، بل منهجية استراتيجية وتخطيط فاعل، يشملان المجتمع ويعود خيرهما على أفراده جميعاً حتى قبل أن يولدوا! فإعداد الأزواج وتثقيفهم لاستقبال مواليدهم الجدد يجريان بإشراف هيئات ومتخصصين يمارسون دوراً رقابياً صارماً، إذ أن المواطن في الغرب هو ابن الدولة أولاً. ويستمر الدعم خلال فترة الطفولة والشباب، ليُنتج فرداً متمكناً واعياً لحقوقه الفردية وواجباته تجاه المجتمع.


أما عربياً، فإن "نجاح" المرء ضمن ظروف مجتمعاتنا العربية، هو، بحق، كالنحت في الصخر، فالشاب الطموح عندنا يواجه سلسلة لا تنتهي من المشاق الاقتصادية والاجتماعية والبيروقراطية، وغالباً ما يثبط محيطه الخاص همّته، كما يجد الأبواب الرسمية مغلقة في وجهه إذا ما فكر بطلب الدعم من جهة حكومية.
هكذا يعاني شبابنا من مشاعر اليأس، فيتحول الواقع إلى أوهام وتُختزل الطموحات الكبيرة إلى مجرد مشاريع برسم "السفر إلى الغرب"، الذي بات من أكثر أحلام الشباب العربي رواجاً، مع أنه لا يخلو من جلد للذات وفقدان للثقة بالنفس والهوية والوطن، خصوصاً حين يلمس الشاب الآتي من بلداننا إنجازات أقرانه الذين سبقوه إلى مجتمعات "الدعم والحافز" وتألقوا فيها لأنها قدّرت طاقاتهم حقّ قدرها واستثمرت فيها فحققوا ما عجزوا عن إنجازه في بلادهم الأصلية. فإلى متى سنواصل هدر طاقات الشباب العربي؟
إنني لا أبحث عن الجانب السوداوي للإشكالية المطروحة، وأدرك أن الكثير من الحكومات العربية بدأت تسلك مسارات جديدة في دعم طاقات الشباب وتفعيلها، لاسيما تلك المبادرات التي تتوجه إلى شباب العالم العربي برمته بصرف النظر عن الجنسية، في محاولة لاكتشاف المواهب والإمكانات المغمورة. إلا أن هذه البرامج لا تزال تفتقر إلى التخطيط الاستراتيجي والمنهجي، كما أنها لم تنتشر على نطاق واسع بما فيه الكفاية، لكنها من دون شك تؤسس لنواة مهمة لخطط أكثر شمولية وعمقاً.
وباعتقادي، إن تحليل مشكلات الشباب العربي والتعرف عليها عن كثب هي الخطوة الأولى لاستثمار مهاراتهم وربطها بالواقع وأسواق العمل وخطط التنمية البشرية، فمنطقتنا العربية تمتلك ثروة هائلة من طاقة الشباب الموهوب والمبدع، التي يمكن، في حال توجيهها في الوجهة الصحيحة، أن تحقق التفوق في مختلف ميادين الحياة.
زمن الثورات
إن عصرنا الحالي هو عصر الثورات الثلاث: ثورة الاتصالات، والفضاء، والثورة البيولوجية. وهو يتحرك بوتيرة متسارعة ولا يتردد بلفظ كل من يعجز عن اللحاق بالركب. ولعل ما قاله المفكر الأميركي وعالم المستقبليات آلفين توفلر عن هذا العصر يمثل واحداً من أفضل توصيفاته، إذ اعتبر أن " القوة في القرن الواحد والعشرين ليست في المعايير الاقتصادية أو العسكرية بل تكمن في المعرفة".
فبعدما كانت المعرفة مجرد "إضافات" إلى سلطة المال والنفوذ، باتت اليوم الجوهر الحقيقي للقوة. وخرجت مؤسسات كبرى من ميادين المنافسة خروجاً لا عودة عنه بسبب تخلفها في اكتساب المعرفة. مثلاً، كانت شركة "نوكيا" الرائدة مهيمنة على سوق الهواتف المحمولة في العالم منذ العام 1997 وتستحوذ على 50% من مبيعاته حتى العام 2008 ، حين بدأت تنهار تدريجياً وتتراجع أمام شركات وأنظمة أخرى، كآيفون وأندرويد، أخذت تتفوق عليها لجهة التزود بالمعرفة التكنولوجية الحديثة. هكذا كان فشل نوكيا في مواكبة المعرفة الجديدة بمثابة الضربة القاصمة التي أخرجتها من سوق الهواتف المحمولة الذي تربعت طويلاً على قمته.
والحق أن لا حدود للمعرفة، والشباب هم رواد الابتكار التكنولوجي في عالم اليوم بفضل خيالهم الخصب القادر على الارتقاء والتطور، شريطة توفير إمكانات الإبداع أمامهم. ولعل وادي السيليكون في كاليفورنيا بأميركا، يصلح مثالاً على المكان الذي عرف كيف يفجّر طاقات بعض ألمع العقول الشابة في العالم ممن التحقوا بشركات توظّف أفكارهم ومنتجاتهم وطاقاتهم في ميادين التقنية والإبداع، ما جعل الوادي أشبه بمعمل معرفي يحوّل الأفكار إلى حقائق واستثمارات... ورقاقات أيضاً.
التحديات والحلول
لعل أهم التحديات التي تعترض سبيل معالجة هذا الموضوع يكمن في العقلية الإدارية وآلياتها البيروقراطية التي تقبض على زمام العمل التربوي والتعليمي في دولنا العربية، وهي في حاجة إلى إعادة هيكلتها وتقويمها عبر حلول جذرية، وذلك من خلال تجديد شامل في المناهج التعليمية في المؤسسات التربوية.
تبدأ هذه العملية في وعي ماهية هذا التجديد، أي تجديد الخطاب التعليمي في المناهج الدراسية، التي ما زالت تلقينية في بنيتها، أثرت سلباً على عقول الشباب. فنقطة الانطلاق نحو عملية مواكبة العلم والثورة التكنولوجية، تكمن في تجديد هذه العقلية المنغلقة وجعلها علمية منفتحة تساعد على توفير شروط اكتساب العلم والمعرفة.
لا بد لنا من التجديد كي نتمكن من تحليل الترابط السببي الذي يساعد على تفسير الظواهر الطبيعية، وفهم علاقة الجزئي بالكلي، ووضع الفروض، وتحليل العلل، ومن ثم اكتشاف القانون. نحن بأمس الحاجة الى مناهج حديثة متعددة، يكتسب فيها شبابنا مهارة طرح السؤال والبحث عن الجواب، فالسؤال أو الدهشة هما أُس المعرفة، حسبما قال أرسطو.
ولا ننسى أن المناهج التعليمية المنفتحة التي تعتمد "الشك" كأداة معرفية فاعلة، تنقلنا من "التخوين" إلى "التفكير". وهذا أمر يستدعي بالضرورة استقلال العملية التعليمية بمؤسساتها المختلفة، وتحريرها من الإطار الأيديولوجي القائم على الشعارات الجامدة وأناشيد تمجيد الحكام، وإحلال ثقافة التفكير الحر والانفتاح على الآخر بما يقود إلى تحفيز العقلية الإبداعية وتفعيل الطاقات المعرفية محل الانغلاق والجمود، كي لا تبقى مجتمعاتنا رهينة بيد تجار الدين والسياسة. وبذلك تُنتج العلم والإبداع والتقدم، بدلاً من ثقافة الاستعداء والتكفير والانقسام الطائفي والمذهبي التي ألحقت الأذى بنا وقسمتنا إلى شيع ومِلل ونِحل، جاعلة من الخشبية العقائدية والفكرية إحدى أبرز سمات هذه المجتمعات التي ملّت مما ابتليت به، فحان موعد التغيير.
نحن بأمس الحاجة الى طاقات شبابنا، لأنها حاضنة التجديد وأداته ، فبهم نعبر فجوة التخلف ونلحق بركب الحضارة الإنسانية، بعقلية منفتحة، فتجديد الخطاب التعليمي أصبح حاجة ملحة لمواكبة العصر، ومفتاحاً لتجديد الوعي، بعد التطور الهائل الذي شهدته مناهج العلوم الإنسانية والنظم الوضعية.
بناء عليه، فإن مجتمعاتنا العربية مدعوة للكفّ عن هدر طاقات شبابنا ودفعهم إلى عوالم اليأس والتطرّف؛ فليس من الحكمة في شيء أن تبقى هذه الطاقات حبيسة عقليات متخلفة وتفكير عقيم، بل ينبغي توظيفها وتوجيهها حتى لا يحاسبنا التاريخ على التفريط بها. إنها دعوة للعقلاء وأصحاب القرار كي يأخذوا بيد الشباب، من ذكور وإناث، فيقدموا لهم الدعم ويمدوا أمامهم جسور العبور نحو المستقبل، وإلا فإن الثمن سيكون أكبر مما نتخيل.

JoomShaper