ميرفت عوف
يعج مخيم صغير للنازحين في الشمال السوري، بتفاصيل معاناة كبيرة، يحمل قاطنوه آلامًا وذكريات قاسية، ويعيشون حاضرهم بخوف من أن ينال منهم الطيران الحربي التابع للنظام السوري وحلفائه.
بالرغم من ذلك، هناك بين الأزقة الضيقة والأغراض المتناثرة حول الخيام صغار يلهون ويمرحون بألعاب وصلتهم ضمن المساعدات، لكن إحداهم وهي فتاة صغيرة، اختارت بإصرار أن تبقى داخل الخيمة، والسبب أن طفيليات داء الـ«ليشمانيا» قد التهمت بقعة من جلدها الندي، فتركت ندبًا تراه هي في عين كل ناظر إليها، فرغم أن أمها حجبت عنها المرآة تحسست بيدها الصغيرة ذلك الندب الذي حول حياتها إلى قلق وخوف وألم، و لم تكن وحدها المصابة، فالآلاف قد تمكنت من جسدهم «ذبابة الرمل» الناقلة للمرض، حين كانوا أمام الركام جالسين أو في

الخيام نائمين أو يلهون بالقرب من صرف صحي مكشوف، ليصبح الليشمانيا الذي تفتقر بيئة المعارضة السورية خاصةً القدرة على مواجهته، المرض الأكثر انتشارًا بين السوريين.
مرض مرعب.. أكثر من 25 ألف حالة في الشمال السوري
«طفلتي خائفة جدًا، عادةً هي نشيطة وكثيرة الحركة ولكن المرض أفقدها الرغبة في كل شيء، فكلما نظرت إلى وجهها في المرآة تأثرت وبكت»، بهذه الكلمات حاولت أم طفلة سورية تدعى «ولاء» اختصار معاناة طفلتها مع مرض الليشمانيا الجلدي.
الطفلة ذات الاثني عشر عامًا أصيبت بهذا المرض في مكان نزوحها بمحافظة الحسكة، حين قدمت مع ذويها من محافظة «دير الزور»، فهذا المكان الذي توقعت فيه الفتاة أن تكون آمنة من قصف النظام السوري لم تكن فيه آمنة من حشرة (ذبابة الرمل) التي أوصلت إليها المرض، وكذلك هي تعاني في مشوار العلاج لوقف تمدد الندبة القبيحة التي تشوه وجهها البريء.
لم تكن «ولاء» الوحيدة التي أصيبت بهذا المرض، إذ شهدت الأشهر الأولى من هذا العام ازديادًا كبيرًا في أعداد المصابين من السوريين، ويتوقع المراقبون تَضاعُف أعداد الإصابات، إذ تتحدث مصادر طيبة عن إصابة أكثر من 25 ألف حالة بالليشمانيا في مناطق الشمال السوري هذا الصيف، ويتوقع أن تكون الأرقام الحقيقة ضعف ذلك، خاصةً أن الكثير من المصابين لا يلتحقون بمراكز المعالجة، ويفضلون العلاج بالطرق الشعبية.
وقد نقل عن المتحدث باسم منظمة الصحة العالمية ومبعوثها إلى الأراضي السورية، طارق جاسارفيتش قوله إنه: «في الربع الأول من العام الجاري، أُبلغت منظمة الصحة العالمية بأكثر من 58 ألف حالة من داء الليشمانيات الجلدي في جميع أنحاء البلاد، ثلثها تقريبًا في شمالي سوريا»، مضيفًا: «ما يعني ارتفاع أعداد الإصابة ﺑﻧﺳﺑﺔ ﺗﺻل إﻟﯽ 30– 40% ﻓﻲ عام 2018، ﻣﻘﺎرﻧﺔ باﻟﻔﺗرة نفسها ﻣن ﻋﺎم 2017»، فخلال شهر مارس (آذار) الماضي وحده، وثق نحو 35 ألف حالة إصابة بالمرض في أرياف محافظات إدلب وحلب وحماة شمالي ووسط سوريا، في حين سجل العام الماضي 2017 وجود أكثر من 150 ألف إصابة في عموم سوريا.
ويُعَد داء الليشمانيا الأكثر أهمية بسبب خطر انتقاله عبر اللاجئين إلى البلدان المجاورة أو الأوروبية. يقول إخصائي التشخيص المختبري «محمد وائل تيسير دعبول»: «لقد ثبت أن مدينة دمشق قد أصبحت بؤرةً جديدةً، وموطنًا جديدًا لليشمانيا الجلدية، وأن الآفة قد انتقلت من الشمال باتجاه الجنوب في سوريا، وهي تتابع زحفها من كلتا الجهتين، الشمال والجنوب»، ويتابع معد دراسة (داء الليشمانيات الجلدي في دمشق) أنه: «ثبت في الأردن وشمال فلسطين، وجود بؤر استيطانية جديدة لليشمانيا فيهما. وهذا يعني ضرورة المتابعة الوبائية للآفة، وإجراء الأبحاث الجديدة لتحديد نوعية الزمر الطفيلية المكتشفة».
ليشمانيا.. وجع نفسي لا يعالج
تعود أول معرفة بالليشمانيا -أو «حبّة حلب» كما يعرفها السوريون- إلى عام 1765 في منطقة حلب، وهو مرض يسمى أيضًا بـ«حبة السنة» و«حبة بغداد» و«حبة أريحا»، وغيرها من التسميات.
وينتشر في الأراضي السورية نوعان من الليشمانيا هي الليشمانيا الجلدية والحشوية، وتعد الليشمانيا الجلدية أكثر الأمراض المُعدية انتشارًا بين النازحين واللاجئين السوريين، هذا المرض الطفيلي وحيد الخلية من جنس الليشمانيا، ينقل عن طريق الحشرات، وبشكل رئيسي عن طريق لسعات إناث ذبابة الرمل المصابة، أما الليشمانيا الحشوية، فهي داء مميت لكنها معدودة الحالات، وهي أيضًا تسبّبها لدغات (ذبابة الرمل)ـ فهذه الذبابة تحمل طفيليات المرض، من إنسان مصاب إلى آخر سليم، أو من حيوان حامل لها كالكلاب والقوارض إلى إنسان سليم، ويصاب مريض الليشمانيا الحشوية بارتفاع في الحرارة، ثم يبدأ الطحال والكبد بالتضخم، مما يؤدي إلى انتفاخ كبير في البطن، ويصل المرض إلى نقيّ العظم، ويحدث نقص في مكونات الدم من الكريات البيض والحمر، وقد ينتهي أمر المريض بالموت السريع في حال أنه لم يعالج مبكرًا.
وتسبب لدغات الحشرات المصابة للإنسان تقرحات وتهيّجات جلدية، أغلبها يكون في منطقة الوجه لكونه أكثر المناطق المكشوفة، ويكون علاج هذا المرض بحقن عضلي أو موضعي من مركبات الأنتموان خماسي التكافؤ أو الآزوت السائل، ويعد الأثر النفسي للمرض هو الأخطر على مريض الليشمانيا، خاصة الأطفال والفتيات، فقد تسبب الإصابة به عقدًا نفسية، بسبب سخرية رفاقهم منهم، خاصةً أن المرض يرتبط في أذهان الكثيرين بأنه ناجم عن قلة النظافة الشخصية.
كما أن هذه التقرحات تترك ندوبًا في البشرة حتى بعد الشفاء، يقول الطبيب السوري كنان حياني: «عندما يبقى مرض الليشمانيا من دون علاج، فإنَّ هذا المرض يترك ندوبًا بشعة، والمرضى المشوَّهون بسبب الجروح والندوب الناجمة عن حبة حلب، يعانون في أغلب الحالات أيضًا من الاكتئاب واضطرابات القلق، مثلما تُبَيِّن الدراسات».
اللشمانيا.. مرض مستعصٍ في مناطق المعارضة
تقف عدة أسباب وراء انتشار الليشمانيا في المناطق السورية، أولها ارتفاع نسبة التلوث البيئي، وقلة النظافة في المناطق السكنية، خاصة التي يتواجد بها عدد كبير من النازحين، فنزوح أعداد كبيرة أحد أهم أسباب المرض الأكثر انتشارًا في سوريا.
تشهد هذه المناطق رداءة في السكن والخدمات الأساسية، كما انهار القطاع الصحي فيها، وتحولت أطرافها إلى مكبات للقمامة بانتشار الليشمانيا، خاصةً أن الحفر التي اضطر النازحون لحفرها من أجل تصريف مياه المراحيض والحمامات كانت بدائية، ولم تحمهم من التلوث.
كما تسبب تدمير البنية التحتية بفعل الصراع العسكري في سوريا بانتشار المرض، إذ يعد الركام الناتج من القصف بيئة مناسبة لعيش أنثى ذبابة الرمل المسببة للمرض، التي تتكاثر مع انتشار القمامة وصعوبة إزالة الركام والمخلفات، واضطرت العديد من العائلات السورية للعيش بين ركام البيوت المدمرة، ومن تمكن من هذه العائلات من ترميم منازلهم بشكل بدائي، لم يتمكن من جعل هذه البيوت ذات بيئة مناسبة لمنع انتشار الحشرات والقوارض، وفي المحصلة انتشرت الليشمانيا في المناطق التي توجد فيها مستنقعات أو تراكم للأوساخ، وفقدت معظم المناطق السورية حق الوقاية برش المبيدات الحشرية؛ ما أدى إلى ازدياد حواضن بيوض ذبابة الرمل.
وتعاني مناطق المعارضة السورية بشكل عام من نقص في الكوادر الطبية بسبب سنوات الحرب، التي أفقدتها أيضًا وجود مراكز طبية مؤهلة، للسيطرة على المرض الذي يحتاج إلى توفر الأدوية، إذ لا توجد هذه الأدوية في كثير من المستوصفات، والكمية لا تتناسب مع الأعداد المتزايدة، كما تسبب عدم التزام المرضى بالمواعيد بسبب ظروف النزوح العلاجية في تأخر الشفاء من المرض، وتعاني المؤسسات المحلية في مناطق المعارضة من إيقاف تمويل المنظمات الدولية؛ مما يمنعها من مواصلة رش المبيدات، ويعيق جهود المكافحة، ويعيق الصراع وصول اللقاح، فالمنظمات الصحية الدوليّة التي تستطيع إجبار النظام على إدخال اللقاح لم تتحرك لتنفيذ ذلك.

JoomShaper