بيروت - أطلق ناجون من السجون السورية وعائلات محتجزين ومفقودين مؤخرا ميثاقا يرسم سبل إحقاق العدالة للذين قتلوا داخل المعتقلات ويطالب بوقف التعذيب، والكشف عن مصير عشرات الآلاف من المفقودين.
وهذا أول تحرك جماعي في ظل مخاوف من ذوبان قضية المعتقلين والمفقودين واندثارها، حيث أنه إلى حد الآن، لم تؤد الجهود المبذولة لإدراج القضية على جدول أعمال المحادثات التي تقودها الأمم المتحدة منذ أكثر من عام ونصف العام إلى أي نتيجة. كما لم تحرز المفاوضات، التي تركز على صياغة دستور أي تقدم يذكر.


وتعاني عشرات الآلاف من العائلات السورية حسرة فقدان ذويهم الذين ذهبوا ضحية لصراع وحشي تشهده البلاد منذ العام 2011، دون أفق لتسوية قريبة.
ومن بين العائلات المكلومة، عائلة ياسمين المشعان، التي عثرت في العام 2015 بمحض الصدفة على موقع فيسبوك على صورة لأخيها عقبة بين الآلاف من الصور التي سربها مصور الطب الشرعي الملقب بـ”قيصر”، لجثث سجناء في المعتقلات السورية، وعلى أجسادهم آثار تعذيب تعكس وحشية سجانيهم.
وظهرت كدمات على عين عقبة وأشارت لحيته الخفيفة ووزنه غير المتغير نسبيا إلى أنه توفي بعد فترة وجيزة من اعتقاله، وأن التعذيب لم يستمر طويلا. وعنت الصورة لعائلته أن انتظار عودته قد انتهى.
تقول شقيقته “كان الانتظار مليئا بالأمل والترقب، وأبقانا في مكاننا، وكلفنا المزيد من الإخوة. لقد فقدنا كل شيء في انتظاره”.
وفقدت المشعان شقيقا آخر، يدعى بشار، كان اختفى هو الآخر قبل حوالي سبع سنوات في اليوم الذي اجتاح فيه مقاتلو تنظيم الدولة الإسلامية بلدتها في دير الزور، جنوب شرق سوريا.
ولا تزال تنتظر منه أي إشارة تعلمها إن كان على قيد الحياة أو ميّتا. كما فقدت ثلاثة أشقاء آخرين قتلوا بالرصاص في احتجاجات مناهضة للحكومة. وبقيت مع أخ واحد فقط.
149ألف شخص عدد المعتقلين أو المختفين قسريا في سوريا، حيث أن 85 في المئة منهم ضحايا للحكومة السورية
تجربة المشعان المريرة تعيشها الآلاف من العائلات التي خسرت عددا من أبنائها، وما يزيد معاناتها تراجع الاهتمام الدولي بالقضية السورية.
وتشير تقديرات إلى أن عدد المعتقلين أو المختفين قسريا في سوريا بلغ 149 ألف شخص، وكان أكثر من 85 في المئة منهم ضحايا للحكومة السورية، حسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان. واختفى معظمهم أو اعتقلوا بعد فترة وجيزة من اندلاع الاحتجاجات السلمية ضد حكومة الرئيس بشار الأسد.
يقول النشطاء إن الآثار تتجاوز المعتقلين أو المختفين. إذ أن الأقارب عالقون في الزمن، وهم مجبرون على دفع رشاوى لمعرفة مصير أحبائهم أو البحث في شبكة من السجون ومراكز الاحتجاز أين ينتشر التعذيب.
وتنفي دمشق احتجاز أي سجناء سياسيين، ولكنها في السنوات الأخيرة، انطلقت في تحديث السجلات المدنية وإرسال إخطارات الوفاة دون ذكر أسبابها إلى العائلات. ورأت العديد من الجماعات الحقوقية في الخطوة محاولة لإغلاق الملف وسط ضغوط دولية دون أي محاسبة أو منح نهاية مرضية للعائلات.
وقال أحمد حلمي معتقل سابق، وأحد مؤسسي جمعية “تعافي” التي تقدم المساعدة للناجين من السجون السورية، إن الميثاق الذي تم توجيهه مؤخرا يحدد العدالة كما يراها المتضررون.
ويرى أن الأولوية تكمن في ضمان الإفراج عن السجناء وإنهاء التعذيب وإعادة جثث القتلى ووقف المحاكمات الميدانية. وأكّد أن كل هذا سيساهم في وضع رؤية لتأمين المساءلة والعودة إلى الوطن وكشف الحقيقة وإصلاح قوات الأمن.
وقال أمام لجنة عبر الإنترنت أطلقت الميثاق، الذي شاركت فيه خمس جمعيات للعائلات والناجين “هذه هي العدالة التي نريدها”. وحضر الجلسة دبلوماسيون أوروبيون ومن الأمم المتحدة وناجون وأقارب للمفقودين. ويقول واضعو الميثاق إنه إنساني بحت ويبتعد عن الانتماءات أو الدوافع السياسية.
وقالت فدوى محمود، التي يقبع زوجها وابنها في سجون الحكومة، إن “القضية تؤلم كل السوريين. سنكون صوت كل الأمهات والأخوات اللاتي لا يستطعن الكلام” لأنهن في مناطق تسيطر عليها الحكومة. وبالنسبة إلى المشعان، سيرسل الكشف عن مصير المعتقلين رسالة للعديد من العائلات التي فرت من سوريا مفادها أن العودة آمنة.

JoomShaper