تتعدد قصص اللجوء السوري في لبنان وتتشابه، قاسمها المشترك المعاناة التي لا يكاد أصحابها يجدون منفذا يبعث فيهم الأمل في حياة أفضل من جديد.
الباحثة البريطانية في شؤون الهجرة هيفن كراولي كانت لها قصة مؤثرة مع الطفلة ريهام وعائلتها.
تقول كراولي في مقال بموقع "ذي كونفرسيشين" الأسترالي "لا أتذكر بالضبط كيف التقيتُ بريهام على فيسبوك، لكني أتذكر بلاغتها ومدى حبها لأختها الصغرى فاطمة ويأسها الدفين في نيل حياة جديدة".

تبلغ ريهام من العمر تسع سنوات فقط، وهي لاجئة سورية تعيش في بلدة صغيرة بشمال لبنان مع والديها وأشقائها الثلاثة، أصغرهم يبلغ من العمر ثمانية أشهر فقط. أخبرني والدها عبدول أن عائلته انتقلت إلى لبنان فارة من الحرب السورية التي مزقت عالمهم عام 2012، عندما كانت ريهام في الثالثة وأختها لم تكمل بعد سنتها الأولى من العمر.
قبل هجرته، كان عبدول واحدا من مئات الآلاف من عمال البناء السوريين الذين يسافرون ذهابا وإيابا عبر الحدود لملء الفجوة في سوق العمل اللبناني خلال فترة إعادة الإعمار التي أعقبت نهاية الحرب الأهلية عام 1990. وبعد ست سنوات، ما زالوا يعيشون في لبنان منتظرين انتهاء الحرب ومترقبين فرصة لإعادة بناء حياتهم.
تعيش ريهام مع عائلتها وسط ما يقارب 1.5 مليون لاجئ في لبنان، ثلثهم تقريبا غير مسجلين لدى مفوضية شؤون اللاجئين ولا يملك معظمهم إلا القليل من الحقوق.
يُظهر بوضوح البحث الذي أجريته أنا وزملائي مع السوريين الذين خاطروا بكل شيء -بما في ذلك حياة أطفالهم- للوصول إلى أوروبا عام 2015، أن قرار الانتقال من لبنان أتى غالبا نتيجة تدهور الوضع وانعدام الأمل في المستقبل.
بعد ثلاث سنوات، وجدت المفوضية وبرنامج الغذاء العالمي أن اللاجئين السوريين في لبنان أسوأ حالا من أي وقت مضى، حيث يعيش الآن أكثر من نصفهم في حالة فقر مدقع. ومع انخفاض مستوى المساعدات الإنسانية، تراجعت جودة الحياة في المخيمات.
أولئك الذين استطاعوا العثور على عمل يشتكون من انخفاض الأجور والعنصرية والتمييز المستمر. في أكتوبر/ تشرين الأول 2017، انقطعت المساعدات الغذائية التي كان يعتمد عليها عبدول وعائلته بسبب نقص التمويل.
لكن أكثر ما تراه العائلة غير مقبول هو وضع أطفالهم، خاصة عدم إمكانية حصول ريهام وفاطمة على التعليم. وتشير الإحصاءات إلى أن ما يقدر بـ280 ألف طفل سوري في لبنان غير ملتحقين بالمدرسة، بعضهم لم تطأ قدمه فصل دراسيا من قبل.
زواج مبكر
تضطر بعض الأسر إلى إرسال الأطفال للعمل لدعم دخلهم المحدود للغاية، ويضطر آخرون -خاصة الفتيات- للزواج المبكر لتأمين مستقبلهن الاقتصادي.
ومثل الآلاف من السوريين، يجد عبدول وعائلته أنفسهم في طي النسيان، غير قادرين على بناء حياتهم في لبنان ولا العودة إلى سوريا.
وبينما أظهر بعض اللبنانيين تضامنهم مع اللاجئين، أبدى الساسة منذ عام 2017 نواياهم من خلال مناداتهم بعودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم. ومنذ عام 2016، قامت بعض البلديات فعليا بإجلاء اللاجئين السوريين قسرا من منازلهم.
كما أصبحت جهود الاتحاد الأوروبي لمنع اللاجئين السوريين من الوصول إلى أوروبا فعالة بشكل متزايد، وصعبت الاتفاقية بين الاتحاد الأوروبي وتركيا -الموقعة في مارس/آذار 2016- إلى جانب غلق الحدود المقدونية، على السوريين وغيرهم الحصول على الحماية داخل بلدان الاتحاد الأوروبي، كما تسببت في حصار عشرات الآلاف من الناس في اليونان.
ولم تفلح جهود عبدول لإيجاد حل طويل الأمد لأسرته حتى الآن. وقد عاش جدّا ريهام مع العائلة في سوريا ثم في لبنان قبل أن تتم إعادة توطينهما في النرويج عام 2015، فيما يعيش عمها في هولندا.
الرسائل التي يرسلها عبدول لي مليئة بالإحباط واليأس. يترجاني أن أجد منظمة قادرة على مساعدته على الخروج مع عائلته من لبنان، ويقول لي "أحب أطفالي، أريد فقط توفير حياة كريمة لهم، أريدهم أن يكونوا آمنين".
خيارات محدودة
وتسيطر هواجس عبدول مما قد يحدث لأطفاله في لبنان على نظرته للمستقبل. يخبرني أنه مستعد للذهاب لأي دولة، ويلمح إلى أنه سيقوم بكل ما يلزم لتحقيق هذا الهدف، لكن خياراته محدودة.
حتى مع تدهور الوضع في لبنان، هناك نقص في الوسائل القانونية والآمنة التي تمكن السوريين وغيرهم من اللاجئين من نيل حقوقهم المكفولة لهم ولأطفالهم بموجب القانون الدولي. مع ذلك، هناك بعض المبادرات الجديدة التي قد تغير الوضع.
من أبرزها مبادرة "ممر المساعدات الإنسانية" التي بدأت في 2016 بتعاون من الحكومة الإيطالية، وتوفر للاجئين المعرضين للخطر إمكانية الوصول للأمن والحماية القانونية في إيطاليا.
حتى الآن، أعداد المستفيدين من المبادرة قليلة نسبيا، ما يقارب الألف شخص فقط؛ لكن بالنسبة لعبدول هذه فرصة تستحق الاهتمام.
تبدو ريهام أقل ثقة من أبيها، وتقول "لا أريد الذهاب إلى إيطاليا، أريد أن أذهب إلى النرويج حتى أكون إلى جانب جدّي. أنا افتقدهما كثيرا، أريد فقط رؤيتهما وأن أكون في أحضانهما".
من الصعب معرفة ما الذي سيحصل غدا لعبدول وعائلته وللآلاف مثلهم، لكن العالم على ما يبدو لم يعد منذ فترة طويلة يكترث لمصيرهم.

JoomShaper