ماري هارون - الجزيرة نت
21/2/2021
"ينمو طفل في أحشائها" هذا هو أبسط تعبير لحمل المرأة، لا يمكن أن ينمو طفل بلا مقابل وبلا تأثير، فهو ينمو من خلال بناء نفسه من جسم المرأة.
يبدأ جسم المرأة منذ اللحظات الأولى في الحمل بالخضوع لعدد كبير من التغيرات الفسيولوجية، بعضها يظهر على الفور مثل غثيان الصباح وتقلب المزاج، وبعضها يكون غير مرئي تؤثر في الدماغ.


تمر المرأة خلال فترة الحمل بتعديلات في البنية الوظيفية للدماغ، ويشكل الحمل نقطة تحول في حياتها، ويعد ذلك التغير في الدماغ ضروريا من أجل التكيف مع متطلباتها الحياتية الجديدة كأم.
بنية الدماغ
قام فريق من الباحثين في هولندا وإسبانيا بتصوير التغيرات التي تحدث للمرأة أثناء الحمل من خلال التصوير الطبقي المحوري (الرنين المغناطيسي)، وبمقارنتها مع تصوير الدماغ قبل الحمل وبعد الإنجاب، وجد الباحثون تقلص المادة الرمادية في الدماغ، وهي التي تمثل في التصوير الإشعاعي الأنسجة والخلايا المتشابكة مع الأعصاب، واستمرت النساء الخاضعات للتجربة في فقدان تلك الخلايا على مدار عامين بعد الولادة.
يبدو الأمر في الوهلة الأولى ضارا ومخيفا، لكن علميا التأثير عكس ذلك تماما، تلك المناطق التي تقلصت تساعد المرأة على تعزيز مستويات الإدراك الاجتماعي الذي يساعد الأم على رعاية طفلها، مما يمكنها بشكل مباشر من فك طلاسم التعامل مع الرضيع ومعرفة احتياجاته من خلال بكائه، ومزيد من الاستعداد لتفسير الاحتياجات من خلال لغة الجسد، وكلها أشياء تفيد الأم.
قد تتسبب تلك التغيرات في معاناة النساء من بعض المشكلات في الذاكرة، لكن بصورة ما يعيد الجسم توجيه الطاقة والموارد بالجسم لرعاية الطفل.
الأمور تعود لطبيعتها لاحقا
أكدت الدراسة أن هناك تغيرات طويلة الأمد في دماغ المرأة وذلك أمر طبيعي بسبب التغيرات الهرمونية والتعديلات البيولوجية التي يسببها الحمل، حيث يتم استعادة معظم الحجم المفقود في حالة عدم وجود حمل خلال تلك الفترة.
ورغم أن الباحثين لا يتوقعون الوصول إلى نتائج على البشر بنفس المستوى على القوارض، حيث تسمح الدراسات على القوارض بالفحص من خلال تشريح الدماغ، إلا أن الاستنتاج كان يميل إلى أن الخسائر في المادة الرمادية منحت النساء ميزة التكيف.
وفي مجلة ساينس العلمية أشار علماء -تعليقا على الدراسة- إلى أنها ليست فقط أول دراسة تظهر تغيرات تشريحية واسعة النطاق في الدماغ البشري لامرأة حامل، ولكن تذهب إلى أبعد من ذلك من خلال إظهار أن التغيرات تستمر لمدة عامين على الأقل.
يقول ميل روثرفورد عالم النفس التطوري في جامعة ماكماستر في هاملتون بكندا "إنه يفتح الباب أمام احتمال أن يتسبب في أن تغيرات الأمومة قد يكون لها آثار في صنع القرار والسلوك في وقت لاحق من الحياة".
تقلب المزاج
يساهم عدد غير قليل من العوامل في تقلب مزاج الحوامل والنساء عموما، من بينها الهرمونات والحرمان من النوم والأرق، كل ذلك غيض من فيض التغيرات التي تعانيها المرأة.
ولعل أكبر طفرة تحدث للمرأة تكون خلال الأيام الأولى من الحمل، فتشهد فيضانا من الإستروجين والبروجيستيرون، وهذه الهرمونات يمكنها أن تقوم بتفعيل مشاعر متضاربة، حيث يعمل الإستروجين على تنظيم المزاج ولذلك يرتبط بالقلق والاكتئاب، والبروجسترون من ناحية أخرى يساعد على الشعور بالعضلات والمفاصل ويمنع الانقباضات المبكرة (الطلق) للحفاظ على الحمل وثباته، وبالتالي أي اضطراب في مستوياته يسبب شعورا بالتعب والإرهاق والركود والحزن الشديد.
لذلك فإن أي ارتفاع مفاجئ في كلا الهرمونين يسبب انهيارا تاما للمرأة الحامل، الشعور بالفرحة الذي يصيب بعض السيدات عند رؤية بطونهن تتمدد هو ذاته سبب رئيسي لفزع بعضهن وعدم استيعابهن لما هن مقبلات عليه، فتعامل النساء مع الصورة الخاصة بالجسد المثالي أمر وثيق ولا يمكن الاستهانة به وبمدى تأثيره على حالتهن النفسية.
تجربة الأمومة للمرأة لها علاقة بالتجربة السلوكية والاستثنائية التي تعيشها (غيتي إيميجز)
هل الحمل خبر مخيف؟
ترتبط معرفة الخبر بالحمل للمرأة غالبا بكونه خبرا سارا، لكن واحدة من بين 5 سيدات حوامل يعانين من اضطرابات في صحتهن العقلية بسبب الحمل بين الاكتئاب والقلق.
تكمن المشكلة هنا في معرفة السبب وراء المشاكل النفسية، هل هي بسبب الاضطرابات الهرمونية التي تحدث على خلفية الحمل أم بسبب ضغوطات حقيقية ومخاوف ملموسة تعيشها المرأة؟
ولكن أيا كان السبب، هناك نصائح عدة لتقليل الشعور بالضيق، ومن أهمها ممارسة الرياضة والحصول على نظام غذائي متوازن، لأن العديد من النساء يدخلن في اكتئاب مع زيادة الوزن المفرطة بسبب الحمل، بالإضافة إلى الحصول على قسط مناسب من النوم، بحسب الكلية الملكية للطب النفسي بإنجلترا.
لا شك أن تجربة الأمومة تضيف للمرأة وتصقل شخصيتها بدوافع عدة لها علاقة بالتجربة السلوكية والاستثنائية التي تعيشها، ولكي ينمو طفل في أحشائها لابد من تكييف فسيولوجي من الجسم أولا، سواء كان الدماغ يستعد لاستقبال المولود أو أن النفس بحاجة للتدريب على دوام كامل بلا أي إجازات.
كل هذا يعني أن الجسم يستعد لاستقبال حياة جديدة، وأن المرأة بحاجة إلى الدعم، ففي مقابل النسيان تصبح أكثر فراسة وحنانا وتستطيع أن تفسر احتياجات طفلها قبل أن يتكلم، وعلى أي حال فإن الدراسات تؤكد أن كل تلك التأثيرات مؤقتة وسرعان ما تستعيد المرأة توازنها بعد عامين بالتدريج.

JoomShaper