يشعر أحمد بالخجل وهو يمسك كتابا بيده ولا يجيد القراءة، رغم أنه يبلغ من العمر 13 عاما، ويكاد لا يميز بين أحرف اللغة العربية. هذه واحدة من الحالات التي تواجه رولا العجة مسؤولة مشروع «البريق» لمدارس تعليم أطفال اللجوء السوري في بلدان الجوار والتي تقول: «المأساة متشعبة في معاناتها، أعداد الأطفال الذين يحتاجون التعليم كبيرة، الأهالي كما الأطفال أيضا لديهم معاناة نفسية وجسدية ومادية لا تمكنهم من مساعدة أطفالهم، ما يعني أننا أمام محنتين في نفس الوقت، الأهالي والأطفال، فنحن نريد أن نسهم في تعليمهم فضلا عن بيئة متواضعة، جغرافيا وخدماتيا وتعليميا».
وتقول السيدة العجة التي تعمل منذ سنوات على جمع المساعدات من شخصيات سورية وجمعيات مانحة لتقديمها لمدارس اللجوء السوري: «أصبح لدى منظمتنا أربع مدارس في أقل من سنة وهذا هو عمر المشروع، واحدة منها قرب درعا، والباقي في مخيمات السوريين في الأردن، لدينا نحو 1500 طالب وطالبة، المدارس كلها مختلطة، هذه ناحية جيدة، المناهج التعليمية ليست سورية، نحن نحتاج تعليمهم بأي شكل لا نريد أن يبقى جيل كامل بلا تعليم ذلك سيشكل خطرا كبيرا على الجميع، هذا ناقوس خطر يقرع من الآن «تبدو حالة الأطفال النفسية والجسدية متعبة وعيونهم هائمة يلتقطون أي شي يصادفهم يفرحون به، أدوات النظافة ليست متوفرة بالقدر الكافي، ولا الطعام والشراب، الثياب تكسو الأجساد خجلا، الدواء إن توفر فهو إسعافات أولية وفقط عند الحاجة.
حالة أحمد، الطفل السوري، ليست فردية وهنا مكمن الخطر تقول السيدة السورية لوكالة الأنباء الألمانية(د.ب.أ): «لدينا حالات أطفال يعانون من صعوبات في التعلم نتيجة هول الصدمات التي تعرضوا لها من الحرب في سورية، لقد وضعنا مرشدين نفسيين لمساعدة الطلاب، ونحاول العمل مع أهاليهم لمساعدة أبنائهم في تقوية مهارات التعلم «.
تضيف السيدة العجة «التعليم هو السلاح الأبرز في معركتنا ضد التخلف والتطرف والدكتاتوريات الظالمة التي أوصلت شعوبنا إلى ما هي عليه اليوم، نحث طلابنا على مقاتلة التخلف والانتصار على الجهل بالعلم والتطلع إلى العالم الأرحب, مهما طالت الحرب، الشعب السوري باق ومستمر في الحياة رغم كل التضحيات، لا نريد لأطفالنا أن يفوتهم قطار المستقبل، هذه باختصار رسالتنا لهم وللعالم».
ويحاول عيسى ذاك الطفل الذي لا تفارقه الابتسامة البريئة وعمره قرابة 8 سنوات، انتزاع حقيبة اليد من مديرة المشروع رولا عندما تلاطفه وتسأله ماذا يحتاج فيجيبها باللهجة العامية السورية وهو يشد الحقيبة من يدها «بدي شنتة للمدرسة مثل هيي، إنتو بتوزعوا شناتي، أنا ما عندي شنتة وما عندي شي، اسمي عيسى، بدي ألعب جنب الخيمة وأدرس بالخيمة»، ثم تقترب هدى منه وهي طفلة في مثل عمره تقريبا قتل والدها في الحرب بدرعا ووصلت إلى مخيم الزعتري في الأردن مع والدتها وأخواتها الثلاثة الآخرين قبل نحو عامين لتقول: «وأنا بدي شنتة أحط فيها الخبز منشان ما يظل على الأرض» تغص الدمعة في عين رولا فتتمالك نفسها كي لا تقع أسيرة أسئلة الأطفال.
تقول الإحصاءات غير الرسمية: إن نحو 40 بالمئة من الأطفال اللاجئين السوريين في بلدان الجوار بلا تعليم وهو ما يشكل كابوسا واقعيا في حالة استمرار هذا الحال، إضافة لذلك فإن بيئة كهذه تعاني مآسي الحرب، الفقر وقلة التعليم وتفكك الحالة الاجتماعية والأسرية نتيجة المشاكل أو فقدان أحد الوالدين، ستكون بيئة سهلة الاختراق والاستغلال من كل الأطراف التي لها مصلحة في ذلك.
ويلتفت حسام، أحد المتعاونين مع المشروع، ليسأل الطفلة عبير من أين هي فتجيبه «أنا من هون من المخيم، بس بشتاء لمعلماتي لما كانت مدرستي بداريا، إيه أنا وأهلي من المخيم». يشير حسام بيديه ثم يتمتم بكلمات يفهم منها «يا حسرة الأطفال ما عاد يتذكروا هنن من وين، يا خوفي ينسوا سورية» وتقول رولا: إن معظم التمويل لهذه المدارس من تبرعات السوريين المقتدرين لاسيما المغتربين منهم، وبعض الجهات المانحة، عربية وأجنبية، ليس بينها الأمم المتحدة.
يتجمع الطلاب في صفوف متواضعة في تلك المدارس، من حيث الأثاث المدرسي ووسائل التعليم والإيضاح، الإمكانات المتاحة يجري حصرها في التركيز على التعليم باعتباره الهدف الأبرز، يجاوز عدد التلاميذ في الصف الواحد أحيانا 35 طالبة وطالبا، بين الفترة والأخرى يتم حشدهم لمتابعة نشاط معين كالألعاب أو الرياضة أو الرسم والموسيقى.
وتقدم منظمة «البريق» عددا من المنح الدراسية للطلاب المتفوقين لدخول الجامعات، كما أنها تقيم دورات تعليم للنساء في مجالات أعمال المرأة كالخياطة والتربية والأعمال اليدوية كنوع من الإسهام في تمكين المرأة السورية.
وانتشرت مئات المدارس للاجئين السوريين إلا أنها لا تفي بالحاجة فأعداد اللاجئين أصبحت بالملايين وهي في تزايد، فضلا عن ذلك تسرب عشرات الآلاف الأطفال إلى سوق العمل لأنهم لم يجدوا أماكن في المدارس أو نتيجة الحالة المادية الماسة لهم ولذويهم.
يقول أحد المدرسين: «نبذل جهودا كبيرة مع الأهالي والطلاب للالتزام بالمدرسة، إلا أن تلك عملية شاقة ومعقدة، إضافة لذلك لا نتمكن من استيعاب جميع الطلاب والطالبات، نظرا لإمكاناتنا، وذلك باعتقادي أخطر ما في الأمر، أن يخلق جيل بلا تعلم وتعليم، تلك هي الكارثة التي نخشى منها على مستقبل السوريين».