ياسمين هاني
إرادة داخلي، قادتني للالتفات، أو قولوا الانتباه، أو سموه القرب الشديد و الجذب الذي سحب أعماق أعماقي إليه كالمغناطيس. تساءلتُ: إن كنت أحذر كل الحذر في لهجتي وكلماتي وألفاظي في التعامل مع الناس وأختي وأخواتي وخلاني، وقد يلحظ أحدهم، أعني واحد فقط من بين خمسين إني أنتقي له ألفاظي، وربما بل غالبا لن يعير لي شيء أني أتماسك بأعصابي أمامه وأنقي ألفاظي من مزاجي السيئ لأخرجها له بأجمل صورة ترضيه وتسعده. لذلك رغبتُ جداً في هذا الانجذاب الذي أخذني، وسرقني من عالم الاثنين؛ عالم الأنا والغير، إلى عالم الأنا وعالم نفسي، وعالم روحي وعالم قلبي وعالم داخلي. إنه عالم حقيقة ما أنا عليه، لا عالم ما أحاول أن أجعل غيري يعتقد أني عليه، عالم سرائري التي لا تتطلب محاولة إقناع أو تصنّع أو قول كلمات كــ أنا راضٍ أو أنا محب أو أنا طيب أو أنا جميل، بل هي صبغة طيبة، أو أتمنى أن تكون كذلك، هذه الصبغة تخضعني أنا وتصرفاتي وأقوالي وأفكاري لها، وليس العكس. أن تكون سرائر مشوشة قبيحة بعض الشيء، ثم بدلا من أن أتخلص منها وأنقيها وأطهرها، أستعمل أسلوب الإقناع، أقنع نفسي أنها الأجمل والأروع والأسمى، اخدعني.. فأمهلني بعض الوقت.. مستمتع... خائف من بداية العلاج وأخذ الدواء. داخلي/ الذي ذابت ألوانه حرقة وحسرة إني استهلكتها كلها في التلون والتجمل لغيري ولخارجي، وتركت داخلي يتحول للون الرماد، لون الرصاص، الذي هو ربما الآن لا يزال غضا، لكن قد يتجمد ويتحول إلى صلابة الرصاصة حقاً مع مرور الوقت. وإن حدث هذا فعلا، فقسوة الحجر ووجع الرصاصة الذي تكوّنَ داخلي وأنا في غفلة عنه، لن يوجع إلا أنا، ولن يُبكي إلا أنا ولن يحرق قلب أحد إلا قلبي الذي أودعته في تلك الغابة داخلي بجوار هذه الغصون المتشابكة، والتي مضى عليها أكثر من عشرين سنة دون أن أسرحها بمشطي الذهبي، وأزينها برذاذ نجمة التقطها من سماء النور التي منحها الله لي ولكل واحد في حياته. نعم سماء نور تمنح لكل منا، يستعين بها أو يهرع إليها أو هي تسرع إليه، يلتقط الجمال والحسن منها ليضيف لمسات نيرات لحياته فتقرّ عينه، خاصة لو كانت حياته عاتمة كحيلة. سماء النور التي فطر الله القلب عليها، إنها الفطرة التي تقود للعبودية التي يحتاج الإنسان أن يؤديها، فالإنسان ليس إلا عبد خلق ليطيع ويعبد، وفطرته تقوده للمعبود الذي لا إله غيره، تقود للحب والشوق وإفراغ دلو المشاعر الثقيل في مكان ما مناسب ويستحق، إنها الفطرة التي تقود كل أعماقنا إلى الله تعالى، يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء. إن فتحنا هذا الباب، بل باب تفسير هذه الآية فالحديث لن ينتهي أبداً، لذا دعونا نعود من جديد إلى ما كنت أرمي إليه: قد آن الوقت لأصغي لأثير صوت النقاء الغض داخلي، وأجبر كسر اليد التي تحطمت مفاصلها من كثرة طرق الباب الذي أغلقته عليها، وتركتها حبيسة ظناً مني أنها عابثة حمقاء، وبعبارة أخرى (لا تواكب العصر)!! وأرفع لها قبعتي وأقعد و أستمع بكل الأدب لا الغصب. وبكل الروية لا العجلة. وبكل الحب والقرب لا الرغبة في الفرار والتسلل مرة أخرى إلى عالم التغافل عن الحقيقة. ونسيان الذات والأصل والعمق والخُلق، ونسيان أشياء كثيرة أكثر بكثير. لكن السطور في قرننا الواحد والعشرين ما عادت تحصي تلك الأشياء التي ضاعت وقل من تمسك بها، وهي الجوهر للحياة بأسرها. بيننا وبين حقيقة أنفسنا رياح ترابية شديدة الإزعاج تخنق وقد تقتل إنساناً حساسا، لذلك نحتاج لأن نصل لأنفسنا، نحتاج لاستكشافنا من جديد، لنعلم لأي مرحلة صرنا الآن بعد غياب أعوام، ونحن نخوض غمار الحياة منفصلين عن مركزنا، مستقلين عن ذاتنا بجمادات ومجاملات وزيف عظيم منتشر، فاتبعناه لأنه منتشر. كأي شيء الآن يتبع لا لسبب فقط لأنه انتشر وصار شائعاً، لكن الغيابَ والإهمال و التناسي قد يتحول لظلم، فلا تظلم نفسك. عاود الاستكشاف، أعد السؤال لأي شيء وصلت له بقلبي وبنفسي وبعمقي وبسري. ثلاث كلمات: أصلح هذب أدّب. افرز نفسك هكذا على الطاولة، انثرها ثم ابدأ بترتيبها من جديد، واجمع أجزاءك بنظام جديد، قيّم أكثر، ستجدك ترمي بأشياء، تتخلى عن أشياء، تفاجأ بوجود أشياء، يصيبك الذهول كيف وصلت لي هذه الإبر السامة، وكيف وصلتُ أنا لهذه الآثام؟ وأيضا تتمسك بأشياء تحبها وتعانقها وتحتفظ بها في مكان مصون دوما، تعرف قيمتها أكثر، وهكذا أعد الترتيب ابدأ التهذيب والتأديب. ابدأ الجهاد لتكن في غاية الهدوء والسكينة خارجاً، وفي داخلك معركة حامية غاية في الصعوبة، لكن تدفعك للتحدي. وتنتهي بك في الجنة، معركة ضد السواد وأصنام الاعتقادات ووباء العادات وعواقب الذنوب والغفلات وكل الآفات. حاول أن تصل لدقائق تقشعر فيها خجلاً، لا مما فعلته وحسب، بل مما تحويه في داخلك وفي النهاية لتكن أنت المنتصر. ولتكون كذلك بإذن الله. استعن بالله، ثم لا تتوقف في المنتصف، ثم بعد يومين تبدأ من جديد ثم تتوقف في المنتصف ثم لا تنتهي أبدا! أكمل حتى تنجح وتتخلص من شوائب سوداء وتحيي زروعاً ووردا وتضيء شموع الحياة والإيمان، لتكن أنت المنبع أنت الساقي، لتكن أنت المغيث لا المستغيث، (إلا أن تكون مستغيثا بالله). وتمحي خط سيرك المتعرج بممحاة، ثم ترسم بقلم حبر خطاً مستقيماً بلا اعوجاج. حاول، حاول، حاول حتى تصل. جاهد بكل القوة حتى تنتصر، جاهد وان لم تنتصر فمت، وأنت تحاول الانتصار على نفسك والصعوبات والآفات، والانتصار في كل معركة. كل معركةٍ تستحقكَ: أن تكون بطلاً فيها.

JoomShaper