رنا جاموس
اعتُقل الطبيب السوري ابن حماة علاء الحموي، من قبل المخابرات الجوية للنظام السوري، في 27 آب/ أغسطس 2012، في مشفى ميداني بمنطقة جوبر إحدى ضواحي العاصمة السورية دمشق، بتهمة “العمل في مشفى ميداني وتمويل الإرهاب”، بعد أن وُجد معه وصولات حساب لمواد طبية للمشفى الميداني، إضافة إلى اتهامه بالقيام بأعمال تهدف إلى “إسقاط نظام الحكم في سورية”. كل تلك التهم لُفّقت له، لأنه كان يعالج الجرحى بالسرّ، خوفًا من أن يعتقلهم النظام السوري.


يقول الحموي لـ (جيرون) في سرد لقصته: “اعتُقلتُ في البداية، ووضعت في مهجع بعرض 6 أمتار وطول 10 أمتار، ومعي 270 معتقلًا، مدة ثلاثة أشهر، ثم نُقلت إلى زنزانة منفردة، بعرض 160 سم وطول متر واحد، مع 15 معتقلًا آخر. كنا ننام ونجلس في ذلك المكان، فلا مجال لنتمدد أو نتحرك، وخُصّص لكل منا ربع رغيف من الخبز يوميًا، مع حبة طماطم أو بيضة أو بصلة، لقد كان طعامنا قوتًا يكفّ الموت عنا وحسب”.
يتابع الطبيب المختص في الجراحة العامة قصته مع الاعتقال، ويتحدث عن رحلة علاجه للمعتقلين والمعتقلات، في فرع المخابرات، التي دامت سبعة أشهر، تنقل خلالها بين الجثث ليتأكد من مفارقة بعضهم للحياة، أو يرى حالات الإغماء تحت التعذيب الواحدة تلو الواحدة، ومن ثم ينادي عليه السجان ليولد امرأة في مهجع النساء، من دون أن يكون هناك مفرّ من ألم الموقف، فلا طبيب غيره في ذاك المعتقل.
وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، في آب/ أغسطس 2018، بمناسبة اليوم العالمي لمساندة المختفين قسريًا، ما لا يقل عن 95056 مختفيًا لدى الجهات المتقاتلة في سورية، منذ آذار/ مارس 2011 حتى آب/ أغسطس عام 2018، ويعدّ النظام السوري المسؤول عن اختفاء 81652 شخصًا، أي بنسبة 85.9 بالمئة من المختفين، بينهم 4837 أنثى بالغة.
يقول الحموي: “كنت أخرج لمعالجة مرضى المعتقل المصابين بأمراض السجن، من دون أدوات ولا حتى سماعة فحص طبي، وكانت أكثر الأمراض انتشارًا هي الأمراض الجلدية مثل الإصابات بالقمل والجرب، إضافة إلى حالات الإسهال الشديدة والإسهال الفطري المعوي الزحاري الذي يؤدي إلى تجفاف، وقد أدى إلى وفاة كثير من المعتقلين”.
ويتابع: “كما كنت أعالج أذيات الضرب الناتجة عن ممارسة النظام السوري للتعذيب على المعتقلين، سواء كانت جروحًا بسبب الضرب أو حروقًا مكان الصعق الكهربائي، وقد كانت هناك حالات حروق من الدرجة الأولى، ناتجة عن استخدامهم النايلون لحرق المعتقلين، ما يسبب تعفن الحرق أو إصابته بالالتهاب بعد أيام”.
وبصوت منخفض ممزوج بالتوتر، يقول الطبيب المعتقل: “لم يكن في حوزتي دواء للعلاج، كان كل ما أملكه حبوب مضادة للالتهاب ومسكن آلام، وهذه الأدوية لا تؤثر في حجم الجروح والأذيات الموجودة أمامي، لذا كنت ألجأ في معظم الأوقات إلى استخدام قشور البطاطا، فأغطي بها الجروح لتسحب القيح، وأستخدم قشر البيض المطحون الذي أضعه داخل العظم الذي يعاني من التهاب شديدة، فقد كانت الإصابات في عظم اليدين والقدمين تتفتح، بسبب تعليق المعتقلين من تلك المناطق فترات طويلة؛ ما يسبب في كثير من الأوقات تنخلًا في العظام والتهاب نقي العظم”.
وحذر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، في بيان صدر عنه في شباط/ فبراير الماضي، من استمرار النظام السوري والميليشيات المسلحة الموالية له في التكتم على مصير أكثر من 118 ألف من المدنيين الذين اعتقلتهم منذ آذار/ مارس 2011، منبهًا إلى أن المئات من المعتقلين يلقون حتفهم، إما تحت التعذيب المباشر أو بسبب الأوضاع غير الإنسانية في المعتقلات، كالحرمان من الطعام والماء والعلاج والدواء، ويتم التخلص من جثثهم، إما بحرقها أو دفنها في مقابر جماعية.
من حظ الطبيب المعتقل، أو من سوء حظه، أن طبيب النظام السوري الذي من المفترض أن يعالج المرضى لم يكن يرضى بالدخول إلى المهاجع، بسبب الروائح الكريهة التي تنتشر في المكان لقلة النظافة وعدم توفر المراحيض، فكان يوكل إليه علاج المرضى مع علب السيتامول والمضاد الحيوي فقط، ليحمل معه بعد خروجه من المعتقل قصص الألم الذي يعانيه مئات الناس في ذلك السرداب.
ويعود الحموي بذاكرته إلى مهجع النساء الذي شهد فيه ألمًا أكبر مما شهده في مهجع المنفردة، ثم يكمل حديثه، فيقول: “أنا شاهدٌ على اغتصاب النساء في المعتقل، فقد ولدت أكثر من خمسين امرأة داخل المعتقل، أكثر من 70 بالمئة منهن حملن بفعل الاغتصاب ضمن السجون”.
ويستطرد: “كان يناديني أحد القائمين على المعتقل ويطلب مني توليد امرأة، فأضع غطاء غليظًا في إحدى زوايا المهجع الذي لا يتجاوز عرضه 4 أمتار بطول 8 أمتار فقط، وفيه أكثر من ستون امرأة، كنت أولّد المرأة على الأرض تحت ضوء خافت صادر عن لمبة واحدة في كل المهجع، كانت تساعدني إحدى المعتقلات التي كانت تعرف بعض أساسيات التمريض، فتفتح الوريد وتركب السيروم، وبينما يجهز بعض النساء الماء الساخن للولادة، وأقوم بعملي وسط صوت ألم المرأة التي أولدها، ونحيب النساء المعتقلات حولها وألمي”.
ويتابع: “كان النظام السوري يؤمن لي مادة السيروم وحُقن الأوكسيتوسين والأوبرجين وسباسموفيرين للنساء الحوامل فقط. لقد شهدت حالات وفاة لنساء بسبب الإجهاض، فقد نزفت بعض النساء حتى الموت، ولا سيّما أن كثيرات منهن كن يحاولن أن يُسقطن الجنين، بضرب أنفسهن على بطنهن”.
يرى الحموي أن الطفل الذي يولد نتيجة اغتصاب هو في النهاية ابن أمه، على الرغم من جهل والده، والألمِ النفسي الذي تعانيه تلك الأم، ولكن لا مفر من شعور الأمومة الذي لا يمكن وصفه. وعلى الرغم من ذلك فقد شهد الطبيب المعتقل حوالي ست حالات وفاة أطفال بعد الولادة، تبيّن خلال فحصه لهم أن عليهم علامات زرقاء في الوجه، وهذا يعني أن الطفل تعرض للخنق، ولكن كان الحديث عن الحقيقة مستحيل حينها.
وأطلقت (حركة الضمير الدولية) المعنيّة بملف المعتقلين لدى سجون النظام السوري، حملة توقيع مليونية في آذار/ مارس، للفت أنظار المجتمع الدولي إلى مأساة المعتقلات السوريات والمساهمة في إطلاق سراحهن، وقدّرت عدد النساء والأطفال المعتقلين في سجون النظام، بنحو 7 آلاف شخص.
لم تنته رحلة الطبيب المعتقل في سجون النظام السوري في فرع الجوية، حيث صدر بحقة حكم الإعدام، بعد تحويله إلى المحكمة الميدانية العسكرية بدمشق برئاسة اللواء محمد كمجو في 13 من آذار/ مارس، ومن ثم تم تحويله إلى الجناح الثاني من سجن عدرا بدمشق، وهو الجناح المخصص لإيداع المحكومين بالإعدام من قبل المحكمة الميدانية، ثم حُوّل فيما بعد إلى الشرطة العسكرية لتنفيذ الحكم بحقه.
يقول الحموي: “تم تحويلي إلى الشرطة العسكرية بالنبك في ريف دمشق، في 13 أيلول/ سبتمبر، وهناك تعرضت لضرب شديد أدى إلى فقداني للوعي، فتم تحويلي إلى مشفى الباسل بمنطقة دير عطية في ريف دمشق، بعد دخولي في غيبوبة، كانت هي سبب نجاتي من الموت”.
ويضيف: “بعد إحالتي إلى المشفى، شاءت الأقدار أن يراني صديق قديم بالصدفة، وأنا في غيبوبتي، وقد تعرّف إليّ من شكلي، وتواصل مع أهلي واتفق معهم على تسليمي لهم، على أني جثة ميتة، وبالفعل تمّ تهريبي في 23 أيلول/ سبتمبر، في كيس الموتى، وسُلّمت لأهلي على أني جثة، لقد كانت قدرة السماء أن أعيش من جديد”.
ويؤكد أنه هرب إلى محافظة إدلب في الشمال السوري الخاضع لسيطرة المعارضة، بعد أن علم النظام السوري أنه ما زال حيًا، وحاول اغتياله، بقي هناك 4 أشهر، تعرض خلالها للاغتيال أربع مرات، من قبل خلايا مزروعة للنظام، بسبب المعلومات التي يعرفها عن المعتقل وحالات الاغتصاب التي شهدها، ما دفعه إلى الهروب إلى تركيا تاركًا وراءه زوجة وأربعة أطفال.
عامان في تركيا، والطبيب المعتقل يتنقل بين منزله وعيادة صغيرة يعالج فيها المرضى، لم تغب عن ذهنه خلالها رحلته القاسية في المعتقلات، وعلى الرغم من أن الفرصة لم تسنح له حتى اليوم بأن يجتمع وأسرته الصغيرة، فإنه يأمل أن يستمر في الحياة ليجتمع معهم، وهو متيقن بأنه سيلتقي بهم ذات يوم، ليعود للحياة من جديد، لا أن يستنشق الأكسجين فحسب.

JoomShaper