تتيانا الكور
تمنح العديد من برامج الحمية الدارجة في مجتمعنا الفرصة والأمل لإنقاص الوزن بشكل غير صحي، وكأنه الحل السحري والأمثل لأجسام وأشكال لم يسبق لها مثيل. وعند التدقيق في هذه البرامج، غالبا ما نجدها مرتفعة التكاليف، ومقرونة بشراء أغذية خاصة مع إدعاءات إحتيالية بأن عملية تخفيض الوزن والتنحيف لن تتم بالصورة المطلوبة إذا لم يتم تناول هذه الأغذية الخاصة.
ولقد وردتني العديد من الأسئلة حول الحقيقة العلمية وراء إتباع حمية غذائية لفصيلة الدم، ولعلني أبدأ باستعراض مفهوم حمية فصائل الدم وأتطرق إلى الآليات والمبادئ التي تقوم عليها هذه الحمية، والمشاكل الصحية لكل فصيلة ما لم يتم إتباع الحمية المخصصة، إضافة إلى المجموعات الغذائية ومحددات كل فصيلة. من ثم أنتقل إلى سرد تداعيات إتباع الحمية مع إيجابيات وسلبيات إتباعها، وسأشارككم مخاوفي وإعتباراتي في حالة اللجوء إلى إتباع مثل هذه الحمية.
مفهوم حمية فصائل الدم
تم تأسيس نظام حمية فصائل الدم من قبل إحدى أطباء الطب البديل المدعو بيتر دادامو. ويعتبر الموقع الإلكتروني وكتب الطبيب بيتر كمؤلف المصدر الرئيسي للسند العلمي والمرجعية التي لجأت إليها، إضافة إلى العديد من الكتب الموجودة في الأسواق. ويشير الطبيب بيتر إلى أن حمية فصائل الدم تعتمد بشكل رئيسي على علاقة تفاعل الغذاء بفصيلة الدم نظير وجود بروتينات معينة في الغذاء تدعى «اللكتين.»
آلية ومبدأ عمل حمية فصائل الدم
يعزي الطبيب بيتر السبب إلى أن هنالك بروتينات في الغذاء تؤثر على فصيلة الدم مما يؤدي إلى إختلاف تفاعلها مع الغذاء المتناول بحيث أنه إذا تم تناول غذاء ما لفصيلة دم معينة ولم يكن مناسبا، فقد ينتج عن هذه العملية تفاعل غير مرغوب وخطير يؤدي إلى «سمية» الجسم وترسب بروتينات «اللكتين» في العديد من أعضاء وخلايا جسمنا مسببة بالتالي مشاكل صحية تظهر بصورة زيادة الوزن أو السمنة، إلتهاب المفاصل، السرطان، مشاكل قلبية، إلى غير ذلك.
المشاكل الصحية
المقرونة بعدم إتباع الحمية
وتختلف المشاكل الصحية باختلاف فصيلة الدم إذ يشير الطبيب بيتر إلى أن فصيلة دم (O) هي أكثر عرضة للإصابة بالتقرحات المعوية نتيجة زيادة الأحماض المعوية، كما أنها أكثر عرضة للإصابة بإلتهابات المفاصل وإلتهابات الغدة الدرقية ما لم يتم الإلتزام بالحمية، بينما فصيلة دم (A) هي أكثر عرضة للإصابة بالسرطان والسكري وأمراض القلب ما لم يتم الإلتزام بالحمية، وفصيلة دم (B) هي أكثر عرضة للإصابة بفيروسات بطيئة النمو والتي بدورها تهاجم الجهاز العصبي ما لم يتم الإلتزام بالحمية، بينما فصيلة دم (AB) تتمتع بأقوى جهاز مناعي عن بقية الفصائل، إلا أنها أكثر عرضة للإصابة بأمراض السرطان والسكري والقلب ما لم يتم الإلتزام بالحمية.
المجموعات الغذائية لفصيلة الدم
يقسم الطبيب بيتر المجموعات الغذائية إلى 17 مجموعة غذائية تختلف نسبة إلى مكوناتها، وعند النظر فيها، تبدو وكأنها معقدة وتحتوي على منتجات لا نتداولها عادة، ومن أبرزها مجموعة اللحوم والدواجن ولحم الخنزير والدجاج، مجموعة المأكولات البحرية والأسماك والمحار، مجموعة الألبان، الحليب والآيس كريم، والجبن ، ومجموعة البيض، مجموعة الزيوت والدهون مثل زيت الفول السوداني، زيت بذر الكتان وزيت السمسم، مجموعة المكسرات والبذور، مجموعة البقوليات والفول والفاصوليا والبازلاء، مجموعة الحبوب مثل الشوفان والشعير والقمح ورقائق الذرة والأرز، ومجموعة الخبز والكعك وجميع المنتجات المخبوزة، مجموعة المعكرونات، مجموعة الخضار والزيتون والفلفل والأفوكادو، مجموعة الفواكه الطازجة والمجففة والمعلبة، مجموعة العصائر والسوائل الطازجة وعصائر الفاكهة، مجموعة التوابل مثل صلصة الصويا والتوابل الطازجة والمجففة، ومجموعة المايونيز والخردل وصلصة الطماطم والهلام والمربيات والمخللات، ومجموعة المشروبات كالقهوة والشاي الأسود والشاي الأخضر، ومياه سيلتزر، والكولا، والنبيذ والبيرة، والخمور.
محددات فصائل الدم
تعتمد عملية تحديد الحمية على المجموعات الغذائية لأن هنالك أصناف معينة من الغذاء ضمن المجموعة الغذائية التي يسمح بتناولها، وأخرى يمنع تناولها. وباختصار، يدعي الطبيب بيتر بأن فصيلة دم (O) يجب أن تتبع حمية غنية بالبروتينات، بالأخص اللحم الأحمر، وفقيرة بالنشويات (أي أن تناول القمح ومنتجاته ممنوع)، بينما يدعو فصيلة دم (A) بالإعتماد على حمية نباتية بحتة ، وفصيلة دم (B) أن تتبع حمية معتدلة من جميع المجموعات الغذائية وباختيار أطعمة معينة من كل مجموعة، وتتميز حمية فصيلة دم (AB) بأنها مزيج غذائي من حمية فصيلة دم (A) وحمية دم (B).
تداعيات إتباع الحمية
تختلف محددات كل فصيلة باختلاف المصدر المشار إليه إذ أن هنالك تضارب واضح في المعلومات المتوفرة والمنشورة في كل مرجع، مع العلم بأن الجميع ينسب جزء من المنطق والعلم إلى نظرية الطبيب بيتر مما جعلني مترددة ومحتارة نحو من أصدق، فمثلا، فصيلة دم (O) لا يسمح لها بتناول البرتقال لدى مراجع الطبيب نفسه، بينما تسمح مصادر أخرى بتناوله وبكثرة. ولعل الحمية المخصصة لفصيلة دم (O) هي الأكثر ضررا بالصحة لأن تناول كميات كبيرة من اللحم الأحمر يزيد من فرصة الإصابة بمرض النقرس بعكس ما يدعي الطبيب بأنها تقي الجسم من الإصابة بإلتهاب المفاصل وداء النقرس. كم أن مفهوم مثل هذه الحمية يشجع المعتقد الدارج بأن جسمنا «لا يهضم» أغذية ما تبعا لفصيلة دمنا.
المخاوف الصحية
عند دراسة برنامج الحمية لفصائل الدم، تبدو اللغة العلمية المستعملة معقدة مما يجعلها مضلة في كثير من الأحيان، كما أن لوجود التحذيرات الخطيرة بأنه إذا لم يتم إتباع البرنامج، ستحصل كارثة صحية، هو بحد ذاته مريب لأن عملية تطور المرض لا تتعلق فقط بإلتزامنا في الحمية. وتتميز جميع المراجع بإدعاءات غير منطقية، مثل وصف تفاعلات الجسم وأحماض المعدة وبروتينات الغذاء، كما أن النتائج المستخلصة من الدراسات لا يوجد لها أساس علمي دقيق وواضح وصريح يتبع أسس الأدلة العلمية وفي ضوء أفضل الممارسات العالمية للأبحاث والتجارب. ولعل التوصيات التي تدعيها هذه المصادر هي تلك المستندة على رأي عالم واحد، ولا تراعي الإختلافات الفردية إلا في حالة فصيلة الدم فقط، وبدون إعتبار ما يتوفر من غذاء ومصادر في منطقتنا وما نفضله كمستهلكين ومستهلكات وكأسر ومجتمع.
و يجدر بنا أن نتطلع إلى النتائج غير الصحية التي يمكن أن تترتب علينا نتيجة إتباعنا لمثل هذه الحميات، فهنالك أغذية معينة تتعارض مع بعض الأدوية، بالأخص الأغذية الغنية بالبروتين لأن البروتين يعيق آلية إمتصاص بعض الأدوية في جسمنا. وقد تتسبب عملية الحرمان في سوء التغذية نظرا لعدم وجود تكاملية في العناصر الغذائية المتناولة. وقد تختلف المضاعفات من شخص لآخر إعتمادا على درجة الإلتزام والتقيد والحرمان، وقد تظهر أعراض أخرى لدى البعض الآخر مثل الدوار والرجفان والإرهاق والإغماء والعصبية والإكتئاب.
إعتبارات مهمة
ولعل هنالك إعتبارات يجب أن نراعيها عند تقييمنا لإتباع برنامج ما وهي: مدى قدرتنا على الإستمرار في البرنامج لمدة طويلة، مدى قدرتنا على تطبيق البرنامج، الجهد المطلوب منا لتحقيق نجاح في البرنامج، مدى مرونة البرنامج والخيارات الغذائية فيه، كيفية توافق البرنامج مع الأسرة، التكلفة التي ينطوي عليها، وقوة الأدلة العلمية الداعمة لتطبيق مثل هذا البرنامج.
وغالبا ما يلجأ العديد منا لإتباع مثل هذه الحميات بدافع الإحباط والملل والتعب وحب خوض التجربة لبرامج جديدة قد تخلق منا جسم آخر ولكنها تهدف إلى خلق روح النقص فينا بأن أجسامنا ليست كاملة و»لا تهضم» فحسب، وأنه لمن الممكن تحقيق الوزن والجسم المثالي باتباعنا حمية ما وحرماننا من أغذية صحية هامة، بل ويعتقد البعض منا بأن الإلتزام بقوائم أغذية مناسبة وأخرة ضارة هو فعليا آمن ولا يمكن أن يؤذينا وأن تداولها وإتباعها مسموح به. فعندما أسأل أي شخص بوزن معتدل أو زائد أو بدين عن أقصى ما يتمناه أو أقصى ما تتمناه، فغالبا ما أتلقى الإجابة نفسها: «بدي جسم مودل! وبدي حمية تحل لي المشكلة!!» والمحزن في الأمر هو تجاهلنا للسؤال أو حتى البحث العلمي الذاتي عن ماهية الآثار الصحية والمضاعفات لإتباع مثل هذه الحميات. وحقيقة الأمرهو أنه لو كان لدينا حمية بهذه الفعالية، لما كنا نشهد إنتشار ظاهرة ومشكلة الوزن الزائد والسمنة لدى كافة الفئات العمرية في عصرنا الحالي، ناهيك عن إنتشار المضاعفات المترتبة نظير ذلك من أمراض مزمنة مثل أمراض القلب والأوعية الدموية والسكري والسرطانات والتهابات المفاصل، والإكتئاب.
ولعل ما يبعث التفاؤل هو أن الأبحاث حول هذا الموضوع لا تزال مستمرة ومع تطور العلم، ربما نتوصل لإكتشاف هذا الجزيء الذي سيغير حياة ملايين الأشخاص. أما في الوقت الحالي، فإن ما توصلت إليه أبرز الأبحاث والخبرات والأدلة العلمية هو وجوب تأسيس نمط حياتي صحي يتمثل بتنظيم الوجبات الغذائية للحصول على نظام غذائي صحي مع إتباع السلوكيات والعادات الغذائية الصحية والتي تشمل التعديل في سلوكيات تناولنا للطعام والتثقيف الغذائي، إضافة إلى الأنشطة البدنية، وتغيير سلوكيات التسوق والسلوكيات النفسية، وبالطبع السيطرة على التوتر والضغط النفسي الذي يدفع الكثير من الأشخاص إلى تناول الطعام بشراهة، أو عدم تناوله على الإطلاق.
إستشارية التغذية الطبية والعلاجية
الحمية الغذائية لفصائل الدم .. الحقيقة والتضليل
- التفاصيل