سوسن جميل حسن
سوريا تي في
الاربعاء 23/1/2019
كتب الراحل الشاعر جميل حسن الذي غادرنا في اليوم الأخير للعام المنصرم 2018 وقد ناهز التسعين عامًا يتساءل بمرارة وخيبة عن وطن ضاع:
وطني أنا في بابي التسعين أضعتُهْ
ومضيت أبحث عنه في كل البلاد فما وجدتُهْ

سرقوه؟ أم قتلوه؟
أم هذا العمى غشّى على بصري
وأحلف أنني أمسِ التقيتُهْ؟
ليتابع بمرارة من أعياه السؤال فجاءه الجواب صادمًا حدّ الذهول:
فتّشتُ قدّام البيوت الموصَدات الباب
لا حسُّ ولا همسٌ
ولا حزنٌ ولا فرحٌ
ولو شبحٌ بدا لي آخر الحاراتِ
من لهفي سألتُهْ:
أرأيتَ لي وطني؟
وكنتُ أظنه سيمطُّ لي شفتيه
ثم يهزّ لي كتفيهِ، ثم يقولُ:
يا هذا!.. أمعتوهٌ؟
ألستَ تراه محتبيًا على ذاك الركام من الخرابِ؟
ويتابع صراخه المذبوح بشظايا نفسه التي لم يرحمها الزمن، هذا الإنسان الذي ينتمي إلى جيل قدره الأمرّ أنه عاش وعايش مسيرة وطن أودعوه مقلهم وداروه من دمعة العين ونسمة الهواء، جيل كان أفراده في أربعينيات القرن الماضي ينطلقون من المدارس حاملين الحجارة في حقائبهم المدرسية ليتظاهروا ويرموا جنود الاحتلال الفرنسي بها وهم يرددون الأناشيد الوطنية، إلى أن تم إجلاء الاحتلال الفرنسي، وأعلنت الدولة السورية فراحوا يرهنون أعمارهم لحلم النهوض بسوريا وبناء وطن معافى قادر على مواكبة الحضارة الإنسانية.
هذا الإنسان الذي ينتمي إلى جيل قدره الأمرّ أنه عاش وعايش مسيرة وطن أودعوه مقلهم وداروه من دمعة العين ونسمة الهواء
رهنوا أعمارهم بكل ما تحمل الكلمة من معنى، وكانوا صادقين بالرغم من انتماءاتهم المختلفة سياسيًا فقد كانت المرحلة مرحلة الانتماءات الحزبية، وكان لا بد لمعظم ذلك الجيل من الانتماء إلى حزب ما من الأحزاب التي كانت تمور الحياة بها، كانوا صادقين مع أنفسهم، مناضلين على مستويات عديدة، ناضلوا للقضاء على الجهل والتخلف وتحرير وعي الشعب مما علق به من أدران حقبة الاستعمار الذي تمادى جاثمًا على صدره لقرون خلت، والنهوض به حتى يشارك في بناء الوطن، كانوا صادقين بنضالهم مندفعين وراء أحلامهم حدّ غفلتهم عمّا كان يُخطط له من مستقبل لهذا الوطن، فكانت خيبتهم أكبر من أن يحملها ضمير نزيه.
هؤلاء الأفراد النزيهون الصادقون الذين مارسوا النضال كحالة حياتية، تمسكوا بالسلوك الأمين الصادق، بأداء الواجب بنزاهة وكفاءة، قرنوا أفعالهم بأقوالهم، حالمين بالغد الواعد القريب، فإذا بأحلامهم تتكشف عن أوهام صدمهم بها واقع من الخيبات والنكبات والانتكاسات والهزائم، وإذا بالوطن مصادر في غفلة منهم من قبل أنظمة مسكت البلاد من عنقها الغض بقبضة أمنية حديدية وأنظمة عسكرية صادرت الحياة العامة وفرضت عليها حكمها الشمولي وأدخلتها في دهاليز الفساد والإفساد، تاركة المجتمع لمشاكله التي تتفاقم وتدفع به إلى الوراء في حالة نكوص نحو حياة تحكمها قوانين القبيلة والعشيرة والدين والطائفة والمذهب، همها الأكبر تلك الأنظمة عرشها ومكتسباتها.
هذا الجيل الذي انتمى إليه الشاعر جميل حسن، الذي بقي حتى الدقائق الأخيرة من عمره شاهدًا على مسيرة سوريا منذ الاحتلال الفرنسي إلى اليوم الذي صارت فيه الرايات الملونة تخفق في سماء سوريا، والاحتلالات المباشرة وغير المباشرة تتقاسم سيادتها وأراضيها، يغادر أفراده القلائل الباقون على قيد الحياة والذاكرة بالتتالي وهم مصابون بالذهول، يستدرجون الماضي الذي خلفوه وراءهم وأعمارهم المرصوفة بمحبة الوطن والإنسان، يضعون هذا الماضي أمام فداحة الحاضر، فلا يقوون على الصراخ ولا يلقون الجواب على أسئلتهم الحارقة. لكنهم بقوا حتى اللحظات الأخيرة ينادون بما يعيد اللحمة إلى نسيج الحياة لدى هذا الشعب.
كانوا يلتقون في بيته، لفيف من الأصدقاء المنتمين إلى سوريا فقط رافضين أن يُعرفوا أو يعرّفوا بهويات أخرى، يديرون ندواتهم هناك، يستقبلون أفرادًا من الأجيال اللاحقة، ومن الشرائح الشابة التي تبحث أيضًا عن أجوبة لأسئلتها خارج مستنقع السياسة، عن أجوبة على أسئلتها حول الإنسان وكيف تردم الفجوات التي تحفر في وجدانه، كيف تمدّ الجسور بين الناس، كيف يقاوم الإنسان عناكب التفرقة والعصبية التي أُطلقت لتحدث وباء الثأرية وتضرم نار الفتنة كلما خبت، كي يحافظ النظام على عرشه، أو لكي ينتزع هذا العرش معارضوه، في محاولة نالت من الدعم المحلي والإقليمي والعالمي زخمًا ودعمًا كبيرين لتحرف انتفاضة الشعب عن مسارها وهي ترنو إلى ثورة تقلب هذا الواقع المهين الخرب بكل أركانه، تقلبه على واقعه من أجل سوريا الكرامة والحقوق، ليصبح هذا الوطن "يحتبي على ركامه".
كان ورفاقه منتمين إلى سوريا، واختاروا في خضم البراكين التي تعصف بها أن يعملوا خارج ميدان السياسة الذي دفع بسوريا إلى ميدان البازارات والمساومة بين أطراف النزاع
كان سعيه الدائم وهمه الكبير أن يكرس القيم العليا التي تحفظ كرامة الإنسان والمجتمع، يحاول أن يؤسس لوعي يستوعب معنى الاختلاف وقيمته ودوره الفاعل في البناء، مثل المقولة التي ردّ بها أمبرتو إيكو على سؤال عن الدور الذي يمكن أن تلعبه السيميائيات في النضال ضد العنصرية والكراهية إذ قال: علموا الطفل الفرنسي أن كلمة أرنب بالفرنسية ليست سوى كلمة ضمن آلاف الكلمات المنتمية إلى لغات أخرى تستعمل هي أيضًا من أجل الإحالة على الشيء نفسه، في العالم الخارجي. نعم، لقد كرس حياته في نصفها الثاني مناضلاً في جبهة أخرى، مناضلاً ضد كل أركان ومفاهيم الفساد التي تغولت في جسد الشعب، وفي تكريس القيم الإنسانية العليا، والتأكيد على المشتركات بين شرائح الشعب كلها.
كان ورفاقه منتمين إلى سوريا، واختاروا في خضم البراكين التي تعصف بها أن يعملوا خارج ميدان السياسة الذي دفع بسوريا إلى ميدان البازارات والمساومة بين أطراف النزاع غير مكترثين بالفواتير الباهظة التي يدفعها السوريون من حياتهم وأمنهم وأرضهم ومستقبل أبنائهم. هذا الشكل من النضال، وهذه الشريحة من السوريين يحتاجها الوطن وتحتاجها حياة شعب أوشكت على الانهيار النهائي الذي من الصعب النهوض بعده، إنه حلم غالبية السوريين، حلم يتشبثون به ولا يعرفون سبيل تحقيقه ولا يهتدون إلى العتبة التي تدخلهم إلى رحابه. لقد آمنوا بقيمة الإنسان وكرامته، الكرامة التي تستهل الدول الحضارية التي تعتبر الإنسان غايتها دساتيرها بها، فكرامة الإنسان حق أسمى مصان لكل فرد من دون تمييز، وكرامة الإنسان كي تُفهم وتتحقق لا بد من أن يستوعب الجميع أن هناك معنى وحيد يُعبّر عنه بلغات كثيرة، هذا المعنى أو تلك المعاني كلها يجب أن توحّد لا أن تفرق وتصبح أداة للكراهية والعنصرية.
هذا الشكل من الضمير والوعي يحتاجه السوريون في أزمة أرواحهم المتعبة، السوريون في كل مكان، بعد أن دقت الأسافين بينهم وفرضت عليهم هويات متناحرة بعدما كان حلمهم في لحظة تاريخية ما أن يشكلوا هويتهم الجامعة، لكن ضميرًا كهذا تواجهه تحديات جبارة ويحتاج إلى طاقة وقدرة على إعلاء الصوت كي يُسمع بينما صدى الحرب والسلاح يهز الأركان. وهذه الشريحة من الجيل الأخير قالت قولتها ومضت مغمضة عيونها على آخر الصور التي سترافقها في رحلتها الأبدية، صورة وطن عاش في العيون فانتزع منها وألقي بشظاياه إلى المآقي تجرحها وتدمي القلوب معها. وطن يحتبي يمكنه أن يتعلم النهوض والوقوف على ساقيه ويبدأ مهمة فرز الركام وإعادة البناء من جديد.

JoomShaper