محمد السيد عبد الرازق
(إن ما يزيد عن 1.5 مليار شخص في العالم تتراوح أعمارهم بين 10 و25 سنة، وهو عدد كبير وغير مسبوق لجيل من المراهقين المشرفين على أعتاب سن الرشد، في عالم يكتنفه الكثير من التحديات التي لم يشهدها الجيل السابق. فالعولمة، وانتشار وباء الإيدز، والاحتباس الحراري، وتكنولوجيا الاتصالات الالكترونية، وتغير المناخ، جميعها عوامل غيرت وجه العالم إلى غير رجعه) [مستفاد من موقع، UNFBA، بتصرف].
ففي مصر مثلًا يشكل الشباب في الفئة العمرية 10-24 سنة حولي ثلث سكان مصر.. عدد ضخم جدًا، وكذلك إذا تأملنا إحصاءات العديد من الدول العربية والإسلامية، إن طاقة بشرية بل قل إن كنوزًا استراتيجية قابعة في أوطاننا العربية، تحتاج إلى من يدعمها ويمدها بالرسائل المتنوعة حتى تغدو أقدر على مواصلة الطريق وتصبح طاقة إجابية في أمتنا الإسلامية.
ولذلك كان هذا الملف الخاص بالشباب؛ شموعًا على طريقهم، تنير لهم الدرب وتضيء الطريق، وهي كلمات للارتقاء بشخصيات الشباب، فالواقع الذي يكتنف حياتهم بات صعبًا ومعقدًا، ولكن أرواح الإيجابيين تأبى إلا أن تنير الشموع ولا تلعن الظلام..
الاختبارات.. لا تتوقف!
نعم، نظل عامًا كاملًا ندرس ونتعلم حتى نُقدم على اختبارات الجامعة أو المدرسة وسرعان ما تنتهي سنة دراسية وتغلق صفحتها ونستقبل أخرى، وهكذا كل عام..
بينما نوع آخر من الاختبارات لا يتوقف حتى أيام الدراسة، والأذكياء هم من يحاولون دائمًا أن يضعوا بصمة نجاحهم في كل اختبار.. إنها اختبارات الحياة الكبرى.
فنحن هنا في هذه الحياة (في معهد مهني من نوع غريب، حيث إن الواحد منا لا يتعلم ويدرس ثم يدخل الاختبار، لكنه يدرس ويختبر في آن واحد، وليس الغريب استمرار الاختبار طوال الحياة فحسب، لكن الغريب أيضًا تنوع أساليب الاختبار، فهذا ممتحن بذكائه وهذا بغبائه، وهذا ممتحن بفقره، وذاك بثرائه، وهذا بصحته، وذاك بمرضه، وهذا بشهرته، وذاك بخموله..
امتحانات عجيبة وفريدة، ونتائجها مصيرية بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، فحين نرحل عن هذه الحياة نكون قد أدينا الامتحان الأخير الحاسم وهنيئًا لمن أجاب علي أسئلته بصورة صحيحة والويل والهلاك لما أجاب عليها بصورة خاطئة يقول عز وجل في توضيح هذه الحقيقة {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ} [الملك: 2]، وقال سبحانه وتعالي {فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185].
المشكل الأكبر في هذا الموضوع هو أننا لا نعرف متي ينتهي وقت الاختبار ويسحب المراقبون أوراق الاجابة؟ كم من الناس اخطأ في توقعاتهم لمدة الاختبار؟ وكم من الناس أطلقوا الصيحات والرجاءات من أجل تمديد مدة الامتحان نصف ساعة حتي يتوبوا ويرجعوا فلم يجابوا ولو يُلتفت إليهم: {فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ} [الأعراف: 95]، وقال سبحانه وتعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} [الأعراف: 34]) [إلى أبنائي وبناتي، د. عبد الكريم بكار].
إن هذا كله يدعونا للإجابة على سؤال مهم وخطير، وهو:
أيها الشاب، ما هو مركز حياتك؟
ما هو الأمر الذي بناء عليه ترسم تصوراتك وأفكارك، وتطلق أحاسيسك ومشاعرك، تحب وتكره، تقترب وتبتعد... إلخ؟
على أي أساس تضع أهدافك وبأي قيمة ترتبط رؤيتك وأحلامك؟
إن الإجابة على هذا السؤال بصورة صحيحة، هي التي تضمن لك ـ بإذن الله ـ النجاح في معظم اختبارات الحياة ومن ثم النجاح في الامتحان الأكبر.
إن القيمة التي ينبغي أن ترتبط بها رؤيتنا وأهدافنا... "قيمة علوية".
إن المركزية التي تدور حولها علاقاتنا ومشاعرنا وبناء عليها نرسم أفكارنا وتصوراتنا.. هي مركزية "الله" جل وعلا.
فحينما تجعل الله عز وجل مركز حياتك، ستجعل الدنيا بأسرها تدور حولك، ومن ثم تتحكم في الإجابة، أما من يجعلون من الدنيا مركزًا لحياتهم ويجعلون من علاقتهم بالله أحد الأفلاك التي تدور حولها، فلا شك أن معظم الإجابات ستكون خاطئة، لأنها ستغلب حب الدنيا والذات وستبني تصوراتها وأفكارها بناء على ذلك.
التصور الصحيح للحياة
وحتى نجعل الله عز وجل مركز حياتنا لا الدنيا، لابد أن نفهم بعمق المعنى الحقيقي للحياة، فهناك (تصوران أيضاً في هذا القسم الصغير المسمى بالحياة الدنيا: تصور يعتبر الحياة هي هذه الحياة المادية ويعتبر الأحياء هم هؤلاء الذين يمتلكون خواص الحركة والنمو.. إلى غير ذلك من المظاهر المادية للحياة، هذا تصور ولا يُنْفى.
ولكن إلى جانبه يأتي تصور ثان للحياة على نفس القاعدة المعروفة: "الحج عرفة" بمعنى أن الحياة الحقيقية هي هذه التي سنتكلم عنها لا تلك التي تعبِّر عنها المظاهر المادية.
فما هي هذه الحياة؟ وما هذا التصور لها؟ ذلك ما يشير إليه قوله تعالى: {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا} [الأنعام:122]، {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ}؟! مَنْ هؤلاء؟ هؤلاء أمثال أبي بكر وعمر وعثمان والمؤمنين جميعًا قبلهم وبعدهم حين ينتقلون من حال الكفر إلى حال الإيمان، ينتقلون من الموت إلى الحياة {أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ}، أي في ظلمات الموت الدنيوي.
بينما المؤمنون يتولاهم الله تعالى فيحييهم ويخرجهم من الظلمات إلى النور: {اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [البقرة:257]، {وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ}، هل يستويان؟ أبداً {وَمَا يَسْتَوِي الأَحْيَاءُ وَلاَ الأَمْوَاتُ} [فاطر:22].
المعنى الأول بسيط، والمعنى الثاني عميق، والنِّذارة عمومًا لا تنفع إلا في الأحياء بالمعنى الثاني {لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا} [يس:70].
وهذا التفريق بين الحي حقيقة والحي حكما هو الذي جعل القاعدة الكبيرة تطرد في التطبيقات الواضحة في دعوة الله عز وجل للحياة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال:24]، فالمستجيبون هم الأحياء والرسول يدعوهم إلى ما يحييهم.
فإذًا هناك الحياة العادية الحسِّية، والإنسانُ بها في المنطق القرآني الإيماني لا يعتبر حيّاً، وإنما هو مؤهّل لأن يكون حَيّاً، ذاك تمهيد ومقدمة صحيحة تؤهل صاحبها لأن يتلقى ما يحييه، إذ الميت ولو دعوناه فلن يستجيب ولن يسمع.
فللإنسان إذًا في هذه الدنيا حياتان، حياةٌ عادية مادية خبيثة في تصنيف القرآن، وحياة روحية طيّبة في تصنيف القرآن أيضاً {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [النحل: 97]، حياة طيبة وعكسُها الحياة الخبيثة التي يكون أصحابها كما قال الله عز وجل فيهم: {أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}) [مفهوم الحياة في القرآن الكريم، الشاهد البوشيخي، مجلة حراء].
خطوات إلى الأمام
إذًا علينا الآتي:
(علينا أن نوسع دائرة إحساسنا بتصرفتنا وأعمالنا لتكون دائمًا تحت المراقبة ولؤديها كما يحب الله تعالي.
إذا وقع الواحد منا في خطأ أو زلة فان المطلوب منه هو المسارعة الي التوبة والي التصحيح قبل أن يلقي الله تعالى وهو في حال سيئ ومن مات علي شيء بعث عليه.
يجب علينا أن نوطن أنفسنا على مجاهدة النفس وكبح الشهوات على نحو دائم.
من المهم أن نبتعد عن أولئك المستخفين بالاختبار والغافلين عنه حتي لا تنجرف معهم فتخسر خسارة عظمى يصعب تحديدها الآن) [أبنائي وبناتي، د. عبد الكريم بكار].
ملف خاص بالشباب (1)
- التفاصيل