عدنان الحسين-شمال سوريا
مع دخول الثورة السورية عامها التاسع، فقدت المعارضة السورية المسلحة أبرز المدن والمواقع الرئيسية الخاضعة لها في وسط وجنوب البلاد، وسط موجات نزوح متواصلة آخرها في مدينة إدلب التي تعيش كارثة إنسانية، بعد أن كانت ملجأ للمهجرين والنازحين من كافة أنحاء سوريا.
ويقول مسؤول "فريق منسقي استجابة سوريا" محمد حلاج للجزيرة نت إن التركيبة السكانية شمالي غربي سوريا بلغت نحو أربعة ملايين و350 ألف مدني، نزح منهم أكثر من مليون و200 ألف خلال عام 2019 جراء حملتين عسكريتين لقوات النظام السوري وروسيا على ريف حماة وريف إدلب، وإن 27% من سكان شمالي غربي سوريا هم نازحون داخليا نتيجة التصعيد والعمليات العسكرية.


ويحذر حلاج من أن الوضع الإنساني يتجه نحو الأسوأ نتيجة ضعف الاستجابة الإنسانية التي أدت لعوائق كبرى، وهو ما ظهر في العجز الذي بلغ 57.1% في خطة الأمم المتحدة لعام 2019، مضيفا أن "استمرار تقدم قوات النظام السوري وروسيا باتجاه مدن أساسية وكبرى يعتبر الهاجس الأكبر وسيتسبب في ارتفاع أعداد النازحين، وبالتالي تحتاج المنطقة استجابة كبرى، مما يعني كارثة كبرى تتزامن مع فصل الشتاء".
الأهداف الروسية
ويقول المحلل المختص بالشأن الروسي طه عبد الواحد إن "الدور الروسي أصبح فاعلا وبارزا في ساحة الصراع السورية، وكان يدور منذ عام 2016 حول إيقاف العمليات العسكرية، والتوجه لإعادة الإعمار وجني الحصاد الاقتصادي لما خسرته في سوريا والدفع باتجاه حل سياسي يتوافق مع رؤيتها".
ويضيف في حديثه للجزيرة نت أن العامل الاقتصادي لدى روسيا ذو أولوية كبرى من أجل جني ثمار مشاركتها بقوتها العسكرية الضاربة، وبالتالي هي تبحث عن أي حل سياسي يضمن بقاء قواعدها البرية والبحرية والسيطرة شبه المطلقة على الدولة، ومن ثم حصولها على مشاريع إعادة الإعمار لصالح الشركات الروسية.
كما يشير إلى "هدف هام ورئيسي لروسيا رغم فشل المحاولات السابقة، وهو أن تجعل سوريا ملفا يعيد إطلاق التعاون الأميركي الروسي، الذي قطع منذ عام 2014 نتيجة الأزمة الأوكرانية، وتأمل بأبعد من ذلك بأن تكون سوريا بوابة الأمل لإنجاز شراكة روسية أميركية جديدة".
ورغم الاتفاقيات التي أطلقتها دول إقليمية عدة على رأسها تركيا وروسيا في وضع حجر الأساس للحل في سوريا، فإن خارطة السيطرة والصراع تغيرت بشكل مفاجئ، خاصة بعد انسحاب القوات الأميركية من مناطق واسعة شرقي سوريا، وتمركزها في أماكن وجود النفط ودخول تركيا شرق الفرات وتبعتها روسيا.
خريطة النفوذ
ووفقا للخريطة التي أصدرها "مركز جسور للدراسات" فإن نسب سيطرة القوى على الأرض باتت مقسمة ومتشابكة، فقد حافظت فصائل المعارضة نوعا ما على نسبة سيطرتها مع ازدياد طفيف جدا، حيث سجلت 12.13% بمساحة 22645 كيلومترا مربعا من إجمالي المساحة في سوريا.
وحافظت قوات سوريا الديمقراطية نسبيا على مناطق سيطرتها مع تراجع طفيف جدا، حيث سجّلت 25.64% بمساحة تعادل 47846 كلم مربعا من إجمالي المساحة في سوريا، بينما ارتفعت سيطرة قوات النظام السوري إلى 62.23% بمساحة تعادل 116139 كلم مربعا من إجمالي المساحة في سوريا، في حين اختفت أي سيطرة عسكرية لتنظيم الدولة الإسلامية على الأرض السورية منذ فبراير/شباط الماضي.
وفي هذا الشأن يقول اللواء محمد حاج علي المنشق عن النظام إن "سوريا اليوم تخضع للاحتلال بكل معنى الكلمة، فمناطق سيطرة قوات النظام، الذي أساسا لا يسيطر على شيء، تخضع للسيطرة الروسية والإيرانية، بينما تخضع المناطق الأخرى لسيطرة قوى مختلفة، ففي الشمال تركيا، وفيما يعرف بشرق الفرات هناك روسيا وأميركا، وهو ما يوضح أن لا قرار للسوريين في بلدهم ولا على أرضهم على الإطلاق".
وعن مستقبل العمليات العسكرية في سوريا، يرى الحاج علي أن اتفاق روسيا وتركيا سيفضي إلى تسليم تركيا الطرق الرئيسية إلى النظام السوري وروسيا، وأن الفصائل العسكرية سيتم عزلها ضمن مناطق معينة لمنع التواصل في بينها، ومن المحتمل أن يتم الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية وقوات النظام للانتشار الكامل، وسيكون لتركيا دور فعال في ذلك.
ويلخص الحاج علي الوضع العسكري بأن زيادة العنف ستكون الوجه الأبرز لعام 2020، وستزداد الضربات العسكرية الإسرائيلية على المواقع الإيرانية، وكذلك ضربات التحالف للتنظيمات المتشددة.
وعلى الرغم من أن الصراع على الجغرافيا السورية خاصة بعد 2013 بين القوى الفاعلة لم يكن منشؤه اقتصاديا بحتا، فإنه مع طول الأمد بات العامل الاقتصادي عنصرا فاعلا في المشهد السوري.
ويقول رئيس "مجموعة عمل اقتصاد سوريا" أسامة القاضي للجزيرة نت إن "العامل الاقتصادي أصبح عنصرا مهما، وتبلور سابقا في مواجهات اقتصادية مخفية بين روسيا وإيران، خاصة في مصنع الإسمنت والمرافئ التي تحاول روسيا إزاحة إيران عنها بما فيها ميناء اللاذقية".
والآن قصف المناطق المتاخمة للأوتسترادات "م4"و"م5" حيث يتضح نية إخلاء 20 كلم على جانبي الطريقين السريعين كنوع من التحضير لطرق آمنة للشحن ما بين حلب واللاذقية وحلب ودمشق، في إطار إجراء تمهيدي لأي عملية تنشيط اقتصادي تجاري مستقبلي.
ويضيف القاضي للجزيرة نت: بينما ترقد أميركا على معظم الثروة النفطية السورية لتؤمن مصاريف بقاء 400 جندي أميركي وما يلزمهم من قواعد عسكرية ومطارات، في حين يجهز الطرف التركي لعملية إعادة إعمار في درع الفرات تشارك فيها بعض الدول العربية والأوروبية لإعادة بعض المهجرين، ويجري ذلك بتنسيق بينهم تحضيرا لمرحلة جديدة على ما يبدو عام 2020، تمهيدا لصفقة سياسية تنهي الكارثة السورية بأي ثمن.
تضارب المصالح
ويتفق محللون وناشطون سوريون على أن الشعب السوري بات اليوم رهنا للتسويات والصراعات الإقليمية والدولية بسبب لعنة الجغرافية وتضارب مصالح الدول في هذه المنطقة المهمة.
ويقول الصحفي والناشط السياسي خالد أبو صلاح إن "معظم اللاعبين السوريين على المستوى المحلي سواء المعارضة أو النظام فقدوا قدراتهم على التأثير في المعادلة السياسية، بل أصبحوا أدوات بيد حلفائهم بشكل واضح ومطلق، وعلى هذا فلا دور حقيقيا لهم خلال 2020، وأي حل سياسي مرهون بتفاهمات حلفائهم التي تلعب كل من روسيا وتركيا الدور الأبرز فيها".
ويواصل أبو صلاح حديثه للجزيرة نت "أما على المستوى الدولي فبعد فشل اجتماعات اللجنة الدستورية، وعدم وجود أي ردود فعل سياسية دولية حقيقية على هذا الفشل، إضافة إلى تفجر الصراع المباشر على المتوسط في المشكلة الليبية، ودخول كل من تركيا وروسيا -اللاعبين المهمين على الأرض السورية- ومن خلفهما أوروبا والولايات المتحدة في هذا الصراع، يحرّف النظر عن مأساة السوريين، مما يوحي بأن الأزمة السورية ستراوح مكانها خلال العام 2020، فحلها لا يزال بعيدا عن أجندات الدول المتصارعة حيث اشتباك المصالح وتعقدها يزداد في المنطقة برمتها".

JoomShaper