نجلاء محفوظ
لنتفق أولا على أن الأصدقاء يشكلون جانبا مهما  في الحياة وأنهم مصدر أساسي للعلاقات الإنسانية التي تمنحنا الارتياح والبهجة والود والطمأنينة لوجود من يشاركوننا اهتماماتنا ويفرحون لنجاحاتنا ويتألمون لمعاناتنا. 
لكن ما هو دور الصديق في حياة كل شاب وشابة وإلى أي درجة يمكن السماح له بادارة دفة حياة الشاب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة؟ لأي مدى يسحب الصاحب صاحبه نحو الخير أو غيره ؟؟
أرسلت لي فتاة تشكو صديقتها التي رفضت بتشدد بالغ اعتذارها عن خطأ ارتكبته السائلة، وأصرت على التمادي في مقاطعتها رغم تكرار الاعتذار بالقول وبالهدايا وأنهت الفتاة رسالتها بأنها "لا" تستطيع الحياة بدون صديقتها الغاضبة وطلبت مشورتي لاستعادتها..
وقلت لها بكل الود والاحترام: تذكري مقولة الأمام على كرم الله وجهه: إذا وضعت أحدا فوق قدره فتوقع أن يضعك دون قدرك.

الكرامة أولا
أرفض إهانة الأصدقاء وأكره تعمد مضايقتهم، ولكني بالوقت نفسه أؤكد على ضرورة أن يكون الحرص "متبادلا" بين الصديقين على استمرار الصداقة، وضرورة تقبل الاعتذار عن الخطأ –الذي لا يتكرر عمدا بالطبع- أو انسحاب الطرف الذي يصر الآخر على رفض اعتذاره حفاظا على كرامته ولسان حاله ليقول:
"إذا ما الصديق عنك تولى  ..  فتصدق به على إبليس"
وليس في ذلك أي قسوة كما قد يتبادر للذهن، فمن الضروري أن نكون أفضل أصدقاء لأنفسنا فنرفض بحزم وبقوة أي إهانة لكرامتنا بدعوى الحفاظ على الصداقة..
تحدي وندم

وأتذكر رجلا أخبرني أنه خسر الكثير لإصراره على الالتحاق بالتعليم المتوسط ليظل مع أصحابه عندئذ وتحدى أهله وسعد ببقائه معهم أثناء الدراسة ثم "مرت" الأعوام وتفرق معظمهم ودفع ثمن عدم اتمامه للتعليم الجامعي رغم أنه كان يستطيع ذلك وندم بعد فوات الأوان.

وفاته أن الأصدقاء "وسيلة" لزيادة فرصنا للفوز بحياة أجمل وليسوا "غاية" يتم التضحية من أجلها بالمستقبل الذي نستحقه، وكان بامكانه استكمال تعليمه مع الحفاظ على صداقتهم دون مبالغة في الالتصاق بهم وكأنه لن يستطيع الحياة بعيدا عنهم.

ألم حاد

وهو ما فعلته فتاة أخبرتني بأنها فوجئت بزميلاتها يحذرونها من صديقتها المقربة ويؤكدون سوء أخلاقها، فرفضت بشدة ودافعت عنها بحدة، وتشبثت بصداقتها رغم تصديقها للاتهامات واطلاعها على الأدلة الدامغة، ولما سألتها عن السبب قالت بتلقائية: هى صديقتي منذ كنت  بالخامسة من عمري وجارتي وكنا نذهب سويا يوميا للمدرسة ثم للجامعة واعتدت عليها ولا أتخيل حياتي بدونها..

وأضافت بألم حاد: وفوجئت بعد ذلك بابتعادها عني وبأنها أشاعت أنني سيئة الخلق وقمت بتحريضها على العلاقات الشائنة ومع الأسف فقد صدق البعض أكاذيبها..

سارع بالقفز

ومع احترامي لألمها فقد صنعته بتأخرها في "القفز" بعيدا عن صديقتها وتسببت بإيذاء نفسها  ونشر الشائعات البشعة فالكثيرين لن يصدقون أنها ليست سيئة بل "تخلص" لصديقتها وترفض تركها "خوفا" من عدم العثور على صديقة أخرى فالأسهل تصديق أنها تشاركها في سوء الأخلاق.

وظلمت نفسها عندما تأخرت في إنهاء الصداقة وسمحت لصديقتها بإعلان انسحابها أمام الاخرين.

خطوط حمراء

وصارحني بعض الشاب بأنهم "تعلموا" التدخين من أصدقائهم رغم رفضهم بالبداية ولكن مع تكرار تقديمهم للسجائر لهم استجابوا على سبيل المجاملة ثم تحولوا للتدخين المنتظم.

وهو ما يقودنا لضرورة وضع خطوط "حمراء" في التعامل مع الأصدقاء والتشبث بالحق في الاختلاف عنهم..

ونتوقف عند حماية "تفاصيل" الحياة الشخصية للإنسان وعدم بعثرتها على الأصدقاء وألا يكون الواحد منا مرآة شفافة أمام أصحابه فكلما قل ما يعرفه الناس عنا زادت فرصنا التي نستحقها للفوز بحياة أفضل والعكس صحيح..

وأتمنى ألا نقسم ما نريد الفضفضة به على أكثر من صديق وألا نختص صديقا بكل أسرارنا حتى لا نضطر للحفاظ على صداقته حتى لا يفشي الأسرار إذا ما أثبتت الأبام أنه ليس بالصديق الذي نود بالاستمرار بصداقته..

لا تكن غريبا

وننسى كثيرا عند "فرحتنا" للعثور على أصدقاء جيدين بأهمية التوازن بين الاهتمام بهم واقامة قدر جيد من العلاقة مع الأشقاء والشقيقات وسائر أفراد الأسرة، واقامة صداقة معهم أيضا، حتى لا نخسر بالابتعاد عنهم ونكون كالغرباء بمنازلنا ونتناسى أن الجمع بين الصداقة وصلة الرحم يوفر لنا منابع رائعة للارتواء العاطفي نحن بأمس الحاجة إليها لنظفر بعلاقات ناجحة مع الأسر "تسهل" التعامل مع الخلافات والمشاكل التي لا تخلو منها حياة وتجعلنا نحصل من أسرنا على أفضل قدر ممكن من الإشباع النفسي والعاطفي والمادي أيضا والعكس صحيح ..

خطأ شائع

ويقع البعض في خطأ شائع عند الرضا عن بعض الأصدقاء فيختار الابتعاد عن باقي الأصدقاء تدريجيا والأفضل الإبقاء على دائرة جيدة من الأصدقاء ،وكما قال المثل: "لا تضع البيض كله بسلة واحدة".

وأتمنى تذكر ذلك مع الصديق المقرب الذي يتحول كثيرا  لأداة للضغط إذا كان أكبر سنا حيث يلجأ لفرض آرائه ويخضع الأصغر "خوفا" من إنتهاء الصداقة.

وأحيانا يقوم الصديق المقرب الأصغر سنا بالإبتزاز النفسي لصديقه الأكبر وبإخضاعه عن طريق إشعاره بالإحتياج إليه ليمنحه ما لا يريد منحه  طواعية..

ارفض السيطرة

وأود التنبه إليه ورفضه بلطف وبحزم فالصداقة "نعمة" لزيادة مصادر السعادة بالحياة فلا نحولها لعبء ونقمة تحرمنا من الإستقلالية في اتخاذ قراراتنا، وإذا كان الكثيرون يرفضون تدخل الأهل  بشئونهم فكيف "يسمحون" للأصدقاء بالسيطرة وإلغاء شخصياتهم؟..

وأتذكر شابا رد على تساؤلي السابق: ولكن صديقي يفهمني ويعمل لصالحي، فقلت باحترام: وأهلك هل يناصبونك العداء أم يحبونك أكثر من أي مخلوق بالكون؟..

وأتفهم بالطبع أنه من المنطقي لجوء الشباب –من الجنسين- لإستشارة أصدقائهم من آن لأخر لوجود الاهتمامات المشتركة ولكنني أحذر بكل الود من سرعة التأثر بأراء وأفكار الأصدقاء والإستسلام لملاحظاتهم سعيا وراء راحة البال وهربا من الجدال وخوفا من تعرض الصداقة للأخطار عند رفض هذه الأفكار والتمسك بما يراه الشاب صحيحا من وجهة نظره الخاصة..



بلا شروط

ونتوقف عند قيام البعض بتقليد الأصحاب بالمظهر والتصرفات وأحيانا التفوه بشتائم  ليبدو الصاحب مندمجا معهم.

وأقسم بأن من يقلد يخسر كثيرا فكل إنسان له مميزاته فإذا تخلينا عن تفردنا إرضاءا للأخرين فسنكون نسخا باهتة وهو ما أرفضه للجميع، وأدعو من كل قلبي للتنبه بعدم السماح بحدوثه.

فالصديق الحقيقي هو الذي يتقبلك دون فرض شروطه ويحترم اختلافك كما تتقبله بدون شروط ولا تريد إخضاعه لك، ويفقدك الخضوع للصديق "الاستمتاع" بالتقدير الجيد للذات وهو من أهم شروط النجاح والسعادة..

لا للخصم

وأود التنبه لأهمية منع صديقك المفضل من السخرية منك ولو بالمزاح أمام الأخرين والحرص على حقك بالاحترام ولا تتنازل عن قناعاتك السياسية لإرضائه ولا تسمح بأن يمحو شخصيتك تدريجيا وراجع أصدقائك من وقت لأخر لتتأكد أنهم يناسبونك فعلا "ويستحقون" اهتمامك وحبك والأوقات التي تقضيها معهم وأنهم يحترمون مشاعرك ويحسنون معاملتك ولا تستمر معهم خوفا من الإحساس بالفراغ عند الابتعاد عنهم وتحمل "جهد" البحث عن أصدقاء أفضل وتذكر أن الصديق إما أن يضيف إليك أو يخصم منك فاحرص على الأولى وتجنب الثانية.

وتذكرقول حبيبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: المرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل..

JoomShaper