شادي عبد الحافظ*
يتعامل الجميع مع الاكتئاب كأنه حالة من تعكر المزاج، أو التعاسة، أو الإحباط، أو القلق، حتى إن كلمة "اكتئاب" نفسها اتخذت هذا المعنى بين الناس، فكيف تعرف أنك مكتئب؟
كثيرا ما تجد أن أحدهم قد يصنّف نفسه سريعا على أنه مصاب بالاكتئاب بسبب أدائه السيئ في الامتحانات مثلا، أو بسبب مشكلة في العلاقات مع شريك الحياة، أو لأن الظرف العام في البلاد بائس بعض الشيء، أو حتى لأنه شاهد فيلما حزينا.
وهذا خاطئ بل وضار جدا في الحقيقة، لأنه يدفع بالبعض إلى التعامل مع مصابي الاكتئاب الحقيقيين بقدر من الاستسهال وعدم التفهّم لحالاتهم، مما قد يسبب لهم ضررا شديدا، وهو الأمر

الذي يدفع بالاكتئاب إلى التطور لمراحل أسوأ، علما بأن إحدى أهم مشكلات الاضطرابات النفسية كالاكتئاب تكمن في أنه كلما تأخر التعامل معها ازدادت قسوة وتفرعت في اضطرابات أخرى.
مثلا، إحدى أخطر العادات -خاصة إن كان المريض بالاكتئاب هو أحد أفراد العائلة- هي أن تبدأ الأم مثلا بالتخفيف عن مصاب الاكتئاب بأن تقارن حالته بأوقات كان مزاجه فيها متعكرا وحزينا، هنا سيشعر بالإحباط والذنب الشديدين، لأن الاكتئاب شيء مختلف عن كل ذلك، لا يستطيع إدراكه بشكل واضح إلا من قام بتجربة مباشرة معه. فالاكتئاب ليس حالة من الاضطراب وتعكر المزاج أو فقدان الدافع، وإنما هو مرض ذو رابط فسيولوجي يمتد تأثيره إلى جوانب جوهرية في حياة الواحد منّا.
ويمكن القول إن السمة الرئيسة لهذا الوحش تتمثل في استمرار الأعراض، فقد يغرق الواحد منّا في بحر من الأحزان مدة ساعات أو يوم أو أكثر قليلا، لكنه سيكون دائما قادرا على انتشال ذاته من ذلك البحر. أما المكتئب -على العكس من ذلك- فلا يستطيع إخراج نفسه من تلك الأعراض، ويُعدّ استمرارها مدة 15 يوما متتالية على الأقل علامة على حاجة الشخص إلى مراجعة الطبيب. لكن ما هي تلك الأعراض؟
يمكن أن نجمل العلامات الرئيسية للاكتئاب في تسع نقاط، يُعدّ وجود خمس منها بشكل واضح ومستمر مؤشرا على وجوب زيارة الطبيب، وهي:
مزاج منخفض معظم اليوم، ويستمر ذلك طيلة الأيام تقريبا، ويعبّر الإنسان عنه إما ذاتيا (مثل الشعور بالحزن أو بالفراغ أو اليأس)، وإما يُلاحظ من قِبَل الآخرين (مثل أن يبدو دامعا أو منعزلا).
انخفاض واضح في الاهتمام أو الاستمتاع في كل الأنشطة أو معظمها، خاصة تلك التي كان الشخص يستمتع بها من قبل بشكل طبيعي، وذلك في معظم اليوم، وفي كل يوم تقريبا.
التغير الواضح في الوزن، فإما أن يفقد المريض الوزن بشكل ظاهر بسبب امتناعه المستمر عن الطعام، وإما أن يصبح نهما للأكل بدرجة أكبر من المعتاد بشكل واضح. ويُعدّ التغير في الوزن -بالزيادة أو النقصان- لأكثر من 5% في الشهر مؤشرا على وجود الاكتئاب إذا اقترن مع الأعراض السابقة، خاصة مع استمرار انخفاض الشهية أو زيادتها كل يوم تقريبا.
توتر نظام النوم الخاص بالمريض، ويظهر في صورة أرق شديد أو -على العكس تماما- فرط في النوم، وذلك كل يوم تقريبا.
حالة من الهياج النفسي الحركي أو الخمول والكسل الشديد والامتناع عن ممارسة أي نشاط، بشكل يومي.
شعور المريض بأحاسيس واضحة بانعدام القيمة.
شعور مفرط وغير طبيعي بالذنب، قد يكون متوهما وغير حقيقي، وذلك كل يوم تقريبا. ولاحظ أننا هنا لا نتحدث عن مجرد لوم الذات أو شعور بالذنب العادي، ولكنها حالة قاسية مستمرة.
تراجع التفكير والقدرة على التركيز في النشاطات اليومية كالاستذكار، فتنخفض بشكل واضح، ويتسبب ذلك في عدم قدرة الشخص على اتخاذ قرارات عادية كان يتخذها بشكل طبيعي يوميا.
تأمل الشخص لأفكار متكررة عن الموت، أو التفكير في الانتحار بشكل متكرر دون خطة محددة، أو بخطة محددة، أو محاولة الانتحار. ولاحظ أننا هنا لا نقصد الخوف الطبيعي من الموت، ولكن التفكير فيه، وفي موت الشخص نفسه.
انخفاض واضح في النشاط الاجتماعي أو في العمل، أو أي نطاقات مهمة أخرى.
ويعني وجود مجموعة من تلك الأعراض الحاجة الضرورية إلى مراجعة طبيب.
ونؤكد هنا أن الشخص الوحيد الذي يمكنه الإقرار بأنك -أو أي شخص آخر- مصاب بالاكتئاب، وتحديد نوعه ودرجته وارتباطه بحالات أخرى، ثم العلاج المناسب له، هو الطبيب المختص بالتشخيص، وذلك لأن المعايير الذاتية الخاصة بنا غالبا ما تعطي تقييمات مبالغة، أو ربما تقلل من شأن تلك الأعراض. والفكرة أن وجود مجموعة منها قد يعني أن هناك شيئا ما يستحق العلاج.
وهناك عدة خيارات للتعامل مع الاكتئاب مثل الأدوية والعلاج المعرفي السلوكي. وعند العلاج تتحسن حالة المريض ويتمكن من العودة إلى حياته الطبيعية.

JoomShaper