عندما تُذكر الرضاعة الطبيعية ينطبع في أذهاننا صورة طفل مُتعلق بثدي أمه، دون أن تتسع الصورة عادةً لتشمل الأم. وعندما نتحدث عن الرضاعة الطبيعية؛ نذكر قائمة طويلة من فوائدها الغذائية والمناعية للطفل الرضيع، وعندما نتحدث مع الأم، ينصب جل حديثنا معها عن نصائح تحثها على الاهتمام بتغذيتها حتى لا «يسحب الرضيع من صحتها».
وفي الواقع، فإنه عندما تصل الأم إلى استقرار الرضاعة الطبيعية مع وجود الدعم الكافي من محيطها؛ يتحقق لها بالتبعية العديد من المنافع الصحية قصيرة المدى وطويلة الأمد على الجانبين النفسي والجسدي. وفي هذا التقرير نتطرق إلى بعض هذه المنافع على سبيل المثال لا الحصر.


أولًا: ما تضيفه الرضاعة الطبيعية إلى صحة الأم الجسدية
1- تقليل خطورة الإصابة بنزف ما بعد الولادة
إحدى أخطر مضاعفات الولادة، والتي تتسبب في العديد من حالات الوفاة للأمهات حول العالم؛ هي نزف ما بعد الولادة. والذي عادة ما يحدث بسبب فشل عضلات الرحم في الانقباض انقباضًا صحيحًا لطرد المشيمة أو باقي متعلقات الحمل، ثم عودة الرحم لحجمه الطبيعي، وضبط معدل النزف في أيام النفاس التالية. لكن ما علاقة الرضاعة بكل هذا؟
توصي كل من «منظمة الصحة العالمية» و«اليونيسيف» بضرورة إرضاع الطفل من ثدي أمه في الساعة الأولى من عمره، أي بعد الولادة مباشرة. وهناك برامج وحملات عالمية مصممة لضمان تحقُّق هذا الهدف. الأسباب وراء ذلك كثيرة للغاية، ومعظمها يتعلق بصحة الطفل، لكن واحدًا من أهم الأسباب المتعلقة بالأم هو أن التقام الطفل للثدي وبداية عملية الرضاعة تعمل على تحفيز إفراز هرمون الأوكسيتوسن إفرازًا يدعم انقباضات الرحم وعودته إلى حجمه ومكانه المتوقع سريعًا. كما أن هذا الهرمون هو نفسه المعروف بهرمون الحب، والذي يضع الأم في حالة مزاجية أفضل ويمر إلى طفلها عبر اللبن، ليمنح كليهما إحساسًا بالارتخاء والخدر المحبب.
2- الوقاية من سرطان الثدي
يعد سرطان الثدي كابوس النساء في هذا العصر، لكن عشرات الدراسات الدقيقة والمكثّفة إحصائيًّا وجدت علاقة وطيدة بين الرضاعة الطبيعية والوقاية من سرطان الثدي. وبمتابعة آلاف الأمهات في العديد من دول العالم تمكنت الدراسات من إثبات العلاقة الطردية بين مدة الإرضاع من ناحية ومدى الوقاية من المرض، فالنساء اللواتي لم يرضعن أطفالهن على الإطلاق أو أرضعنهم لفترات قليلة، كنّ أكثر عرضة من غيرهن في نسب الإصابة بسرطان الثدي.
3- قد تكون وسيلة طبيعية لمنع الحمل
واحدة من طرق منع الحمل الفسيولوجية هي الرضاعة الطبيعية المطلقة، وإذا تحققت شروطها بنجاح فقد تصل نسبة نجاحها إلى نسبة تقترب أو تتجاوز وسائل منع الحمل التقليدية، إلا أنها تتفوق عليها جميعًا في أنها وسيلة آمنة وخالية من الآثار الجانبية المعروفة عن وسائل منع الحمل الأخرى. ولكن فاعليتها مشروطة بالأشهر الستة الأولى من عمر الطفل، بالإضافة إلى تحقق شروط الرضاعة الطبيعية المطلقة، دون إدخال أي أطعمة، أو مشروبات، أو رضعات إضافية، والالتزام بإرضاع الطفل عند الطلب، وليس وفقـًا لجدول معدّ مسبقًا، على أن تتخلل هذا رضعات ليلية باستمرار.
وننصحك دومًا بمراجعة طبيبك الخاص في اختيار أفضل وسيلة منع حمل لك، ومراجعة استشاري الرضاعة الطبيعية؛ للتأكد من تطبيقك الصحيح لشروط الرضاعة الطبيعية المطلقة، وفاعليتها كوسيلة منع حمل بالنسبة لك ولعمر طفلك، لأن الإخلال بشروطها يفقدها فاعليتها.
4- التحكم في ضغط الدم المرتفع
وجدت الدراسات أن الرضاعة الطبيعية مقترنة بتحكم أفضل في ضغط الدم لدى الأمهات اللاتي يرضعن أطفالهن رضاعة طبيعية مقارنة بغيرهن.
5- الوقاية من سرطان المبيض
أحد أصعب أنواع السرطان، والتي يصعب تشخيصها مبكرًا هو سرطان المبيض، وبالتالي أسوأهم في الاستجابة للعلاج. لكن الرضاعة الطبيعية توفر وقاية من الإصابة به، وبنسب إحصائية كبيرة.
6- التخلص من الوزن الزائد
بمعادلة حسابية بسيطة، فجسم الأم يستهلك قرابة 500 سعر حراري يوميًّا لإنتاج المتوسط اليومي من اللبن في الستة أشهر الأولى على الأقل. وعند التزام الأم بنمط تغذية صحي ومشبع ومناسب، ستجد أن السعرات الزائدة المطلوب حرقها يوميًا تساعدها نسبيًّا في العودة إلى وزن مقبول خلال أشهر قليلة بعد الولادة.
أما القول الشائع بأن الرضاعة تسبب السمنة في الأمهات، فلا يرتبط حتمًا بالرضاعة في حد ذاتها، ولكن فيما يصاحبها من استهلاك وجبات كبيرة، ومشروبات ساخنة مليئة بالسعرات الحرارية العالية، التي تتجاوز ما يحتاجه الفرد.
وعلى النقيض من ذلك، فالأم المنشغلة عن تناول وجبات يومية متوازنة قد يصل بها الإنهاك إلى فقدان الوزن أكثر من اللازم في أشهر الرضاعة، بل إنها قد تعاني من أعراض سوء التغذية، ونقص الأملاح والمعادن، وكل هذا بسبب الخلل في تغذيتها، لا بسبب الرضاعة في حد ذاتها.
7- الوقاية من الإصابة بالسكري
في دراسة كبرى استمرت فيها متابعة الأمهات 30 عامًا، وجد العلماء علاقة عكسية بين مدة الرضاعة وفرص الإصابة بمرض السكري، فكلما أرضعت الأمهات أطفالهن مدة أطول كنّ أبعد عن الإصابة بالسكري.
بالإضافة إلى ذلك فإن الأمهات المصابات بالسكري بالفعل يتمتعن بتحكم أفضل في معدلات السكر بالدم أثناء فترات الرضاعة، وذلك لما تستهلكه الرضاعة من سعرات حرارية يوميًّا، كما تفعل الرياضة مثلًا.
ما تضيفه الرضاعة الطبيعية إلى صحة الأم النفسية
1- الوقاية من اكتئاب ما بعد الولادة
صدق أو لا صدق، هناك علاقة غير مفسرة بشكل كامل بين الرضاعة الطبيعية وانخفاض معدلات الإصابة باكتئاب ما بعد الولادة، وما يزال التساؤل قائمًا، هل الرضاعة تقي الأمهات حقًّا من الاكتئاب؟ أم أن الأمهات اللاتي يُفلتن من براثن الاكتئاب هنّ الأكثر قدرة على متابعة الرضاعة؟
في الحالة الأولى تذهب بعض التفسيرات إلى أن ارتفاع نسب بعض الهرمونات أثناء الرضاعة من شأنه تعزيز حالة الأم النفسية، وفي الحالة الثانية قد يمكن تفسير العلاقة بأن البيئة الداعمة للأم ومرورها بتجربة حمل وولادة صحية نفسيًّا وجسديًّا من شأنهما أن يسهما في إنجاح الرضاعة الطبيعية، بجانب تعزيز الحالة النفسية للأم، ووقايتها من الاكتئاب.
2- رابطة أقوى مع طفلك ووقت أطول معه
انظري إلى الأمر من هذه الزاوية، توفير وقت إعداد الرضعات الصناعية من غلي، وتعقيم، وتجهيز، وتبريد قد يستغرق تقريبًا مدة مقاربة لمدة الرضعة الطبيعية المستقرة، وهو حتمًا لا يقارن بأن تتدثري أنت وطفلك في فراش دافئ في ليلة شتوية باردة.
3- صحة أفضل لطفلك.. ووقت أفضل لك
من المنطقي أن نضع كل الفوائد الصحية للطفل تحت بند المكتسبات النفسية العائدة على الأم من الرضاعة. فكلنا يبحث عن الأفضل لطفله. لكن على جانب آخر، فصحة أفضل لطفلك، تعني أمراض أقل، وساعات تمريض أقل، ووقت عالي الجودة والفاعلية لكليكما.
4- تساعد في حماية البيئة
إذا كنتِ من الأمهات اللاتي يشعرن بمسئولية تجاه البيئة بشكل عام، فاختيارك للرضاعة الطبيعة من شأنه أن يقلل من المستهلكات البلاستيكية على سطح الكوكب بمجرد عدم استخدامك للببرونة (الرضَاعة) أو اللهاية (التيتينة- السكّاتة).
5- تقليل العبء المادي على الأسرة
فبمعادلة حسابية بسيطة نجد أن تكلفة الرضاعة الطبيعية تكاد تكون صفرًا، أما الرضاعة الصناعية فهي كثيرة المستهلكات وتكلفتها في زيادة مطردة.
هل تعيق الرضاعة الطبيعية طموح الأم ونجاحها العملي؟
العامل المحير لدى بعض الأمهات هنا هو نظرتها إلى الرضاعة على أنها عقبة في طريق عودتها إلى العمل، ولدى بعض الأمهات قد تكون العودة إلى العمل ضرورة مادية، بالإضافة إلى الاعتبارات والأولويات المختلفة وفقًا لكل أسرة. الجيد في الأمر أن الأم بإمكانها العودة إلى العمل والحفاظ على الرضاعة الطبيعية، فقط بالقليل من المساعدة والتوجيه من استشاري الرضاعة الطبيعية؛ لكي تتعلم الطريقة الأفضل لاستخراج لبنها وحفظه وتخزينه بفاعلية، حتى يصل إلى طفلها وهي في العمل، ودون أن يؤثر ذلك في استمرارية الرضاعة.
المفاجأة هنا تكمن في مدى استفادة ربّ العمل من نجاح الأم في الرضاعة الطبيعية!
فالأمهات اللواتي يجدن بيئة عمل داعمة، فقط بمجرد توفير مكان مناسب للرضاعة أو ضخ اللبن أثناء أوقات العمل، يشعرن بانتماء أفضل للمكان، وقد يلاحظ تحسن في مدى إنتاجيتهن. كما أن الإبقاء على الموظفات ذوات الخبرة أفضل من البحث عن أخريات جدد بسبب انقطاع البعض عن العمل بعد الإنجاب. كما وجد أن أيام الإجازات المفاجئة لدى الأمهات اللواتي يرضعن أطفالهم طبيعيًّا تكون أقل من غيرهن؛ لأن أطفالهن يتمتعن بصحة أفضل، وفرصة ضعيفة للإصابة بالعدوى، فلا تحتاج الأمهات إلى ترك العمل عدة أيام من أجل الاعتناء بالأطفال.
في النهاية يمكننا القول إن واحدة من أكبر الصعوبات التي تواجه الأمهات في تحقيق الرضاعة الطبيعية هي تقديمنا للرضاعة بوصفها واجبًا وفرض عين، ونحفّ التجربة بالكثير من التنازلات المفترضة والتضحيات المتوقعة، بل قد نترصد لأي خطأ أو تهاون أو غفلة منهن، ونمنحهن في المقابل وصمة الأم المهملة، رغم أن القليل من الدعم هو كل ما يتطلبه الأمر حتى تمر أكثر الأشهر ثراءً في حياة الأم والطفل، ويخرج الجميع من التجربة بخير حال.

JoomShaper