رنا جاموس
لكل بيئة محرك أساسي، فلا بيئة من دون محرك ديناميكي يولّد الطاقة اللازمة للحياة، ولم تكن المرأة يومًا في المجتمع السوري إلا ذلك الأساس، وبين كونها روضة ظليلة وعذابًا أزليًا، تجد أهميتها في المشاركة في العمل مع الرجل في سوق العمل تارة، وفي إدارة المنزل تارة أخرى، لتسطع أبرز إنجازاتها في تنمية المجتمع.
في هذا السياق، أكّدت أليس مفرج، العضو في هيئة التفاوض في المعارضة السورية، لـ (جيرون) أن عملها جاء في حالة استثنائية، ولا سيما أنها تعمل في المجال السياسي، وفي ملف المعتقلين تحديدًا، ما يجعل مسؤوليتها في هذا الوقت توجب الاستنفار باستمرار، بسبب آلية العمل الصعبة التي تعمل بها اليوم، ضمن هذه الظروف الاستثنائية.


وأضافت: “لقد تغيرت حياتنا بعد عام 2011، بعد التهجير والاعتقال واللجوء، وأصبح لدينا أولويات مختلفة عن الأولويات التي كانت سابقًا في بلدنا سورية”، واعتبرت أنها ليست في منصب سياسي، بل هو دور من أجل الحل السياسي في سورية، وأردفت: “هذا يتطلب حالة من الاستنفار المستمر والمتابعة الحثيثة للظروف الميدانية وللمتغيرات الدولية وعملية المعطيات والوقائع التي تحصل على الأرض، للوصول إلى قرار جماعي”.
بالنسبة إلى مسارها المهني، على الصعيد الشخصي، تقصّ مفرج قصتها مع العمل، فتقول: “من مدرّسة لغة عربية لطلاب المرحلة الثانوية، إلى العمل السياسي، لم يكن الأمر على نسق واحد، ولا سيّما أن أولادي كانوا صغارًا في تلك الحقبة، على الرغم أنهم كانوا دافعًا لنجاحي، أما اليوم -بعد أن كبروا وبدؤوا يعتمدون على أنفسهم- فإنجاز مهامي خارج المنزل بات أسهل”.
ترى مفرج أن زوجها هو العامل الأساس لنجاحها، وأن عمله في المجال السياسي أسهم في تفهمه لخصوصية عملها، واصفة الحياة الزوجية بالتشاركية، ولولا هذه التشاركية، لما كانت في موقعها الحالي، ولما عملت من أجل نساء سورية، وفق قولها.
وأكدت أن هناك الكثير من التقييد للمرأة السورية، في إطار ناظمٍ وضعه العرف الاجتماعي والتقاليد الموروثة بهذا المجتمع المحافظ، وأن ذلك الأمر أدى إلى “تنميط دور المرأة”. وأضافت أن “العمل في الشأن العام والسياسي في مجتمعنا حكرٌ على الرجال، واقتحام هذا العمل الذكوري بحاجة إلى تحديات”، مشددة على أن مواجهة تلك التحديات ليست بالأمر المستحيل، في حال إثبات الخبرة والقدرة على المواكبة، ولا سيما أنها تستلم ملفًا حساسًا، “يتقاطع مع جميع الملفات السياسية التي تعمل عليها الهيئة”، على حد تعبيرها.
وعن سلبيات عملها، كامرأة وأمّ وزوجة، رأت أن الغياب الطويل عن المنزل، بسبب العمل الدائم والسفر، يسبّب تراكمات سلبية، لكن وجود بيئة حاضنة تستوعب تلك الظروف، يؤدي إلى تحويل المشقة إلى دافع، وهذا ما جعلها تفكر في أطفال سورية جميعهم، وتعرف المسؤوليات المترتبة عليها، فهي تعمل من أجل مستقبل أسر وأمهات في سورية، وليس لأسرتها فحسب
واستبعدت فكرة تسمية الزوج “معيلًا للمنزل”، فالزوج -بحسب وصفها- “إنسان يشارك المرأة في كل شيء”، مضيفة أن “النساء السوريات كنّ نساء عاملات ومتشاركات في الحياة المادية في الأسرة، وكانت التشاركية موجودة قبل الثورة، فالنساء كن ولا زلن قوة إنتاجية وطاقة إنتاجية في الحياة الأسرية”.
وشكلت المرأة السورية شريكًا رئيسًا وفاعلًا في الثورة، منذ الحراك السلمي عام 2011، وانخرطت في الأجسام السياسية المعارضة، وحاولت الحصول على دور في صناعة القرار، ولا سيما مع ارتفاع الضغوط الأممية والأوروبية التي ركزت على ضرورة زيادة التمثيل النسائي في عملية التفاوض، ومع ذلك لم يصل دور المرأة في القرار السياسي إلى الحد المطلوب.
وفي سياق دور المرأة أيضًا، ولكن بعيدًا من العمل السياسي، تقصّ ميساء أحمد قصّتها مع العمل الذي تعتبره أمرًا في غاية الصعوبة، فتقول: “كنتُ أعمل موظفة في وزارة الكهرباء في سورية، وكنت أساعد زوجي في تأمين حياتنا وتربية أولادنا، ولم أتوقع يومًا أن أكون على ما أنا عليه اليوم”.
وتشرح أحمد في حكايتها لـ (جيرون) تغيّر مسار حياتها، بعد أن اعتقلتها قوات النظام السوري حوالي ستة أشهر، لتخرج من المعتقل وتسافر إلى تركيا، مع زوجها وأولادها الشبان الثلاث، إلا أن زوجها ما لبث أن طلّقها وسافر، تاركًا فوق ظهرها عبء دراسة أولادها وسط الغربة.
وتابعت: “اضطررت إلى العمل كي يكمل أولادي دراستهم، وقد سجّل الاثنان الكبار في الجامعة، وما يزال ابني الثالث في المرحلة الثانوية، خرجت لأبحث عن عمل، وأنا من حملة الشهادة الثانوية فقط، فلم أجد أمامي إلا العمل كطاهية في بعض المكاتب، وتنقلت بين عمل وآخر، حتى إني عملت في بيع الملابس في أحد المحال في إسطنبول”. وبصوت منخفض ودموع غزيرة، أكملت كلامها: “لقد عملت في إحدى المرات في تنظيف المنازل التي يتم تأجيرها، لكي أتمكن من دفع إيجار منزلي”.
ورأت أن ما أوصلها إلى هذا العمل وهذه الصعوبات هو اعتقالها، فلم يعد بإمكانها العودة إلى سورية، في الوقت الذي يرى فيه أولادها أنها هي المسؤولة عن متابعة أمور المنزل، بينما هم يدرسون، ما جعلها تشعر بالإعياء النفسي قبل الجسدي بسبب ظروفها، فمن موظفة خلف مكتب إلى مجرد عاملة”.
وعبّرت عن ألمها الأكبر، بسبب استغلال الكثير من أرباب العمل لحاجتها، حتى إنها في بعض الأوقات لا تأخذ بدل عملها كاملًا، وبالرغم من ذلك ترضى بسبب الحاجة وصعوبة المعيشة. وأضافت: “إن الواقع المعيشي وغياب الرجل، في كثير من الأحيان، فرضا على المرأة أن تعمل، وليس أمامها إلا أن تعمل، لأنها معيلة لأسرة كاملة قد تُدمّر إذا لم تعمل”. وأنهت أحمد حديثها متمنيةً أن تعود إلى سورية، لتعيش في بيت أهلها وفي وطنها، لكنها عادت وأكملت بصوت أعياه التعب: “لكن، مع الأسف، لا أعلم متى سنعود”.

JoomShaper