إيمان محمد
سوريا تي في
قمتُ برسم جامع خالد بن الوليد الجامع الشهير في مدينتي حمص، والتفتُّ فإذا صغيري يحاكي الرّسم برسم مماثل، وضعت في زاوية الرسم علماً، فإذا به يقول: سأرسم علم الثورة، أحببتُ كثيراً كلمة " الثورة" من فمه، وقع الكلمة عدّل مزاجي المفعم بالحنين إلى مدينتي التي هُجّرتُ منها، وأخذت أفكّر ما مفهومه عن الثّورة؟ وماذا تحفظ ذاكرته منها من أحداث حلوة؟ وهل سيظلّ يرسم علم الثورة أو علم الحرّية بهذا الشّغف عندما يكبر؟ وهو الذي فتح عينيه على أصوات إطلاق النار على المتظاهرين الخارجين من المساجد، بدل المناغاة كان يسمع تكبيرات الأحرار، وعوضاً عن الموسيقى الهادئة التي اعتادت الأمهات وضعها لأطفالهم كي يناموا كان يسمع أغاني السّاروت ووصفي المعصراني، وعوضاً عن النزهات في الحدائق والملاعب كانت نزهاته إلى المظاهرات وهو ابن الأشهر القليلة، يضع العلم على رأسه كعصبة جميلة، ويشاركُ بحضورٍ جذّاب كما يشارك سواه من أطفال في مساحات وأزمنة مقتطعة من الثورة تصنّف بالآمنة جزئيّاً.


ربما سيظل مشهد الرماد المبعثر في الشرفة في ذاكرته، لن يعرف يوماً أن القناص كان متربصاً على بعد متر متلهفاً لمن يغامر بمدّ رأسه
لم يمضِ وقتٌ طويل حتى بدأت المعارك والنزوح بين الأحياء، كان يقلق في البدايات من أصوات القصف ويلتفت إليّ، وكنت أتدرّب كثيراً لأضع الملامح الهادئة المبتسمة واللامبالاة قناعاً على وجهي، بينما يتصاعد داخلي القلق والخوف على من حوصروا في الأحياء القديمة، ملامحي كانت مرجعية له في الانفعالات، وتدريجياً بات صوت القصف عبارة عن مجرّد صوتٍ خارجيّ عابر، كصوت عصفورٍ مثلاً، أو بائع جوّال، أو رعد، شيءٌ ما يُسمع ويمضي في حال سبيله، ولذلك فقد تحولت بيننا الأدوار فصرت أرجع إلى ملامحه الهادئة كلما ازداد القصف لأقتبس هدوءاً وتفاؤلاً، كلّ سيء سيمضي في حال سبيله ذات يوم.
ذاك الاعتياد كان إيجابياً، فالقصف البعيد بات يقترب مع التصعيد على الحيّ، وقذائف الهاون لم تعد مخيفة بقدر الصواريخ التي تطلقها الطائرات فتهتز لها المباني، أو تنهار في حالات كثيرة، تطورت آلية المقاومة، وبات التكتيك الجديد هو تعلم الهرب والاختباء في مكانٍ آمن، وهذا الأخير كان إيجاده صعباً في مبانٍ عُمّرت لتكون مؤهلة لحياة عادية، في بلاد لا تكثر الزلالزل فيها، وفي بلاد نامت أربعين سنة عن أي احتجاج أو حرب أو ثورة، فأنى للشعب أن يخطط ويضع في مبانيه ملاذات آمنة لحياة الناس؟ وأنى لحكومة أن تسنّ قانوناً لحماية شعب هدفها إبادته وقتله في حال لم يرضخ لظلمها بالكلّيّة، وفي حال عارض إجرامها وفسادها.
لقد بات تحصين حيّز ضئيل من البيت هو المهمة اليومية السّهلة، أما البقاء فيه دون عمل شيء سوى انتظار الغارة بعد الغارة هي المهمة الأصعب، والنوم مع التعايش مع فكرة عدم الاستيقاظ في اليوم التالي هي الأصعب على الإطلاق، حيث تتأرجح الرّوح وهي نائمة ما بين السماء والأرض، ونستيقظ لنجد أنفسنا نحن المنسيين في هذا العالم مازلنا أحياء.
هل سيتذكر صغيري فترة الحصار وصعوبة الحصول على شيء ما يؤكل؟ آمل ألا يفعل، وقد كنت أحاول أن أجعل كل شيء يقدّم يبدو لذيذاً، مع عمليات سؤال واستقصاء كثيرة، لن يتذكر أن الجبن السائلة التي كان يتناولها هي عبارة عن معكرونة، وأقراص الكفتة المليئة بالبهارات اللذيذة كانت عبارة عن عدس مطحون، ولن يتذكر مكونات الطعام الذي كان يُطهى على دفاتر وأوراق والدته وقد انعدم الغاز والكهرباء والمحروقات، ربما سيظل مشهد الرماد المبعثر في الشرفة في ذاكرته، لن يعرف يوماً أن القناص كان متربصاً على بعد متر متلهفاً لمن يغامر بمدّ رأسه، وكيف كانت عملية التحدي لأجل البقاء تحصل يومياً، وكيف كانت إرادة الحرية ورفض الظلم تكبر وتكبر.
مع التهجير والوصول إلى المحرر بات علم الحرية هو الأساس، يرفرف في ساحات المدن والقرى، ويرحب بنا نحن المهجرين على الحواجز التي لا يعتبرون فيها البشر إرهابيين
مع التهجير والوصول إلى المحرر بات علم الحرية هو الأساس، يرفرف في ساحات المدن والقرى، ويرحب بنا نحن المهجرين على الحواجز التي لا يعتبرون فيها البشر إرهابيين، ولا يشتمون الغرباء، بل يلقون التحية ويشيرون بالعبور، لنملأ أعيننا بعلم رافقنا في رحلة الثورة الأولى، ورافق شهداءنا في مشاهد الوداع، كما رافق انتصاراتنا وواسى وجعنا عند الهزائم والنكسات، العلم بات مألوفاً عند الصغار، أما الثورة، فحديثٌ طويل، ورحلة شاقة تحتاجها تلك الكلمة لنشرحها لجيل الثورة، لنخبرهم ثمن التضحيات التي قدّمت، لنحدثهم عن الأسباب والعواقب، لنستمد القوة والأمل منهم مجدداً في الاستمرار دون تراخ أو استسلام، هم يحاكون ما نقول، ما نفعل، ما نرسم، ما ننشد، هم يرصدون انفعالاتنا، مواقفنا، خفقات قلوبنا، آلية تفكيرنا، تأملاتنا، إبداعاتنا، إرادتنا وعزيمتنا.
هم مؤمنون بالثورة والحرية والكرامة، أمّا نحن، فكل ما علينا هو ألا نخذلهم.

JoomShaper