مي عباس
قبل فترة من الزمن كانت الأم هي سيدة منزلها، يحرص الأبناء على إرضائها، ومع شعورهم بمحبتها والحنو عليها، بل والخوف عليها أحيانًا كلما كبرت وكبروا، إلا أن الاحترام كان هو كلمة السر في هذه العلاقة.. بل كانت النصيحة والدعوة بالرفق وسعة الصدر هو للأم.. وبخاصة مع بناتها، أن تترفق بهن في أعمال المنزل، وتستوعب الاختلاف بين شخصيتها وشخصياتهن، وتقترب من عالمهن صديقة محبة، ومستمعة فاهمة، لتكون حاجزًا صلبًا دون تعرضهن لمشكلات عاطفية أو نفسية أو اجتماعية لاسيما في زمان مراهقتهن.
الصورة شهدت اختلافات تدريجية حتى وصلت إلى حالة من التشوه المقيت في حالات كثيرة، فالأم هي من تطلب رضا ابنتها، وهي من تتقي غضبها، وهي من تحرص على أن تشرح وجهة نظرها للابنة وتبرر لها مواقفها باستمرار.. بل هي التي تكتم في نفسها الكلمات الجارحة، وتتقبل سخرية صغيرتها التي كبرت بين يديها.
لم أستطع إخفاء صدمتي بل حسرتي.. عندما سمعت فتاة يافعة ربما في السابعة عشرة من عمرها وهي تسب أمها في وجهها وسط الناس في مكان عام، كانت تسبها في وجهها ولكنها حتى لا توجه لها الكلمات، فقد كانت تخاطب الأب قائلة:" ماما غبية"!
نظرت ساعتها للأم.. فوجدت مزيجًا من الخجل والرغبة في احتواء الموقف، ولكنها لم تنبس ببنت شفة، أو حتى ترد على ابنتها..
لم يكد هذا الموقف ينحسر عن ذاكرتي حتى فوجئت بفتاة أخرى أكبر سنًا تنادي على والدتها الموجودة في أحد المساجد، وتنتظر خروجها، وعندما أجابتها الأم:" نعم .. انتظري قليلا"، قالت الابنة بتهكم على مرأى ومسمع من الجميع: "ما هذا التأخير؟.. هل تلدين بالداخل؟!"..
هكذا بمنتهى السخرية أبدت اعتراضها على وجود أمها في المسجد، وفي الحقيقة فقد كنت أصلي بجوار الأم وأعجبني ما رأيت منها من طول السجود، والاستمتاع بالصلاة.
قلة الاحترام من البنت لأمها قد يصل إلى مناطق أخطر وأسوأ، ولا يمكن أن نعفي الأم من مسؤوليتها أيضًا.. فالاحترام والحب لا ينبتان فجأة في صحراء من الجفاء وعدم التربية والرعاية، وحنان الأم على أولادها لا يعني بحال أن تضعهم على طريق العقوق بألا تعلمهم وتربيهم على برها واحترامها.
بناء الاحترام
منذ نعومة أظافر الأطفال ومع مزاحهم ولعبهم ومشاكستهم أحيانًا للأم، يجب أن تنمي لديهم إحساسًا طبيعيًا بالمنطقة الحمراء الممنوع تجاوزها، وأن كل هذا الحب.. وكل هذا المرح.. وكل هذا الحوار والتقارب والاختلاف أحيانًا يجب أن يظل في حد المسموح به وأن يغلفه الاحترام.. وأن الصداقة مع الأم لها طابع خاص، فهي صداقة عميقة موثوقة الحب ولكن لا ينبغي لها أن تتعدى حدود البر وحفظ المكانة.
أزمة العنوسة
ومع انتشار ظاهرة العنوسة، تتدهور كثيرًا العلاقة بين الأم والابنة، وذلك ما لم تتحلى كل منهما بالبصيرة والمحبة القوية والاحترام المتبادل، فكلما كبرت الفتاة زادت رغبتها في بناء حياة مستقلة تثبت فيها ذاتها، وتتحمل مسؤوليتها.. وهو ما تتمناه الأم أيضًا، ولكنها في الوقت نفسه كثيرًا ما تتعثر في التعامل مع ابنتها وهي ما تزال تحت سلطانها.
وهذه الأزمة لا يمكن أن تحل بشكل عملي، ما لم يكن هناك وضوح في الأدوار، وتوفر مساحة حركة وحرية للفتاة تحقق فيها نفسها عبر سبل كثيرة من دراسة وعمل وأنشطة دينية واجتماعية، بالإضافة لشعورها بحريتها في البيت وانتمائها له.
وعلى الفتاة أن تعتبر وجودها مع الأم فرصة وغنيمة لكسب الحسنات، وليس حملًا ثقيلًا مفروضًا عليها.. والأم من جهتها عليها ألا تشعر ابنتها أنها متسلطة عليها دومًا، وتحافظ في الوقت ذاته على احترامها، ذلكم الاحترام المنطلق من دوافع الحب والتقدير والامتنان.
أن تلد الأمة ربتها
- التفاصيل