غسان حجار
قد لا تكون الارقام مهمة لكثيرين خصوصا الدول التي لا تعاني نقصا في شبابها، وتلك التي تتمتع بنسب مرتفعة في الولادات، بحيث يبقى مجتمعها شابا، وان كانت دول "شابة" تستعين بأياد اجنبية عاملة، لاسباب اجتماعية اكثر منها ديموغرافية.
لكن الارقام التي باتت مرتفعة في عدد من الدول، كما لبنان (77 % من الشباب) وليبيا (69%)، والعراق(65%)، وسوريا (54%)، انما تهدد تركيبة المجتمعات التي يمكن ان تميل سريعا الى شيخوخة مبكرة، اذا ما استمر النزيف البشري، من دون نسب عالية للولادات الجديدة.
لكن الاكثر خطورة يكمن في هجرة الكفاءات العالية والمتوسطة التي تسعى دول الهجرة الى اجتذابها للافادة من امكاناتها فلا تتحول عبئا اجتماعيا وماليا عليها. من هنا توافق القنصليات على منح تأشيرة هجرة سريعا للفئات الاتية: كبار المتمولين اصحاب الاستثمارات العابرة للدول والقارات، اصحاب الكفاءات العلمية العالية للافادة منهم في البحث العلمي والتطوير، واصحاب المهن الصناعية والحرفية لانهم عناصر انتاج، واخيرا العائلات الكبيرة نوعا ما لانها توفر يد عاملة خصوصا اذا كان الاولاد صغارا، اذ تراهن الدول على عمليات دمج الصغار باكرا في المجتمع المحلي.
وقد نشر قبل ايام قليلة استطلاع لاراء الشباب في العالم العربي (شمل 4000 في عمر 18-24) اعاد تسليط الضوء على معضلة الهجرة اظهر أن اثنين من كل خمسة شباب يفكران في الهجرة. وبحسب استطلاع شمل عددا من البلدان العربية أظهر أن 15% من الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 18 و24 عاما كانوا يُحاولون الهجرة في حين أن 27% فكروا فيها لأسباب اقتصادية وبسبب الفساد في بلدانهم. وقال المدير الإقليمي لصندوق النقد الدولي جهاد أزعور في مقال مرفق بدراسة استقصائية شملت 4 آلاف شخص من 17 بلدا أن جائحة كوفيد 19 تجلب حالا من عدم اليقين غير المسبوقة. ووجد المسح أن الإمارات العربية المتحدة هي الدولة التي يرغب معظم الشباب في الدول العربية، العيش فيها، تليها الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وألمانيا. وقد توقع كثير من المستطلعين مزيدا من الاضطرابات، ويرى 86% من ليبيا، وأكثر من النصف من تونس، و40% من مصر أن الاحتجاجات يمكن أن تتكرر السنة المقبلة. 40% من المستطلعين يرون أن الدافع للهجرة هو الفساد في بلدانهم، و29% اعتبروا أن تناقص فرص العمل الجيدة هي الحافز إلى الهجرة. تُظهر بيانات البنك الدولي أن بطالة الشباب في الشرق الأوسط تبلغ 27% وهي ضعف المتوسط العالمي في هذا المجال. وجد الاستطلاع أن 87% أعربوا عن مخاوفهم حيال البطالة وأعرب أكثر من نصفهم عن عدم الثقة في قدرة الحكومة على التعامل مع هذه القضية.
وفي الاستطلاع ان نحو 42٪ من الشباب العرب يفكرون بالهجرة إلى بلد آخر بشكل جدي، بينما قال 32٪ إنهم لا يفكرون بالهجرة من بلدهم، و25٪ قالوا إنهم لا يفكرون بالهجرة حالياً، ولكن احتمالية الفكرة ممكنة في المستقبل.
واذا كانت اكثرية من الشباب العربي تتطلع الى دبي كنموذج للعيش، فان شباب دول الخليج العربي يرغب بعضهم ايضا في الهجرة، وان كانوا بنسب قليلة(13%).
وقد تصدرت البحرين قائمة شباب دول الخليج الذين يفكرون في الهجرة، حيث أظهر الاستطلاع أن 28% من العينة يرغبون في الهجرةسبب الظروف السياسية في بلادهم ، في حين جاءت الكويت في المرتبة الثانية بنسبة 18%، ثم سلطنة عُمان بنسبة 12، والسعودية 6، ثم الإمارات بـ3 %.
ولم يأتِ في الاستطلاع ذكر الشباب القطري بين الأشخاص الذين يرغبون في الهجرة من بلادهم إلى الخارج لاسباب لم تذكرها الدراسة، الامر الذي فسره مسؤولون قطريون بانه تعبير عن الرضى وعدم الرغبة في الهجرة، وهو امر مشكوك في صدقيته.
في الخلاصة، تمر الارقام عابرة في العالم العربي، او في معظمه، ولا يتوقف عندها المسؤولون، حتى لا نقول المخططون للسياسات العامة، اذ ان معظم دول هذا العالم تفتقد الى السياسات العامة، ويتذرع القيمون عليها بان اسباب الهجرة اقتصادية فقط، من دون التطرق الى ملفات اخرى جاذبة للعيش، اولها توفير الخدمات الضرورية وبالمستوى اللائق، بما يحقق الامن الاجتماعي، وثانيها الحريات على انواعها، من حرية التعبير الى حرية المعتقد وحرية العمل السياسي، وما اليها. بالنتيجة، الهجرة تنزع من العالم العربي روحه، ونبضه، ومستقبله.