أحمد عليان (سورية)
8 نوفمبر 2018
جاء الشتاءَ هذا العام من دون تدرّجٍ أو تمهيدٍ بالخريف الفعلي، كانت أولى خطواته عاصفةً تسبّبت بقطع الكهرباء لساعةٍ هنا في أنطاكيا جنوبي تركيا.
تذكّرت انقطاع الكهرباء قبل بضعة أشهر، وما أثاره ويثيره في نفسي، وربّما في نفوس سوريين كثيرين، إنّه الخوف.
دوّنت ما جرى قبل أشهر في مذكّرتي، وأورده هنا بلا تعديل: ليل يوم السبت الحادي عشر من يوليو/ تموز 2018، كان النهار شديد الحرارة، لكن المروحة والحمّام بالمياه الرئيسية الباردة حيّدا

الحرّ داخل البيت.
رأيت أثر هذا اليوم عندما هممت بنشر ثيابي على حبل الغسيل، وزاد معرفتي بقيظه حين رأيت الشمس على وجه جاري السوري أيضاً، كان جبينه محروقاً تماماً، ووجهه كرسالة حبّ ارتكبها عاشق ما، لكنّه تراجع، فأفسد استواء الصفحة وشوّه معالمها.
- كيف حالك جار؟
- كما ترى، وأقسم لولا أني أبٌ لأربعة أولاد لما خرجت اليوم من البيت، في المنفى لا يجب علينا أن نتكاثر يا جار!
كلام الرجل أوجعني، لكنّه أيضاً أفرحني لأنّني لست "مجرماً بحقّ نفسي"، كما قالت أمي التي تفتح لي سيرة الزواج كلّما قلت لها مرحباً.
الساعة السادسة مساءً، توقف كل شيء، الأنترنت، البراد، المروحة، لقد انقطعت الكهرباء. لم أُنهِ إرسال الملفات المطلوبة مني، لكنّني لم أفكّر أنّ هذا الانقطاع سيدوم طوال الليل. الساعة العاشرة والنصف، الكهرباء لم تأتِ، لكنّ الجو أصبح مذهلاً، لا ضوء إلا من السيارات وبعض المحال التجارية التي أشعلت الشموع!
الهواء لطيفٌ في الحديقة التي أكتب منها الآن، إنّه تحوّلٌ مذهل للطقس، العائلات خلافاً للمعتاد جلست في الحدائق، طلباً للتنفّس الهادئ.
داهمتني ذكرى انقطاع الكهرباء في سورية، كان منذ بداية الثورة مريباً، كما أنّه يوحي بخطرٍ ما ربما يكون مداهمة لاعتقال نشطاء إعلاميين في حيّ ما، كانوا قد وثقوا مظاهرة يوم الجمعة، حيث غنّى المتظاهرون أغنياتٍ شعبية، تنال من هيبة القائد ابن القائد، حتى لا يصبح بعد سنين والد القائد أيضاً في جمهوريةٍ يتوارثها الوارثون.
كان انقطاع الكهرباء يتيح لأمي أن تمنعني من النزول إلى الشارع لشراء السكر الذي طلبته مني قبل نصف ساعة، لأنّ أبي يريد أن يشرب الشاي ولا يوجد سكرٌ في البيت.
وللعلم، تردّدت كثيراً في القول إنّ الصوت كان يصبح همساً عندما تقطع السلطة الكهرباء، حتى قال لي صديق صادفته في الحديقة قبل قليل: كان أبي يأمرني بإغلاق النافذة، على الرغم من الحر، من دون أن ينبس ببنت شفه، كان يؤشّر بيده وحاجبيه!
كان انقطاع الكهرباء في سورية يجبر الناس على الاختباء، وكتم الأنفاس. الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وحدي في الحديقة، أنتظر الكهرباء، بعد أن غلب النعاس البشر المتعبون فعادوا إلى بيوتهم. ربما كان يجدر بي أن أتذكّر يوم انتظرت مريم في إحدى حدائق حمص ذات 2009، لا أدري لمَ لم أتذكره، على الرغم من أنّه أوّل موعد حب.
يبدو أنّ الأوجاع تحفرُ أخاديد في نفوسنا، تغير تضاريسنا، تقصّر من قامات أفراحنا وربما تنسفها نهائياً، أيعقل أنّ انقطاع الكهرباء ذكّرني بالخوف، بدل أن يذكّرني بقولي للحبيبة الأولى مغازلاً: لا داعي لعنصر الضوء ما دمتُ أشعُّ فيكِ؟ يومها كنّا في حديقة العدويّة في حمص وانقطعت الكهرباء لعشرة دقائق.
كيف تذكرت الخوف وأنا في مأمن، ولم أتذكر الحب؟
أخيراً، عادت الكهرباء، وأضاءت ما طمسته العتمة، الآن أستطيع النوم بعد زوال الخطر المفترض المتمركز في اللاوعي الذي ربّما يكون جمعياً.

JoomShaper