ناديا الياس: القدس العربي
من سيء إلى اسوأ تتأرجح معاناة النازحين السوريين في لبنان الذين هربوا من ويلات الحرب في بلادهم بحثاً عن الأمان لعائلاتهم وأطفالهم الذين يعيشون ظروفاً معيشية قاهرة وصعبة ولاسيما منها مشاكل الايواء والسكن والأكل والتعليم وعدم الرعاية الصحية وتوفير العلاج والاستشفاء وغيرها من القضايا الإنسانية التي تدمي القلوب. وما زاد الطين بلّة هو التقنين القاسي في تقديم المساعدات من قبل الهيئات والمنظمات الدولية لهؤلاء النازحين الذين تخّطى عددهم في لبنان المليون والـ 600 ألف للمسجّلين منهم عدا عشرات الآلاف من الذين لم يبادروا إلى التسجيل رسمياً، ناهيك عن المشاكل الأمنية التي تواجههم والتضييق عليهم والملامح العنصرية بحقهّم والتي تعود أسبابها إلى موروث أيام الوجود العسكري السوري في لبنان كما جاء على لسان وزير الشؤون الاجتماعية رشيد درباس.

وقد انسحبت أوضاع النازحين السوريين على جمعيات ومنظمات حقوقية آخرها المؤسسة اللبنانية للديمقراطية وحقوق الإنسان «لايف» التي أكدت «أنّ اللاجئين السوريين في لبنان موجودون في معتقل كبير وأوضاعهم إلى مزيد من التدهور يوماً بعد يوم إذ تنتزع منهم حقوقهم الأساسية من خلال قرارات حكومية جائرة وعشوائية في معظم الأحيان أو من خلال أفعال تعسفية وغالبا غير قانونية تمارسها الأجهزة الأمنية والعسكرية اللبنانية بحقهم».
وقد عقدت الجمعية الوطنية للديمقراطية «لايف» مؤّتمراً صحافياً قّدمت خلاله تقريرها الحقوقي الثاني بعنوان «لاجئون خارج الحماية» الذي صدر باللغتين العربية والانكليزية وبـ212 صفحة، وقسّم إلى جزئين وهما: الانتهاكات والتوصيات حسب ما شرح رئيس الجمعية المحامي نبيل الحلبي الذي اعتبر أنّ اللاجئين السوريين أصبحوا في لبنان بين فكّي كماشة وبين واقعين، فهم لا يستطيعون السفر بحكم أن غالبيتهم لا يملكون وثائق سفر أو أن صلاحيتها انتهت، وكذلك لا يستطيعون البقاء في لبنان الذي تحوّل إلى معتقل كبير تمارس فيه بحقهم انتهاكات واجراءات تعسفية وسط صمت دولي مطبق على حدّ قول الحلبي الذي طالب الحكومة اللبنانية بتحملّ مسؤولية تردّي أوضاع اللاجئين لانها لم تتخّذ منذ بداية الأزمة السورية أيّ اجراءات تتعلق بالحدود التي بقيت مفتوحة، الأمر الذي سهلّ دخول اللاجئين في بداية الأزمة رافضة في الوقت عينه إنشاء مخيمات نظامية، حتى بات اللاجئون خارج إطار الحماية ويتعرضون لانتهاكات مستمرة، حسب قول الحلبي الذي رأى «أن ما يجري هو تدمير ممنهج لمجتمع اللاجئين في لبنان».
وقد شمل التقرير عينه وثائق وصوراً وشهادات حية تظهر»انتهاكات جسدية» تعرض لها لاجئون سوريون في مختلف المناطق اللبنانية، أمّا أبرز هذه الانتهاكات التي تناولها التقرير بحقّ اللاجئين السوريين في لبنان فكانت العنصرية والتحريض على العنف ضدّهم، والتي تنامت منذ آب/أغسطس 2014 الذي شهد هجوم المسلحين السوريين على مواقع للجيش اللبناني في بلدة عرسال المحاذية للحدود السورية وخطف عدد من الجنود، وحملات تحريض إعلامية ضد اللاجئين. وتناولت الانتهاكات أيضاً معاناة اللاجئين من الحرمان والتقاضي نتيجة أوضاعهم القانونية ونتيجة الخوف من التهديد، وسوء الأوضاع الاقتصادية. وتحدث التقرير عن «حالات اختطاف وإخفاء قسري تعرض لها اللاجئون، بينما جرى تسليم أعداد منهم إلى النظام السوري لمبادتهم بمقاتلين ينتمون لمنظمات لبنانية تقاتل إلى جانب النظام».
وتضمن التقرير ايضاً وثائق تبرز حالات تعذيب وممارسات إهانة تعّرضت لها لاجئات سوريات .وأظهرحرمان اللاجئين من حقّ العمل وذلك بقرار صادر عن الحكومة اللبنانية وحرمانهم من العناية الطبية وحرية التنقل بين المناطق اللبنانية وكذلك حرمانهم من السفر وفق ما جاء في التقرير. اماً أبرز التوصيات التي صدرت فهي، حضّ الدول القادرة على تقاسم أعداد اللاجئين السوريين مع دول الجوار السوري والعمل على تعزيز حمايتهم وعدم تعريضهم للخطر، ومطالبة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين والجهات الدولية المانحة بزيادة مساعداتها للاجئين عبر منظمات المجتمع المدني العاملة في لبنان وعبر الحكومة اللبنانية شرط مراقبة عمليات الإنفاق، ومطالبة الأمم المتحدة بـالضغط على الحكومة اللبنانية من أجل وقف أشكال الانتهاكات كافة ضد اللاجئين، وتقديم برامج خاصة لرعاية الأمومة والطفولة وضمان السلامة الصحية والنفسية لللاجئين.
وفي سياق آخر متصل، نبرز لمحة تعريفية عن الجمعية الوطنية للديمقراطية «لايف» فقد تأسست في لبنان في العام 2006 على يد مجموعة من الأكاديميين والمحامين وهي تعتبر منظمة غير حكومية ويتلخص دورها في حلّ النزاعات في مجتمعات ما بعد الحروب الأهلية والنزاعات المسلحة توّصلاً لتعميم ثقافة حقوق الإنسان والتنمية الديمقراطية على إيلاء الشأن الإنساني الأولوية في نشاطاتها ومشاريعها وعلى تحسين الظروف الإنسانية للفئات المهمشة واللاجئين والسجناء ورسم استراتيجية حول رصد الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان وتوثيقها من جهة ومعالجة آثارها الكارثية على المستويين الإنساني والمجتمعي من جهة ثانية .
وإستناداً إلى معلومات إعلامية مؤّكدة فأنّ أوضاع اللاجئين السوريين تزداد تدهوراً وبؤساً بعد تقّلص قيمة البطاقة الغذائية إلى 13 دولاراً ونصف الدولار بسبب العجز المالي للأمم المتحدة عن العام 2015 بعد ان كانت هذه البطاقة تشّكل مصدر قوت وعيش لهم تقيهم من الجوع ناهيك عن توقف معظم الجمعيات الخيرية المحلية والعربية والتيارات السياسية عن تقديم المساعدات بسسب الفساد الذي حصل وأدى إلى وقف الدعم المالي من الدول الممّولة والاستعاضة عن ذلك بتقديم مساعدات بشكل مباشر عن طريق مندوبي تلك الدول، وازاء ما حصل من تقليص للبطاقة الغذائية وتوقف المساعدات التي ذكرت ازدادت مأساة اللاجئين السوريين الذين بات مصيرهم على المحك والزمهم الوقوف على أبواب الجمعيات طلباً للمساعدة وللإغاثة .
واستوضحت «القدس العربي» آراء العديد من اللاجئين الذين عبّروا عن وجعهم وقلقهم من الظروف الحالية فرأى محمد أنّ «الأوضاع حالياً لم تعد مثل السابق بل باتت مزرية للغاية وقد شبعنا من الوعود التي اغدقت علينا بشأن تحسين ظروفنا وتقديم مساعدات سريعة لنا». السيدة زاهية أكدّت انّ أكثر ما يؤلمها هو وجود أطفالها في الشارع يتسولون من أجل الحصول على مأكل ومشرب وملبس بعد أن كانوا ينعمون في بلدهم حمص بحياة هانئة. ولم تستطع ان تكمل معنا حديثها لانّ الغصّة خنقتها فاكملت حديثها بالدمع الذي ذرفته حسرة على وضعها وعائلتها. السيّد بشار شكى بدوره لـ «القدس العربي» الأوضاع الصعبة والمقلقة التي يعيشها في لبنان، هو الذي هرب إليه من سوريا معتقداً انه سينعم بالأمان والاستقرار المعيشي والاقتصادي وإذ به يتفاجأ ويفقد الأمل ناقلاً لنا معاناته :»انها ليست عيشة، ولدينا خياران اثنان إمّا البقاء هنا والموت جوعاً وبؤساً وإمّا الذهاب إلى سوريا والموت تحت القصف والدمار». ورداً عن سؤالنا حول كيفية إعانة عائلته قال: «أنا أسرق العمل سرقة لاتقاضى ما يسّد جوعي وعوزي من الخبز لانه إذا عرفوا في الأمم المتحدة انني اعمل فهم يحجبون عني المساعدة التي تقدر بحوالي 13 دولاراً وهل هذا يكفي؟ فكيف يمكنني ان اعيل عائلتي؟ من هنا أعمل ما باستطاعتي لاؤمن القوت اليومي من خبز وحليب».
وأكثر ما يعاني منه اللاجئون هو بدل الايجار بالنسبة لمن لا يريد أن يعيش مع عائلته في الخيم وهذا ما عبّر عنه أيضاً علاء الذي قال إنه يعمل في فرن من الفجر إلى النجر وبأجر متدن للغاية:»كيف لي أن أعيش وأنا أتقاضى معاشاً متدنياً لا يتجاوز الـ 400 دولار في حين أسكن وعائلتي في غرفة متواضعة وغير صالحة للسكن وايجارها الشهري 150 دولارا؟ كيف لي أن أستمرّ في تأمين معيشتي وعائلتي؟».
وأجمع معظم الذين التقيناهم على صعوبة تواجههم وهي تجديد الاقامة مقابل تكاليفّ باهظة وذلك مخافة ترحيلهم وقال لنا أبو ياسر: «اننا نعاني جدّاّ من أجل تجديد أوراقنا وفي معاناة للاستحصال عليها وخصوصاً وأننا بحاجة إلى كفيل لنا وهذا صعب أيضاً للغاية».
العجوز ام محمد بكت من حسرتها ومرارتها وقالت «نحن بحاجة إلى سكن إلى دواء ورعاية وهنا كل شيء باهظ الثمن من أكل وشرب والادوية مرتفعة الأسعار وكذلك زيارة الطبيب فهل من أحد يلتفت إلينا؟».
لا بدّ من الإشارة إلى تحديات عديدة تواجه لبنان على الصعد كافة وتزداد هذه التحديات صعوبة وخطورة وسط غياب ودعم كلي للدول والمنظمات الداعمة لمساعدة اللاجئين السوريين الذين وصلوا إلى لبنان والذين تجاوز عددهم 1.1 مليون سوري هربوا من النزاع الدامي الذي تشهده سوريا منذ منتصف آذار/مارس2011 بحسب إحصائيات الأمم المتحدة
ومن بين هذه التحديات التي تواجه النازحين السوريين على سبيل المثال تأمين التعليم لشريحة واسعة من الأطفال، وقد سعى وزير التربية والتعليم العالي اللبناني الياس بو صعب خلال زيارته الرسمية إلى أوسلو للمشاركة في مؤتمر القمة حول التربية من أجل التطوير، إلى عقد اجتماع عمل جانبي مع المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة غوردو نبراون في الملفات العائدة لايجاد سبل لتأمين التعليم لأكبر عدد من النازحين من سوريا إلى لبنان والسعي مع المشاركين في القمة إلى حضّ الدول لتأمين المزيد من المساهمات في هذا المجال.
وعقد الوزير بوصعب إجتماعا مع وزيري التربية والخارجية النرويجيين للهدف نفسه وأكد توفير دعم نرويجي للبنان بقيمة عشرة ملايين دولار إضافية للمبلغ المقدم السنة الماضية، وعبر عن الأمل بان تحذو حذوه الدول الاخرى من أجل توفير الدعم الكافي لإدخال المزيد من التلامذة إلى المدارس الرسمية في لبنان .
وعبّر الوزير النرويجي عن تقدير بلاده للدور الذي يضطلع به لبنان في موضوع تعليم النازحين من سوريا.
ولادة 58 ألف طفل في مخيمات اللاجئين السوريين في لبنان
أعلنت المفوضية العليا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، أن أعداد الأطفال الذين ولدوا للاجئين سوريين في لبنان منذ بداية الأزمة في بلادهم قبل أكثر من أربع سنوات بلغ 58 ألفا. ونقل راديو (سوا) الأمريكي عن المتحدثة الاعلامية باسم المفوضية العليا لشؤون اللاجئين دانا سليمان قولها، إن النسبة الأكبر من هؤلاء الأطفال غير مسجلين لدى السلطات اللبنانية. وأضافت المتحدثة الأممية أن التسجيل لدى المفوضية هدفه فقط إثبات صلة الدم بين الأهل والمولود من أجل الحفاظ على حق الطفل في الحصول على جنسيته لاحقا، مشددة على أن الأمر لا علاقة له بإعطاء الجنسية ولا تترتب عليه أي التزامات قانونية.
عدد اللاجئين السوريين في الدول المجاورة يتجاوز 4 ملايين
قالت الأمم المتحدة في تقرير أصدرته مؤخرا إن أكثر من أربعة ملايين سوري، أي نحو سدس عدد السكان، فروا من الصراع الدائر في بلادهم إلى الخارج.
وأوضحت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن حشود الفارين التي عبرت الحدود التركية قادمة من سوريا خلال الأشهر العشرة الأخيرة أضافت نحو مليون لاجئ جديد إلى مجمل عدد اللاجئين السوريين.
وثمة أكثر من سبعة ملايين و600 من النازحين الذين اضطروا إلى مغادرة مناطق سكناهم نحو مناطق أخرى داخل سوريا منذ بدء الانتفاضة الشعبية في مارس/آذار 2011.
ووصف انطونيو غوتيريس رئيس المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أزمة اللاجئين السوريين بأنها «أسوأ أزمة إنسانية شهدها جيلنا».
وأضاف»هذا أكبر عدد للسكان اللاجئين من صراع واحد في جيل. هؤلاء السكان يحتاجون إلى دعم من العالم، لكنهم بدلا من ذلك يعيشون في أحوال مريعة ويغوصون بشكل أعمق في الفقر».
وتعد أزمة اللجوء السورية أكبر أزمة لجوء تنجم عن صراع واحد منذ نحو ربع قرن.
وقالت المفوضية إن معظم اللاجئين الفارين من الحرب في سوريا – التي مضى عليها أربع سنوات – يقيمون في تركيا ولبنان، والأردن، والعراق، ومصر.
وتضم تركيا أكبر عدد من اللاجئين السوريين، إذ يصل عددهم فيها إلى 1.8 مليون لاجئ، وأفادت تقارير أنها تستعد لتدفق موجة جديدة من اللاجئين مع تصاعد القتال في المناطق قرب الحدود بين البلدين.
وقال بيان المفوضية إن حوالي 86 في المئة من 630 ألف لاجئ سوري في الأردن يعيشون تحت خط الفقر البالغ 3.2 دولارات يوميا.
وأضاف البيان أن أكثر من نصف السوريين اللاجئين في لبنان، وعدهم 1.173 مليون يعيشون في أماكن إيواء دون المستوى المطلوب.
وهناك 270 ألف سوري آخر طلبوا اللجوء في أوروبا.
وقال غويترس «ينبغي على أوروبا أن تقدم المزيد من المساعدة مع زيادة سوء الأزمة».
وأضاف «نشعر بالرعب من أننا لا نعرف ماذا نفعل مع تدفق المزيد والمزيد من المدنيين الذين يجازفون بأرواحهم، ويتحركون قدما».
وأكمل «إنها دراما إنسانية، إنه وضع مريع للمنطقة، ولكنه بات أيضا شيئا نطالب جميعا أوروبا بأن تتولى مسؤولياتها إزاءه بشكل كامل».
وأشارت المفوضية إلى أنه إذا تواصل تدفق اللاجئين السوريين على هذه الوتيرة فمن المتوقع زيادة عددهم في دول الجوار السوري ليصل إلى 4.27 مليون لاجئ بحلول نهاية 2015.
ولم تتسلم المفوضية سوى أقل من ربع مبلغ 5.5 مليار دولار التي تقول إنها تحتاجه لمساعدة اللاجئين السوريين والدول التي تضيفهم.