ربما قد جربت مرةًأن تضغط بقوة على حبة جوز صلبة لبعض الوقت، وبشكل متواصل؛ لتجد أنها قد أصبحت أقل صلابة ومقاومة للضغط بل وأكثر هشاشة؛ فتصبح قابلة للاستجابة لأي عوامل خارجية حتى لو كانت ضعيفة، حتى أنها يمكن أن تستجيب لضغط طفل صغير؛ لتتفتت بعد أن كانت قوية وصلبة. وهذا تماماً ينطبق على النفس الإنسانية التي تُصاب بالهشاشة النفسية بعد أن كانت صلبة متماسكة نتيجة تعرضها للضغوط المستمرة لفترة ليست قصيرة.
ويُشير مصطلح الهشاشة النفسية إلى الحالة غير المتزنة التي يعاني منها البعض مما تجعلهم ضعاف النفس قابلين للتأثر بالعوامل الخارجية كالصدمات والأوضاع المزعجة نتيجة التعرض للضغوط والتوتر المستمرين. وكونهم لم يتمكنوا من التكيف معهما وإدارتهما بمرونة وبالتالي يصابون بالهشاشة النفسية.


ورغم أن الضغوط المستمرة والطويلة عامل أساسي في هشاشة النفس إلا أن الضغوط تُشكل عاملاً يتعرض له الجميع لكن تختلف الاستجابة الشخصية من شخص لآخر فيستجيب له البعض بشكل سلبي؛ لتصبح نفسه هشة بينما يستجيب له آخرون فتزداد أنفسهم صلابة وقوة وتُصقل شخصياتهم من خلاله وتصبح أكثر مقاومة وإرادة. فالضغوط عوامل عامة والاستجابة الشخصية هي العامل المؤثر بشكل رئيسي وذلك حسب تمتع الشخصية بالمهارات الشخصية والاجتماعية التي تجعل من الضغوط عاملاً إيجابياً لها أو قاصماً تستجيب له بالضعف وتتأثر به لعدم قدرتها على إدارته أو الخروج منه بتجربة مفيدة بل تستمر بالدوران في دائرة المشاعر السلبية التي تغذيها بالضعف يوماً بعد يوم حتى تصل للهشاشة النفسية.
وتتمثل أعراض الهشاشة النفسية بفقدان الهوية فلا يجد نفسه من يعاني من الهشاشة النفسية في أي عمل ضائع الهدف. وضائع في ملامح شخصيته يعجب بمن يقابلهم فيقلد هذا وذاك؛ حتى لا يعد يجد ملامح شخصيته ولا يعرف من هو وماذا يريد وما هدفه؟
ويكون شديد التأثربالأحداث والضغوط المحيطة البسيطة قبل القوية كثير الشكوى من كل ما حوله وينهار من أبسط الأحداث ويغلب جانب المشاعر والإحباط ويعلق إخفاقاته على الأحداث والأشخاص من حوله؛ لعجزه عن النهوض بقوة مرة أخرى وعدم استبصاره بمشكلاته الشخصية وقلة مهاراته الشخصية والاجتماعية المسببة لضعفه. كما أن الإدارة السلبية لمشاعره تجاه نفسه والآخرين تجعله ينفجر بغضب من أتفه المواقف فهوكثير القلق والتفكير في دائرة مغلقة لا تثمر. ومع ذلك فهو يحاول الحفاظ على البنية الشخصية عن طريق العناد حتى لا يفقد الأمان الشخصي الذي يعتبر مصدر قوته وكذلك حتى لا تذوب شخصيته لأنه يشعر بالضعف من تبعيته للآخرين ومسايرته لهم؛ لفقدانه المهارات فيتذبذب بين العناد والانقياد.
وتتعدد الأسباب التي تؤدي للهشاشة النفسية ويمكن التعرف على أهمها:

هيمنة التفكير العاطفي بدرجة كبيرة والذي يحيد عن التفكير العقلاني فتكون إدارة كثير من أمور الحياة بناء على المشاعر فقط دون محاولة رؤيتها من زوايا متعددة مما يجعل من ينتمي لهذا النوع من التفكير أن يكون متقلب المزاج وكثير الصدمات فالحياة تحمل الكثير من المفاجآت غير المتوقعة. ومن لم يفهم طبيعة الحياة ويفكر فيها بشكل عقلاني واقعي فإنه حتماً سيصاب بصدمات متتالية من الفقد والتغير لما يحب ولمن يحب والمنع لمرغوبات وتغير الأحوال بشكل مستمر. وذلك يصيبه بصدمات مؤلمة تترك أثرها على نفسه.
إن ملازمة البحث في الذكريات الماضية وتفحص المشاعر فيها وتقليب المواجع والأحداث المزعجة دون الاستفادة من تجاربها ينتج الضعف والهشاشة النفسية لأنها تجعل من هؤلاء الباحثين عن الذكريات أسارى للمشاعر السلبية ولوم الذات وإسقاط المشكلات على الآخرين بدلاً من استنباط خلاصة تعليمية من التجربة تمكنهم من إدارة حياتهم والمواقف المستقبلية بشكل أفضل.
الحساسية الشديدة سواء الشخصية بأخذ المواقف والتفاعل الاجتماعي بمحمل شخصي في الكثير من المواقف. وكذلك تجاه الأحداث وتفسيرها من منطلقات اعتقادات ومرجعيات سلبية ذاتية.
إن ضعف الشخصية ومحاولة إرضاء الناس بشكل مستمر تُضعف النفس لكثرة ما يجده من إحباطات متكررة فهو كمن يركض وراء سراب لا يصل إليه فرضا الناس غاية لا تُدرك.
التشوهات المعرفية التي تجعل التفكير ينحرف عن العقلانية؛ ليتجه للتفكير ضمن التفكير الحدي فالأمور تحمل لونين إما أبيض أو أسود لا توسط فيها ولا مرونة وتعميم النتائج على كل المواقف وانتقاء السلبية من الأحداث والمواقف والتركيز عليها.. وغيرها من الأفكار المشوهة التي تجهد الفكر بسلبيتها وتضعف النفس.
الشخصية النرجسية عادة تكون أكثر هشاشة من غيرها وبالتالي تعظم ذاتها لتغطي على ضعفها من الداخل كما أنها يمكن أن تزداد هشاشتها حين تجد الرفض الاجتماعي لأنانيتها بالتالي تجد تهميش المجتمع لما تعتقده عظمة في شخصيتها وإنجازاتها فتتهشم.
المشاعر السلبية من قلق ومخاوف مختلفة تجعل النفس مأسورة ضمن نطاق وهمي محدد تمنعه من الكثير من فرص تحقيق الذات. وكذلكبعض العوامل التربوية والتي تُنتج الوهن النفسي نتيجة البحث عن رضا الآخرين دون الاهتمام بتحقيق الذات. وتعظيم القواعد الاجتماعية مما يجعل معايير التحكم خارجية لا ذاتية. فينشأ الطفل في مهب الريح من كلام الناس فلا يجد نفسه إلا من خلال من حوله إن أثنوا عليه رضي عن نفسه وإن نقدوه استاء وشعر بالضعف.
التعلق المفرط بالآخرين خاصة التعلق العاطفي لدرجة الاعتماد الكامل وإدمان وجودهم في حياته مما يُشعره بالضياع بدونهم أو ببعدهم والتخلي عنه.
الكبت المفرط للمشاعر وقلة تفريغ المشاعر الناتجة عن الضغوط المتراكمة مما يصيب النفس بالإنهاك والهشاشة.
أما عن سبل الوقاية والعلاج:

المرونة في التعامل مع الأحداث الحياتية حتى لا تتراكم الضغوط وتسبب التوتر والقلق. والمرونة تزداد بزيادة المهارات الشخصية ومهارات توكيد الذات وتعلم إدارة الضغوط.
إن رسم مسار يحدد ملامح الأهداف التي ينشد الوصول إليها وتحديد سبل الوصول إليها مع تجاوز كل العقبات في سبيل ذلك يعمق الثقة بالنفس والرضا عن الذات ويزيد من رصيد الخبرات وبالتالي يمنح بعض الصلابة النفسية.
رسم الحدود الشخصية والاجتماعية بشكل أوضح بتدعيم الذات توكيدها بتعلم متى يقبل متى يرفض ما هي حقوقه وواجباته وكيفية تحمل المسؤولية وأساليب التعبير عن المشاعر والآراء والتعامل مع الأشخاص والأحداث بمرونة.
إثارة الدافعية لتحدي الأوضاع الصعبة والاستفادة منها بالمزيد من النمو النفسي الإيجابي مع محاولة التغيير في الواقعمن خلال التطوير الشخصي دون الاستسلام للعقبات.
استخلاص الفوائد الشخصية من التجارب الحياتية وتجاهل المشاعر السلبية والتشاغل عنها بالتطلع للمستقبل وتحقيق الأهداف.
إيجاد قدوة ناجحة واقتفاء أثرها والقراءة حولها إن لم تكن حاضرة أمامهللتعلم منها كيف نجحت وكيف تجاوزت الكثير من العقبات الحياتية وحققت ذاتها.
التفكير العقلاني الذي يعتبر لب كل قوة نفسية لأنه المثير الأكبر للمشاعر والمحرك للسلوك فبالتمسك به وتصحيح أي انحراف فكري تزداد النفس قوةً وتماسكاً.
التعلق بالله دون غيره والحرص على رضاه فبرضاه تتحقق القوة وكسب قلوب العباد.

JoomShaper