سأل الجد حفيده أن يشاركه الحديث قبل أن يلتحق الأخير بالثوار، أمعنا النظر في عيني بعضهما فأخذت العزيمة تمد جسوراً لها بين قلبيهما، فربّت الجد على كتف حفيده وقال له بهدوء:
- اخبرني يا ولدي عن سبب انضمامك إلى الثوار
- الواجب يناديني، إن لم أنضم إلى دروع الثوار وهم يصدون الطغيان عن الأعراض والأبرياء، أكون قد أوجدت لنفسي مكاناً ذليلاً خلفهم، وأنا لست بجبان. أريد أن أقاتل إلى جانبهم ضد من استكبر وتجبر من بغاة الأسد…
- أحسدك يا بطل، ليت ظهري مستقيم وركبتاي تقدران على حملي، كنت لأسبقك إليهم…
- البركة بك يا جدي، أنت من ربيتنا على الحق
- قلي يا ولدي عن رأيك بسلاح الثوار؟
- سيف الحق وفيصل الأحكام
- وهل تجد في حده طغيان؟
- كيف ذلك؟ مستحيل، كيف يطغى من تلوى وعاش العذاب؟
- بلى، يحدث ذلك عندما يطغى الثوار يا ولدي عندما يجعلون السلاح في وجه المواقف والأفكار

- ألا ترى يا جدي أن كل من يقف إلى جانب الحاكم يستحق القتل والإعدام؟ هؤلاء هم أدوات الطاغية وظله، فلولاهم ما ظلمنا الحاكم ولا قتل شبابنا ولا شرد عائلاتنا. أكاد أن أموت من الغيظ كلما سمعت رأياً يناصر القاتل ويؤيده…

- إن كان هذا ما تراه فيجب عليك أن تعيَ أن الثورة قد قامت رداً على الظلم والعدوان، فمن قيمها عدم الغدر والامتناع عن الاتسام بسمات الطاغية

- وهل يقدر المظلوم على أن يظلم ظالمه؟

- أجل، يتم ذلك عندما يجعل القصاص أوسع من قدر الجريمة

- لقد لاحقونا واضطهدونا أربعين سنة وأكثر، طمسوا خلالها النور وكسروا الأجنحة وسحقوا الحقوق… فليذوقوا من الذي ذقناه بسببهم… لم نكن نريد إلا حرية وشراكة وطنية، ولكنهم قمعونا بالنار والحديد، هل سمعت أو قرأت عن حاكم يفجر مدن بلده ويحرقها منذ عهد نيرون؟

- قاتلوا من قتلكم وانصبوا ميزاناً يكون فيه السلاح مقابل السلاح والفكر مقابل الفكر، فلا سلاح مقابل فكر وإلا فأنتم الطغاة الجدد، يجب ألا يكون هناك فكر مقابل سلاح وإلا خسرتم مصداقيتكم وأخلاقكم، فمن أيد الرئيس الظالم منهم فعالجوه بالمنطق والحجج، فإن أبى واستكبر فاعتزلوه وخلوه للزمان كي يريه الحق على تمامه، ومن يطلق النار عليكم فردوا النار عليه بمثلها ولا تبغوا في الأرض كما تفعل الفئة الباغية…

- ولكن من يناصر الطاغية وأعوانه يسعد ويطرب لقتلنا ونسف بيوتنا، فكيف نحاججه ونجادله؟ لا عقلي ولا قلبي يستحملان الكلام معه…

- هؤلاء القوم قد ناصروه لأن عقول البعض منهم مأسورة بأكاذيب إعلامه، والبعض الآخر قد ارتبطت مصالحه بوجوده، فأصحاب العقول النائمة سوف يصحون بعد سقوطه، وأصحاب المصالح الفاسدة سوف يسقطون معه…

- لا أستطيع أن أفكر بأمر غير قتلهم…

- يا ولدي، بل يجب علينا أن نعلم أنهم ليسوا أعداءنا، وإنما أفكارهم هي من تعادينا، فلنصلح الفكر ونجعله قويماً ولا نعادي الإنسان..

- وكيف نقوّم فكرهم ونصلحه والبعض منهم يقاتلنا ويلاحقنا؟

- سوف يكون ذلك يسيراً بعدما يسقط الطاغية

- إذاً، سوف نقاتلهم حتى نعجل بسقوط الطاغية

- بل سلاحكم يجب أن يسقط الأسد وجنوده فقط، فإن تعدى أثر سلاحكم على من لم يتورط بالجرائم منهم فقد ظلمتم كما هو ظلم، وإن ذهبتم أبعد من ذلك في قصف بيوتهم وقتل أطفالهم ونساءهم فأنتم قد أزلتم طاغية وأوجدتم طغاة جدد…

- ما قولك يا جدي في عبارة “الأسد أو نحرق البلد” التي لطغوا بها جدران البلاد كلها وما تركوا بيتاً أو ركناً إلا وقد كتبوها عليه؟ ثم ما رأيك في عبارة تجدها إلى جانب تلك العبارة “إن عدتم، عدنا”؟

- أخاف يا ولدي أن تسقطوا الأسد من تلك العبارة فيبقى منها “أو نحرق البلد”…

- وكيف سوف نحرق البلد يا جدي؟

- هي أفعال خطيرة، فإن بقيتم متفرقين في كتائب وألوية دون أن يجمعها قيادة وطنية وتصور سليم واحد، حينها سوف تتفرقون إلى فرق تتناحر حتى يحترق البلد بأكمله…

- ماذا نفعل إذاً؟

- اجتمعوا على كلمة واحدة، هي إسقاط الطاغية وأدواته التي يبطش بها، ولتكن صلاحية سلاحكم منتهية مع اختفاء سلاحهم وجبروتهم، من ناصره بالفكر والمواقف فقط خلوه ليعيش ويتنعم بالحرية علّ الأيام تخبره أن البلد يتسع للجميع، وأما من طغى وتورط بدم الأبرياء فقدموه للعدالة لتأخذ مجراها الحكيم فيهم، وأما دفة البلد وقيادتها فالشعب وحده من يقررها شكلها وأهليتها، فهي منه وهي له وهو وحده من له الحق في حفظها أو إسقاطها

- اسأل الله أن يثبتنا على الحق يا جدي…

- اذهب بأمان الله يا ولدي…

حسبي الله لا اله الا هو رب العرش العظيم

JoomShaper