نبراس إبراهيم
سنوات من الحرب والتهجير والتشرد، ومعايشة قصف وموت ودمار، وحصار وتجويع وغربة وفقد، مفردات معادلة صعبة لا يمكن حلها بسهولة من قبل الكبار، فكيف بالأطفال! تسع سنوات مرت وسورية تعاني ويلات الحرب بكل ألوانها وبأفظع أشكالها، وقد أثرت بشكل مباشر وغير مباشر في أطفال سورية، سواء في الداخل أو في الخارج في بلدان الهجرة، ومما لا شك فيه أن هذه الحرب ستشكل جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة أطفال الحرب، لأنها انعكست وتنعكس على نفسيتهم وسلوكهم، بشكل من الأشكال.
لإلقاء الضوء على هذه المشكلة، من وجهة نظر تخصصية، التقت (جيرون) بالاختصاصية النفسية خلود أبو الدهب التي أكّدت عدم وجود إحصائيات حول نسبة الأطفال الموجودين حاليًا في تركيا الذين كانوا شاهدين على عنف الحرب في سورية، لكنها قالت إن هناك العديد من الدراسات حول عدد من الأطفال الذين شهدوا عنف الحرب وويلاتها.


عن إمكانية تصنيف هذه المشكلة لدى الأطفال كمرض نفسي، يمكن للناس اكتشافه من أعراضه، قالت: “إن بعض المشاهدات العنيفة من مظاهر الحرب قد تؤدي إلى شدة نفسية أو صدمة، وذلك بحسب قوّة المشكلة، كمشاهدة أحد قُتل أمامه، أو سماع أصوات شديدة، أو غير ذلك، وهذا كلّه يعود إلى سياق المشكلة التي تعرض لها، ولا يمكن تصنيف الحالة كمرض نفسي إلا بعد دراسة المشكلة التي مرّ بها، وغالبًا يمكن تحديد المشكلة من الأعراض”.
وحول أهمّ المظاهر السلوكية التي يُبديها الأطفال نتيجة معايشتهم لعنف الحرب، قالت: “إذا مرّ الأطفال بأحداث عنيفة، فإن ذلك يمكن أن يؤدي إلى عنف شديد، وقد يحصل العكس فيدخلون في حالة عزلة وانطواء، ويبتعدون من أي حدث حياتي، ويمكن أن تكون النتائج حالات تبوّل لا إرادي أو كوابيس أو خوف من العتمة، وغير ذلك من أعراض الصدمة”.
وعن كيفية تأثير ذكريات الحرب في سلوك الأطفال مع المحيط، أوضحت: “إذا لم تؤثر بأن يصبحوا انطوائيين، فمن الممكن أن يكونوا عدوانيين تجاه المحيط، وتظهر هذه العدوانية بشكل واضح في السلوك مع الآخرين”.
وحول الأطفال السوريين في تركيا وذكريات الحرب والعزلة، قالت: “هناك أطفال يدخلون في حالة صمت، هناك حالة لطفل سوري في تركيا لا يتكلم أبدًا نتيجة الأصوات الشديدة التي سمعها، وكان هناك هجوم على بيته، لا يوجد عنده مشكلة بجهازه الصوتي، لكن لم يكن بعمر يمكنه من استيعاب ما يحدث؛ فتوقف عن النطق، لم يكن عنده مشكلة بيولوجية بل كانت مشكلته نفسية، وهذا طبعًا يمكن أن يؤدي إلى عزلة عن المحيط”.
وعن تأثير هذه الذكريات على التحصيل الدراسي للطلاب، وكيف يمكن تجاوز تأثير هذه الذكريات نفسيًا، أوضحت: “إذا كان هناك اضطراب نفسي أو صدمة أو حتى أعراض صدمة؛ فهي ستؤثر حتمًا في التحصيل الدراسي”، وأضافت: “هذا يرجع إلى شدة الذكريات، هل هي ذكريات مؤلمة سببت صدمة، عندها يجب أن يراجع اختصاصيًا نفسيًا ويُعالج، فمجرد أن نُنسيه ما تعرض له ونجعله يعيش في جو آمن غير كاف، لأن الصدمة ستعود مرة أخرى، ومن الممكن أن يعاني الضغط، ويرى كوابيس أو غيرها، وهذا أيضًا يرجع إلى شدة ما تعرض له، أما إذا كانت ذكريات بسيطة؛ فيكفي أن يعيش في جو آمن ليتجاوز هذه الذكريات”.
وأكّدت أن دور الأسرة في هذا المجال يمكن أن يكون مساندًا، وقالت: “دور الأسرة مساند، ولا يكون دورها في أن تجعل الطفل ينسى فحسب، يجب أن تُعطيه الفرصة للكلام والتعبير عن شعوره، وتهيئة المكان الذي يشعر فيه بالأمان، وإذا كانت المشكلة تحتاج إلى أكثر من المساندة؛ فدور الأسرة حينذاك لا يقتصر على المساندة، بل يجب أن تعرضه على مختص نفسي”.
وعن حاجة الطفل الذي شهد عنف الحرب إلى مدة زمنية طويلة ليتجاوز الحالة النفسية التي يعشيها، قالت: “هذا يعود أيضًا إلى شدة العنف، فإذا كان الطفل قد شاهد والديه أو أحدهما قد قُتلا أمامه، أو شاهد قصفًا ودمارًا بأم عينه، فستتشكل لديه صدمة أكبر بكثير مما لو كان قد تعرّض لمشاهد خفيفة وأقلّ مباشرة. الصدمات غالبًا تحتاج إلى مدة لتظهر، لا تظهر بشكل مباشر على الطفل”.
وأضافت: “يمكن أن يكون هناك حالات (تروما – صدمة) مستعصية، بحسب الحالة، كأن يكون الطفل قد تعرض للاعتقال مثلًا، وهناك حالة لطفلة كانت في المعتقل في سورية، وخرجت منذ مدة قريبة، وهي في وضع صعب جدًا، بسبب ما تعرضت له في المعتقل، وعانت صدمات كبيرة جدًا وتعرضت لعنف كبير، وحالة كهذه لا تُعالج ببساطة، وتحتاج إلى جلسات عديدة، وسيكون عندها صدمات مركبة، لأن شدة العنف الذي تعرضت له كبيرة، خاصة أنه عنف مباشر، فالتعرض المباشر للعنف يكون أصعب من المشاهدة أو السماع عن عنف”.
وعن إمكانية أن يكون لانتهاء الحرب أثر إيجابي في تجاوز هذا النوع من المشكلات، قالت: “هناك أكثر من نقطة هنا، فمجرد الانتقال إلى مكان آمن يخفف الأثر، ويجب أن يشعر الطفل بأنه لم يعد تحت التهديد، الأمر الآخر هو أنه حتى لو انتقل إلى مكان آمن، وكان قد فقد أحد أعضائه أو فقد شخصًا عزيزًا عليه، كالأم أو الأب أو أحد الإخوة؛ فإن انتهاء الحرب يعطيه شيئًا من الأمان والراحة؛ حيث إن انتهاء المسبب يعطي شيئًا من الشعور بالاطمئنان، لكن هذا غير كاف، وإذا كانت هناك صدمة من هذا النوع، فإن المصاب يحتاج إلى متابعة وعلاج، ولن يكون انتهاء الحرب كافيًا لتجاوز هذا الإشكال”.

JoomShaper